الثلاثاء، 30 يونيو 2026

وطن حسين بقلم الكاتب (عبد الفتاح حموده)

 وطن حسين

اسمي حسين أبو زيد، مهندس كيميائي، اضطرتني طبيعة عملي إلى السفر للعمل في بلاد عربية وأجنبية مختلفة.


أما عن زوجتي، فقد يبدو اسمها غريبًا أو غير متداول بين الناس، ولعل قيمته عندي في غرابته. أليس لكل إنسان منا (وطن) يفخر بالانتماء إليه؟ فأنا الآخر لي (وطن) أنتمي له، وهو كل حياتي. وطن هو اسم (زوجتي)، أحب الناس إلى قلبي، ولعل لله حكمته في أنه لم يرزقنا بالأولاد، ليكون ذلك سببًا قويًا في زيادة الارتباط بيني وبين زوجتي، التي عاشت معي سنوات طوالًا حافلة بالذكريات الكثيرة.


الارتباط العميق بين الزوجين نتيجة صدق المشاعر ووضوح النوايا، وكل هذا يعتبر دافعًا قويًا لمواجهة أي حدث، صغر أو كبر، قد نصطدم به في حياتنا، ويعمل على محو أي خلاف قد يحدث بيننا في مهده.


منذ بضعة أيام، رقدت وطني الحبيبة على إثر مرض شديد ألمَّ بها في رأسها، حيث أقر الطبيب ضرورة إجراء عملية جراحية عاجلة، وكلما أسرعنا فيها كان أفضل لزوال الخطر عنها.


جلست على حافة الفراش، وأمسكت بيدها أقبلها وأنظر إليها، وحاولت جاهدًا أن أخفي عنها حزني الشديد لمرضها، فليس لي في دنياي غيرها، وكتمت عنها خطورة مرضها، وأيضًا التكلفة المالية المطلوبة لإجراء العملية، فهي تعرف تمامًا أننا لم نعد نملك إلا المعاش الشهري، وهو بالكاد يكفينا في ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.


ولابد أن أبذل كل جهدي لتوفير هذا المبلغ، حتى لو اضطررت إلى بيع الثياب التي أرتديها، وإن لم أفعل ذلك فسوف أعيش بقية عمري أتألم من الندم لإحساسي بالتقصير.


وما حياتي أنا إن لم تكن فيها وطني الغالي؟ فزوجتي أقرب إلى نفسي مني، لدرجة أنها قد تشعر بما أفكر فيه، وما أود الحديث عنه.


وقد رغبت يومًا أن أبوح لها بأمر أخفيه عنها، يشغل بالي ويؤرق مضجعي، وقد اعتدت ألا أخفي أي شيء عنها منذ زواجنا، وعندما هممت بالحديث عن ذلك الأمر كانت المفاجأة.


عندما هممت بالاعتراف لزوجتي بالأمر الذي يشغل بالي، إذ بها تخبرني بأنها تعرفه؛ لأنني كنت يومًا ما أهذي ببعض الكلمات أثناء نومي، وأرتجف من شدة الخوف والإحساس بالذنب من بعض التجاوزات في بعض العلاقات أثناء فترة عملي بالخارج، فكانت تضمُّني إليها وترفق بي حتى تهدأ نفسي تمامًا.


ليس هذا فحسب، فقد كانت تتابع الخطب الدينية التي كنت ألقيها في المسجد المجاور للمنزل كل يوم جمعة، وتراقب الدعاء إلى الله بغفران الذنوب والعفو عنها.


وتشعر بي وأنا أسجد لله في جوف الليل، وأبتهل إليه بالعفو والرضا، في وقت كنت أظنها غارقة في نومها.


ماذا أفعل وقد طرقت أبوابًا كثيرة لكي أستطيع أن أدبر المبلغ المطلوب لإجراء العملية الجراحية في أقرب وقت ممكن، رغم أن معظم من لجأت إليهم كنت أنفق عليهم بلا حساب؟


ماذا أفعل وقد استبد بي القلق، وأحسست بالعجز تمامًا، وكم دعوت الله عز وجل أن يوفقني في هذا الأمر.


قالت لي زوجتي:


- ما بك يا حسين؟ بماذا أخبرك الطبيب؟ هل تخفي أي شيء عني؟


- وطني الحبيبة، هل سبق وأخفيت عليك أي شيء من قبل؟


- لا، لم يسبق أن أخفيت أي شيء، ولكن بماذا أخبرك الطبيب؟


- يا حبيبتي، الطبيب لم يقل إلا إن ارتفاع ضغط الدم أدى إلى بعض المضاعفات في الرأس، وأنه يلزمك الراحة والالتزام بمواعيد تناول الأدوية.


وأثناء حديثنا، سمعت بعض الطرقات على الباب، فذهبت لأرى من الطارق، ففوجئت ببعض المصلين في المسجد الذي أصلي فيه قد جمعوا تكلفة العملية لزوجتي، وجاءوا بها إلينا، ولم أتفوه بكلمة واحدة، وانهمرت الدموع من عيني، وسجدت على الفور لله، أشكره وأحمده على عطاياه ونعمه التي لا تحصى.

مع أطيب التحيات

(عبد الفتاح حموده)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق