حين تضيق المسافات بين الكلمة والروح، وتغدو القصيدة وطنًا يسكنه الجمال...
حين تضيق المسافات... يحدث العجب.
الكلمة التي كانت تسكن طرف اللسان تهاجر فجأة إلى الصدر، فلا تعود بحاجة إلى حبرٍ ولا ورق؛ لأن الروح أصبحت دار نشرٍ لها، والقلب منبرها.
تضيق المسافة، فتسمع القصيدة قبل أن تُكتب، وتلمس ارتجافة السطر وهو يولد في لحظة إدراك، وتشم رائحة الحنين في الفاصلة، وتتذوق مرارة الصمت بين بيتٍ وبيت. عندها تدرك أن الشاعر لم يختر القصيدة، بل هي التي اختارته ليكون لها وطنًا.
وطنٌ بلا حدود ولا تأشيرات؛ يدخله المكسور فيجد فيه جبرًا، ويغادره الغريب حاملًا لهفةً. في هذا الوطن، ليس الجمال زينةً تُعلَّق على الجدران، بل هو الجدران نفسها، وإن بدت شاحبة. هو الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشرب منه غيابنا.
هنا تسكن العصافير على أسطح القوافي، وتنام الغيمات في حضن الاستعارات. هنا لا يُسأل أحد عن اسمه، بل عن صدق وجعه. وهنا فقط، حين تضيق المسافة بينك وبين حرفك، تعود غريبًا إلى نفسك، فتجدها تنتظرك على عتبة القصيدة، مبتسمةً كمن وجد بيته بعد طول غياب.
فاكتب... ولو بحرفٍ واحد؛ فلعل ذلك الحرف يكون الوطن الذي تبحث عنه روحك منذ زمن.
بقلمي الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق