من نص من الشيوخ الى الشباب للمنفلوطي رحمه الله من كتاب النظرات
كنا نعتقد مثلكم أننا خيرٌ من آبائنا وأجدادنا، وأوسع منهم علمًا وأقوى إدراكًا، وربما اعتقدنا في الكثير منهم—كما تعتقدون فينا اليوم—أنهم جاهلون أو مخرفون، أو متأخرون أو جامدون، إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوة وكرامتها، فلا نلقبهم من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها، ولا نذكرهم في حضورهم أو غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدر لهم أن يقضوه بيننا من أيام حياتهم.وكان شأننا معهم في برهم وإكرامهم واحترام عقائدهم ومذاهبهم—مع اتساع مسافة الخلف بيننا وبينهم—شأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق؛ إذ كان مسيحيًّا فأسلم وحسن إسلامه، وكان أبوه لا يزال على دينه، فطلب إليه أن يبني له بيعةً في قصره يقوم فيها بأداء واجباته الدينية، فبناها له كما أراد، ولم يَنْعَ عليه شأنًا من شئونه طول أيام حياته حتى ذهب إلى ربه.
ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا.واذكروا أن سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتي علينا، وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا وفي شيخوختنا، فنحن آباؤكم الذين ولدناكم، وأساتذتكم الذين ربيناكم، ومن أكبر العار عليكم وعلى تاريخكم أن تسبوا أساتذتكم وآباءكم وأن ترموهم في وجوههم بالجهل والجمود، وما هم بجاهلين ولا جامدين، ولكنهم شيوخٌ عاجزون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق