الأربعاء، 17 يونيو 2026

البناء الصوتي و البناء الدلالي : بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس في قصيدة : لغتنا العربية " للشاعر العراقي المقيم بتونس/ القيروان : خالد الباشق

 البناء الصوتي و البناء الدلالي : بقلم سعيدة بركاتي/ تونس

في قصيدة : لغتنا العربية " للشاعر العراقي المقيم بتونس/ القيروان : خالد الباشق 


تمهيد :

++ العربية الفصيحة : لغة القرآن العظيم و الحديث الشريف و الشعر العربي الفصيح و هي لغة خالصة سليمة من كل عيب ، لا يخالطها لفظ عامي أو أعجمي ، و هي اللغة الوحيدة التي تحتوي على حرف الضاد و تتكون من ثمانية و عشرون حرفا تعتبر من أغزر اللغات من ناحية المادة اللغوية .

++ البحر الكامل : هو أغزر بحور الشعر استخداما يتمتع بإيقاع سريع و حماسي ، مفتاحه : 

كمل الجمال من البحور الكامل   متفاعلن متفاعلن متفاعلن 

++ كملاحظة أولى : لا بد أن نقرأ القصيدة بصوت عالي حتى نمسك روحها لنكشف الانفعال قبل المعنى و هذا مهم جداً.


#القراءة: 

القصيدة "لغتنا العربية"  تشبه بناءًا معماريا محكما ، أقيم على ثمانية وعشرون بيتاً بعدد حروف الهجاء ، كل بيت يُستهل بحرفٍ منها على الترتيب . هذه البنية ليست زخرفاً شكلياً ، بل هي جزء من المعنى ، كأن الشاعر يريد أن يقول للمتلقي : اللغة العربية كلٌّ متكامل ، لا يستقيم المدح إلا باستيعاب كامل حروفها ، من الألف إلى الياء ، من "أهدت" إلى "يسمو". فالمعمار هنا يشبه المعجم ، والقصيدة تصبح عرضاً شاملاً للغة عبر الأبجدية ذاتها .

لقد اختار الشاعر خالد الباشق البحر الكامل و هو اختيار واع 

 الكامل بحره "متفاعلن" ست مرات ، نفس طويل ممتد ، و قد بينت أعلاه مميزات هذا البحر  فيه جلجلة وقوة /  بحر الأوابد والمدائح الكبرى . وهو يليق بموضوعٍ القصيدة  احتفالا و دفاعا و تمجيدا للغة العربية . القافية الموحدة "ـيرا" المردوفة بياء والموصولة بألف الإطلاق أعطت النص نَفَساً خطابياً ممتداً ، فيه رنين الراء المفخم ، و جمال المد .

حرف الراء في آخر الكلمة يتميز بخصائص صوتية وتجويدية محددة تجعله مختلفاً عن باقي الحروف ، وتدور أحواله حول التفخيم والترقيق بناءً على حركة الحرف الذي قبله ، بالإضافة إلى صفاته الذاتية :

 الراء حرف تكراري جهوري ، يوحي بالديمومة والانتشار ، فكأن كل بيت ينتهي بصدى يتردد داخليا و خارجيا ، صدى رنين إيقاع جرسه قويا : عبيرا / هديرا / كبيرا...

فيلاحظ المتلقي وجود انسجام صوتي منها نشيد واحد متصل و مترابط  لا يمكن تجزيئه .

تعددت الدلالات في القصيدة يمكنني تقسيمها إلى أربعة حقول دلالية متداخلة تكمل بعضها البعض : 

+ الأول : حقل العلو و السلطة و السيادة : ما ورد من  ألفاظ / اعتلت /علت / العلا / أميرةً / مراتباً / تقديرا /  فخر / زئيرا .. تكررت  فرسمت صورة للغة ذات سيادة عليا .

+ الثاني: حقل النور والعطر : ما ورد من ألفاظ : تضوع عبيرا / سحرها / نورها /  تنويرا /  يقيناً ساطعاً /  أزهرت / : مما جعلها  مصدر نور و ضاء  وجودي ، و ليست  مجرد أداة للتواصل . 

+ الثالث: قد أُشبهه  بالأمومة و مصدر الأمان و الإحتواء و الحماية و الحنان : ما ورد من ألفاظ :   الحنونة /أمَّنا / نصيرا / خِلاً /  سميرا /  درعاً . ربما أراد الشاعر أن يجعل للقصيدة قلبا يخفق و هذا الحقل هو الجانب العاطفي في القصيدة .

+ الرابع: حقل الصراع و خيبة العدو : ما ورد من ألفاظ : خاب عدوها/ حسيرا / قلبت موازين الركاكة / لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا .

 كاستنتاج مما ذُكر في الحقول الدلالية : القصيدة إذا ليست غزلاً خالصاً ، بل هي جلسة مرافعة كان فيها الشاعر بمثابة المحامي الذي دافع عن اللغة العربية ضد تهم الضعف والتراجع ، اختصرها في البيت :" كانت وما زالت وتبقى أمَّنا وتظلُّ خِلاً في الهوى وسميرا" : مما أعطى روحا للقصيدة .

بنى الشاعر القصيدة على صور شعرية قائمة على التشخيص فجعل منها كائنا حيا فاعلا من خلال التتابع الفعلي : أهدت /بدت /  تهب /  جاءت / خلدت / دأبت / ... صدقت / ظفرت ... / غطت / قلبت ... مما جعل من القصيدة كأنها سيرة ذاتية للغة نفسها . فكانت غزيرة بالصور الاستعارية ، شدني هذا البيت الذي يقول فيه الشاعر : "ثوبُ الفصاحةِ خِيطَ من ألوانِها فرمت على كلِّ الرؤوسِ حريرا". هذا التلون في اللغة العربية : الفصاحة ثوب / و حروفها هو الخيط الذي نُسج به هذا الثوب / ثوب من حرير لا يليق به إلا أن يكون كالتاج على رؤوس الملوك / وجه من أوجه السيادة للغة العربية . في موضع آخر أبدع الشاعر في وصفها قطعة من الطبيعة في فصل الربيع حين تتشابك حروفها جمالا و زخرفا :  "روضُ الحروفِ بما حوت قد أزهرت وتشابكت في حُسنِها تشجيرا".

بناء القصيدة متماسك و قوي اعتمادا على الحجة و البرهان ، الشاعر بدأ بإثبات جمالها : تضوع عبيرا / صوت الجمال هديرا . ثم انتقل إلى الحجة الدينية : جاءت بقرآن كريم فاعتلت . أما تاريخيا فهي : ظفرت بفوز في العلوم جميعها ، كتبت بها تلك العلوم مصيرا ...إلى ان ينهي القصيدة ببعد وجداني للغة كان فيها الأسر بمعناه " العشق " فنحن أسرى باختيارنا لهذه اللغة : "درعاً إذا أمسى الزمانُ عسيرا ، يبقى اللسانُ أسيرا".

الشاعر خالد الباشق كان شفافا و أعطى لكل ذي حق حقه و كأنه في موضع اعتراف في هذا البيت : " خلدت وقد تكبو بقيدِ مراوغٍ لكنّها ألقت بنا التدبيرا". ربما إشارة إلى من حاول طمس " الهوية العربية" من خلال تغيير اللغة الأم في الأوطان العربية التي وقع استعمارها ، فقوة اللغة العربية تحدت هذه العراقيل / " المراوغات " / و بقيت صامدة و إن سقطت كان سقوطها إلى الأعلى .

القصيدة مشبعة بحرف " الراء" حتى خارج القافية و من أحصاه سيجده يقارب المائة مرة مما يعزز هذا الرنين للجرس و إيقاع القصيدة ، فقد اقترحت أعلاه أن تُقرأ القصيدة بصوت عال ، فسيسمع القارئ دويا و ارتجاجا يتوافق مع " زئيرا" ، و هذا لا يمنع وجود حروف أخرى زادت من قوة إيقاع القصيدة ك حرف العين و هو حرف حلقي فخم يفيد في " الشعر" نقل الانفعال و تسجيد الصورة الشعورية : العربية / العلو / العلا/ العلوم ...

 بما أننا مع قصيدة من الشعر العمودي يهتم القارئ بالقافية و التي جاء فيها التكرار على صيغة " فعيل "  تكرر وزنها : كبيرا / عبيرا / هديرا...ثلاث و عشرون مرة ، و هي صيغة للمبالغة، فالإيقاع المضخم و الفخم لم يكن في البحر الذي نظمت عليه القصيدة فقط ، بل كان كذلك في نسيج الكلمات نفسه . أما التكرار 

إنه تكرار فني ، يستدعي التأويل ، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية ، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثرات الواردة أو من خلال استجابات القراءة ، حيث ينبع من إيقاع ذاتي ، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر ، فتتحقق المشاركة بينهما في الوصول إلى مدلولات التكرار في النص الشعري " القصيدة " .


فيتضح مما تقدم أن الشاعر جعل من اللغة العربية في القصيدة بطلا وحيدا لا منازع له مما يجعلها صالحة لكل زمان و مكان و هذا ليس بالغريب عن شعراء العراق حين يتقنون تطويع الأبجدية كقطعة طين بين أصابعهم أو كلوحة فنية تشكيلية الموضوع واحد و الألوان متعددة ، خالد الباشق وازن بين الموضوع و الذات " فهي أمنا " و هي في نفس الوقت " فوق اللغات" و هو ما زاد قوة في الخطاب ، فمن الرهانات الصعبة أن يبنى قصيدا بهذا الالتزام " حروف الأبجدية" دون السقوط في التكلف ، و أن يجمع بين العديد من الوظائف ، فكان بحر الكامل منبرا و القافية ايقاعا و القصيدة برهانا و انت القائل : اللغة العربية "أميرةً لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا".


#نص_القصيدة:

 لغتنا العربية….


. أهدت إلينا في الحروفِ كثيرا

وبدت بألسنِنا تضوعُ عبيرا

. بدت البلاغةُ أوجُها في سحرِها

وطغى بها صوتُ الجمالِ هديرا

. تهبُ الجمالَ لكلِّ مَن يشدو بها

فيصيرُ في قومِ الكرامِ كبيرا

. ثوبُ الفصاحةِ خِيطَ من ألوانها

فرمت على كلِّ الرؤوسِ حريرا

. جاءت بقرآنٍ كريمٍ فاعتلت

فوق اللغاتِ وكم تعزُّ نظيرا

. حاروا بها أهل الفصاحةِ والنهى

لغةُ الجنانِ علت بذاكَ أثيرا

. خَلَدت وقد تكبو بقيدِ مراوغٍ

لكنّها ألقت بنا التدبيرا

. دأبت على هدي العقولِ وكلّما

ضلَّ الذين تقاعسوا تفكيرا

. ذاتُ البلاغةِ لم يفز أقرانها

أبداً على نَيلِ العلا تمصيرا

. روضُ الحروفِ بما حوت قد أزهرت

وتشابكت في حُسنها تشجيرا

. زادت محبيها وخابَ عدوها

وبدا بخيبات الشرور حسيرا

. ساقت ندى الإحساسِ حتى أصبحت

سُبخُ المشاعرِ عندها إكسيرا

. شدّت على كفِّ الضرير وإنهُ

أمسى بها بعد الظلامِ بصيرا

. صدقت بما جاءت يقيناً ساطعاً

وتأصلت في أهلها تعميرا

. ضاقت سواها في الكلام فقصّرت

بالمفرداتِ وأُعجزت تعبيرا

. طبعت بنا لونَ العروبةِ غايةً

ودعت بأحوال العُلا تحريرا

. ظفرت بفوزٍ في العلوم جميعها

وتوسعت في فخرها تنظيرا

. عُدت على أُمم اللغاتِ مراتباً

وسعت فنالت في الدنا تقديرا

. غطت جسومَ العارفين بحرفها

فرمت عليهم حرفها تأثيرا

. فهي الحنونةُ للجميع بعطفها

ولمن شكا ضعفاً تكون نصيرا

. قلبت موازين الركاكةِ عندما

كُتبت بها تلك العلوم مصيرا

. كانت وما زالت وتبقى أمَّنا

وتظلُّ خِلاً في الهوى وسميرا

. لغةٌ تكاملَ نورُها في حرفِها

وشمت على أقلامنا تنويرا

. مِن سالفِ الأزمان نحملُ إسمَها

درعاً إذا أمسى الزمانُ عسيرا

. نرقى بها ويكون شأنُ زماننا

فخراً وما نلقى بها تقصيرا

. هي قوةٌ في نطقِها لا تنثني

يبقى بها صوت العلوِ زئيرا

. وتظلُّ في كلِّ العصورِ أميرةً

لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا

. يسمو بها كل الذين تحبهم

وبحبِها يبقى اللسان أسيرا


خالد الباشق

2019/12/18





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق