الثلاثاء، 16 يونيو 2026

قناع الكاتب الجاهز للعرض بقلم الأستاذة: سعيدة بركاتي/ تونس

 قناع الكاتب الجاهز للعرض

من أكثر الأقنعة انتشارًا وإزعاجًا في وسطنا الأدبيِّ هو قناع  " الكاتب الجاهز للعرض " :  وجه دائم الابتسامة و البشاشة ، يقتنص اللحظة قبل المعنى ويقدّم النص كمنتج سريع للاستهلاك لا كتجربة عاشها .

في المحافل الأدبية تراهُ أول الحاضرين ، جمله جاهزة للتعقيب يعلّق بكلمات فخمة لا يعرف هو ذاتهه كيف وصل إليها... يحفظ الاقتباسات أكثر مما يفهم سياقاتها ،  فيحوّل اقتباس فلان  إلى ترويسة على صورة ، وقول فلان إلى توقيعٍ في آخر خاطرة ... لا يهتم إن فهم الآخرين قصده ،

وإن سألته عن النصِّ أجابة بكل ثقة الأدباء : " شعور يصعبُ وصفه" . فالهلامُ اللغوي مأمنُهُ ، لا يخاطر برأي واضح ،  ولا يتحمّل مسؤولية معنىً قد يُساء  فهمه . الكلمةُ عندهُ زينة لا أمانة ، والحزنُ مادّة مسرحيّة يُعيد تمثيلَها ليجمع أكبر عدد ممكن من التفاعلات .

أما الأدهى ،  حين يضع هذا القناع ، قناع الذكاء الاصطناعيّ لا يذكر البتة أنّه استعان به  بل يقدّم انتاجه على أساس تجربة صعبة  كولادة عسيرة من رحمِ الفكر . فيختلط الخيال بالواقع وتفقدُ الكلمة ثقلَها لأنّها لم تولد فعلا من رحم تجربة صاحبها .

ما يزعجُني ليس الضعف في الكتابة ، بالعكس الضعف يعلم  و من خلاله يصبح ناضجا . ما يزعجُني هو ادّعاء الكمال قبل المحاولة ، واستبدالُ صدق العثرة ببريق العرض . هنا تتحوّل الكتابة من مواجهة مع الذات إلى استعراض أمام الآخر ، حينها يصبح الأدب سوقا للألقاب .

أمنيتي لو سقط هذا القناع يوما ... جميعنا سيرى ما وراءه :  إنسانًا خائفًا ،  متردّدًا ، لا يحب مواجهته بالحقيقة ، ستسقط منه كل الألقاب التي حصدها دون جهد و مثابرة  . لكن ، سنشعر بأنه  كان صادقا في محاولته الأولى ... فالنص الصادق و الحقيقي لا يولد من الاستعراض ، بل من ذلك الصمت الذي يسبق الاعتراف بأنّني ؛ لا أعرف فأنا أريدُ أن أفهم .

بقلمي : سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق