الأحد، 21 يونيو 2026

أمانة الشعر..وارتعاش الروح: وقفة مع " وصية*" الشاعر التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 أمانة الشعر..وارتعاش الروح:

وقفة مع " وصية*" الشاعر التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري 


متى نكون في أبهى طيبنا،ونحن نرتوي عشقا للصدق والجمال،بشهوة المحبين،وكأنهما يعقدان قران أرواحنا على إيقاع واحد-فذاك هو الأجمل، ذاك هو الأوفى.

وهنا،لا أُخفي ارتعاش روحي،ولا أكتم ابتهاجها بما اكتشفتُه آنفا في قصائد شاعرنا التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري.

قصائد أوصاني بها،كأنما يستودعني روحه،إن حلّ به مكروه-لا سمح الله.لكنني،إذ أقلّبها بين يدي،كدت أقول إني "خنت الأمانة"،فقد عجزتُ عن حبسها تحت الثرى أو فوق السماء،من فرط ما توهّجت وما تلألأت.فاعذرني يا شاعرنا العظيم،فما خنتك يوما،لكنني هذه المرة أخونك من أجل قارئ أراه يمدّ خطاه نحوي عبر الآفاق،وأنا على يقين أنه سينتزع مني قصائدك انتزاعا-لا سطوا،بل شوقا جارفا إلى مائدة شعرية دسمة،أزعم أن العالم العربي بأسره يعرف مذاقها.

وقبل أن أطأ عتبة عالمك الشعري،يا محمد،لا بد من الوقوف في حضرة القصيدة،والإصغاء بكل كياننا أمام هذا البوح العابق الباذخ.فالجديد ليس في المضمون وحده،ولا في الشكل وحده،بل في تلك الوحدة المتكاملة،وفي ما بينهما من تناغم وتناسق وانسجام،ليؤديا معا إلى ما رمَت إليه القصيدة من معنى.

قطعتان من قلبي:

-الأولى:

نظر المنجم في دمي

سقط المنجم في السؤال

يا كل سكان الفتى، هل من سبيل للحوار؟

تكاد تنقرض التحية بين أشجار البلاد

تكاد تنقرض الظلال، وحر شمسك يا حمى

سيظل ظلي للدواب، وللزواحف، والحمام.

-الثانية:

إن لاح نجمك في السماء

وهوَت نجومي كلها

وركضت تبحث عن دمي المطلوب، فاقتلني بحب

كم فرقت بين الأحبة فكرة

ولكم تزاحم بالمناكب توأمان

ولكم تبدد في الولادة من جنين.

هنا،حيث تنبض الكلمات بروح الخلق،تتجسّد الرؤيا في أبهى حللها،فتتجاوز حدود السطر إلى آفاق الإدهاش.ذلك الشاعر التونسي الكبير،الذي همست قصائده في مسمعي أن الجمال ليس مرآة للعين،بل هو نشوة الوجدان عندما يرتعش بين ثنايا النص.وإذ أُصغي إلى تلك الأصداء،أجدني أناجي القارئات والقراء: إن الرؤيا الجمالية لا تُولد من فراغ،بل من رحم منتج يحمل وهج الإبداع، وشكل يأسر القلوب قبل الأبصار.وهذا التلاقح بين الذائقة والصياغة،هو ما يرفع الشعر إلى مدارات السحر،وهو ما يتجلى كالشمس في كل قصيدة لمحمد الهادي الجزيري،فلا تكاد عين البصيرة تخطئ وهجها.

أما الآن،وأنا أستند إلى نافذة الروح،أدرك أن الشعر ليس وليد الصحة،بل هو ابن الجرح النازف.فها هو -محمد-يصبر على مرض عضال بصبر الأنبياء،وبقريحة شعرية فذة كأنها تتغذى من وجعه لتنتج هذا الضوء.وكأن القصيدة،في حضرته،تأبى إلا أن تكون دعوة مستجابة،وطهورا لا يغادر سقما.فلنتسلق ذائقته الشعرية الشاهقة-بحذر شديد-ولنصل من أجله بدم يفيض حياة،وبحرف يشفي ما في الصدور.

أيها الشاعر التونسي الفذ،محمد الهادي الجزيري،

ليس المرض في جسد ينحني،بل في روح تنسى كيف تتعلق بالضوء.وأنت،يا من جعلت من القصيدة سريرا لا يتزعزع،ومن النبض مددا لا ينقطع،تعلمنا أن العمر ليس سنوات تمر،بل لحظات تتوقد.فكل بيت كتبته هو نفس آخر لا يموت،وكل قصيدة أهديتها للعالم هي جناح يحملك فوق الزمن.

اشف يا محمد،لا لأن الموت هزيمة،بل لأن الحياة،في حضرتك،تصير قصيدة أجمل،وعطرا لا يغادره سقم.وكما أودعتني أمانتك،أودعك الآن في قلب كل من يقرأ،وكل من يحلم،وكل من يعلم أن الحرف،حين يكون من دم،يكون خلودا.

وحين يكون الحرف من دم،فلا موت بعده.فأنت يا محمد،لست في غياب،بل في كل نبضة تقرأك، وفي كل لحظة تتذكر فيها الروح كيف تتعلق بالضوء.

هكذا،تنتهي القصيدة لتُولد من جديد،وتُختتم الأمانة لتُفتح في قلوبنا على مصراعيها،فلا تسأل بعدها عن الخلود،فهو هذا الصدى الذي لا يخبو، وهذا العشق الذي لا ينضب.

طهورا بإذن الله،أيها الفذ الصابر،فذكراك ستظل محفورة في كل بيت شعر نظمته.

وهنا،في لحظة لا تخلو من وجع يترنّح،ولا تخلو من نور يتعالى،ندرك أن محمد الهادي الجزيري ليس في انتظار خلود آت من بعيد،بل هو يعيش خلوده الآن،في هذه اللحظة التي يسطّر فيها الألم قصيدة،والمرض طهورا.هو لم يرحل،بل تضاعف حضوره في كلّ بيت قاله،وكأنّه يكتب وصيّته للدنيا وهو يمسك بروحها بيديه.

أيها الفذّ الصابر،أنت هنا،تنبض في شرايين الكلمة، وتتمدّد في مساحات الحرف،والمرض في جسدك لم يزلزل سكنك،بل زادك توهّجا،كالقنديل الذي لا يخاف الريح.فما دمتَ تقول الشعر،فأنت الحيُّ الأبدي،وما دام حرفك يُناجي القلوب،فالغيب لا سلطان له عليك. 

طهورا بإذن الله،وشفاء قريبا،فأنت اليوم،وفي كل يوم،قصيدة لا تُختتم،وعطر لا يفنى،وحياة تتمادى رغم كلّ المنافي.


محمد المحسن


*في خضم معركته مع المرض،يقف الشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري كقلعة لا تهزم، متسلحا بصبر الأنبياء وروح شاعر لا تعرف الانكسار.شعره قمة شامخة،أدعوكم لتسلقها بروية، ففي كل حرف منها نبض روح تقاوم الرحيل. 

وقبل أن يغمض عينيه-لا قدر الله-حملني أمانة ثقيلة: أوصاني أن أحتفظ بقصائده كنوزا لا تموت، وأن أنشرها بعد غيابه،لتبقى كلماته شاهدة على عبقرية لم تخضع للزمن.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق