الجمعة، 26 يونيو 2026

(حول تطاوين التي أحبها) الوطن..ذلك الثابت الوحيد في زمن التيه.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 (حول تطاوين التي أحبها)

الوطن..ذلك الثابت الوحيد في زمن التيه..


"بلادي وإن جارت على عزيزة 

وأهلي وإن ضنوا على كرام"


منذ أن وعيت الحياة وأنا أبحث عن بديل للوطن، عن معادل يملأ فراغه في الروح،عن صنم ناصع يفي بحاجتي إلى الانتماء. 

حاولت بكل ما أوتيت من حيلة ودهاء أن أستبدل هذا الشعور الجارف بالعمل،فأغرقتُ نفسي في متاهات الوظائف والمشاريع،ظانا أن الإنجاز قد يمنحني هوية كافية.ثم لجأت إلى العائلة،فبنيتُ حولي سورا من الأهل والأقارب،لعلي أجد في دفء القربى ما يعوضني عن دفء التراب.وما لبثتُ أن تعلقت بالكلمة،فكتبتُ وكتبتُ،وكأني بالحروف أصوغ وطنا من ورق.وحين خانتني الكلمات،ركعتُ للعنف،ظنا مني أن القوة تمنحني جذورا،ثم استسلمتُ لفتنة المرأة،لعلي في عينيها أجد مرآة تعكس وجودي.!

غير أن المحاولات كانت تتهاوى كأوراق الخريف، واحدة تلو الأخرى،وكنتُ كلما ظننتُ أني وجدتُ البديل،إذا بي أكتشف أنني أهذي.فالوطن ليس بديلا عنه شيء،وليس في الوجود ما يسد مسدّه. إنه ذلك الثابت الوحيد في زمن التيه،تلك الأرض التي تثبت أقدامنا حين تحاول الرياح اقتلاعنا.

إن حب الوطن ليس عاطفة طارئة،ولا هو اختيار نتخذه كمن يختار قميصا من بين قمصان. 

إنه حقيقة وجودية،كالنبض،وكالتنفس،وكالجاذبية التي تبقينا ملتصقين بالأرض.!

نحن نخدع أنفسنا إذا تصورنا أننا نستطيع الاستغناء عنه،كما أننا نخدع أقدامنا إذا ظننا أنها تستطيع الوقوف على غير تراب وطني.فالقدم، ذلك العضو البسيط،يحمل من الذاكرة ما لا تحمله العقول: إنه يتذكر رائحة المطر على تراب معين، وخشونة حجر بعينه،ودفء رمال لا تشبهها رمال.

ومحاولات التعويض هذه ليست سوى هروب من مواجهة حقيقة مؤلمة: أن الانتماء الحقيقي لا يُشترى،ولا يُستبدل،ولا يُصنع في معامل الأوهام. إنه هبة تُمنح لنا قبل أن نستحقها،ومسؤولية تثقل أرواحنا حين ندرك ثقلها.

في تاريخنا الإنساني العريق،تتجلى معاني هذا الانتماء بأبهى صورها.فحين رفع سقراط كأس السمّ،لم يكن يموت من أجل فلسفته فحسب،بل من أجل أثينا التي علمته أن يسأل.تلك المدينة التي كان ينتمي إليها ليس لأنها ولدته،بل لأنها جعلته إنسانا. 

وفي حضارتنا العربية الإسلامية،كان المتنبي يهتف:

"على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم"

وكانت تلك العزائم لا تنفصل عن تراب يعرفه،عن أرض يستشعرها في كل قصيدة.وحين نُفي ونُكب، كان حنينه إلى الكوفة والشام أعمق من حنينه إلى أي مكان آخر،لأنه كان يكتب بشوق العائدين،بل بشوق من يعرف أن الأرض لا تنسى من سار عليها.

وفي العصر الحديث،نرى الشاعر الفلسطيني محمود درويش يكتب عن وطنه في "بطاقة هوية" وكأنه يكتب وصيته الأخيرة:

"سجِّلْ أنا عربي/وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانية/أسلّ لهم رغيف الخبز،/والأثوابَ والدفترْ من الصخرِ/ولا أتوسَّل الصدقات من بابِكْ

ولا أصغر/أمامَ بلاط أعتابكْ/فهل تغضب..؟"

لم يكن درويش يكتب عن أرض مجردة،بل عن حجارة عرفتها يداه،وعن أشجار زيتون حملت اسمه،وعن قيد أثقلته الأحلام.كان يعرف أن الشاعر قويٌ في وطنه،وضعيف في المنفى،حتى لو كتب أجمل القصائد عن الحرية.

ونقرأ في سيرة سعد زغلول،زعيم الأمة المصرية، كيف أن كلماته كانت تخرج من قلب ينتمي إلى تراب النيل.فحين نُفي إلى سيشل،كان يردد: "مصر هي أمي،وهي أبي،وهي كل شيء". لم تكن تلك الخطابة السياسية التي يُتقنها الزعماء،بل كانت صرخة رجل أدرك أن الانفصال عن الوطن هو موت للروح قبل موت الجسد.

وفي الأندلس،حين سقطت غرناطة،كان آخر ملوكها أبو عبد الله الصغير يبكي ويردد أبياتا يئن فيها لفراق الأندلس،فردّت عليه أمّه عائشة بقولها الشهير: "ابكِ كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال".!

 لم تكن هذه الكلمات قسوة من أم،بل كانت حقيقة موجعة: أن الوطن يحتاج إلى رجال يحافظون عليه،وأن فقدانه ليس مجرد خسارة سياسية،بل جرح في العمق الوجودي لكل من ولد بين جنباته.

في نهاية هذا التأمل،يبقى الوطن هو السؤال الذي لا ينتهي،والجواب الذي لا نستنفده.إنه أول ما يهتف بنا عند الفجر: "لك شيء في هذا العالم فقم"،وآخر ما يهمس في آذاننا عند المغيب: "عدت إلى نفسي فوجدتك".

 إن الانتساب إليه ليس ترفا عاطفيا،بل حاجة وجودية كالماء للجذور،كالضوء للعين،كالحب للروح.

قد نخدع كل شيء في هذه الحياة: قد نخدع العمل فنظن أنه يعطينا هوية،قد نخدع العائلة فنتوهم أن دفئها يكفينا،قد نخدع الكلمة فنقنع أنفسنا أن الحروف تبني وطنا،قد نخدع العنف فنظن أن القوة جذور،وقد نخدع المرأة فنعتقد أن العشق وطن.ولكننا لا نخدع أقدامنا،فهي تعرف ترابها كما تعرف الأم طفلها.ولا نخدع قلوبنا،فهي تحتفظ بذاكرة المكان كما تحتفظ النار بجمرها.

فالوطن ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها،بل هو السرّ الذي يمنح الحياة معناها،والثبات الذي يجعلك تستطيع أن تقول في وجه العواصف: "ها أنذا، أنتمي،وأنا هنا".وإن غبنا عنه بأجسادنا،تبقى أرواحنا معلقة به،كالنحلة التي تعرف طريق العودة إلى الخلية،وكالبحر الذي يعود إلى شاطئه،وكالقمر الذي لا ينفك يدور في فلك أرض يعرف أنها وطنه.

وآخر دعوانا أن الحب للوطن ليس خيارا،بل هو قدر نحمله في دمائنا،وسؤال نردده في صلاتنا، وحقيقة لا تموت حتى لو ماتت كل الأشياء. فلنحتفظ بهذا الانتساب كما يحتفظ النهر بمائه، وكما تحتفظ السماء بنجومها،وكما تحتفظ الذاكرة بأول صورة رأتها عيوننا عندما فتحناها على هذا العالم.

في النهاية،يبقى الوطن هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل البديل.قد نغير مدننا،وقد نبدل لغاتنا،وقد نرتحل في الأرض شرقا وغربا،لكن أقدامنا تحتفظ بذاكرة ترابها الأول،وقلوبنا تظل تنبض بإيقاع أرض كانت أول من حمل خطانا.إننا نخدع كل شيء في هذه الحياة،نخدع العمل والعائلة والكلمة والعنف والحب،لكننا لا نخدع أنفسنا حين تسألنا: أين وطنك؟! لأن الإجابة تأتي من مكان لا نتحكم فيه، من نبض أعمق من الوعي،ومن حنين أقدم من الذاكرة.

فالوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه،بل هو السؤال الذي نحمله في دمائنا،والجواب الذي نبحث عنه في كل رحلة،والحضن الذي نعود إليه وإن طال الغياب.وهو السرّ الذي يمنح الحياة معناها،والثبات الذي يبقينا واقفين حين تنهار كل الأشياء.وإن ضاع منا الوطن بأقدامنا،فسيظل مقيما في أرواحنا،ينتظر أن نعود،أو ينتظر أن نعرف أننا لم نغب عنه حقا..لأن حب الوطن،في عمقه الأخير،هو أن نعرف أننا منه،وله،وإليه،وأن لا شيء في هذا الكون يمكن أن يحل مكان تلك الحقيقة البسيطة والمدوية: أننا ننتمي..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق