الأحد، 21 يونيو 2026

حين يكتب القلب قبل العروض جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصن بقلم : فرحات نزيه شاعر المحبة والسلام الروحي.

 حين يكتب القلب قبل العروض 


جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية 


دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصنعة من خلال تجربة شعرية 


بقلم: فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي  


مقدمة 


منذ فجر الأدب العربي والشعراء والنقاد يتساءلون عن سر ميلاد القصيدة: هل يولد الشعر من الموهبة أم من العلم؟ وهل يبدأ الشاعر من الوزن والقافية أم من الإحساس والتجربة؟ وهل العروض هو الذي يصنع القصيدة أم أن القصيدة تسبق العروض؟ 


هذه الأسئلة القديمة المتجددة دفعتني إلى التأمل في تجربتي الشعرية الخاصة، فوجدت أن القصيدة في كثير من الأحيان لا تبدأ ببحر شعري ولا بتفعيلة عروضية، بل تبدأ بنبضة شعور أو ومضة وجدان أو حالة روحية تفرض نفسها على النفس، ثم تبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تحملها، وعن الموسيقى التي تليق بها. 


ومن هنا نشأت فكرة هذا البحث الذي يحاول أن يقرأ العلاقة بين الوجدان والعروض، وبين الطبع والصنعة، وبين الإلهام الفني والبناء الموسيقي للقصيدة. 


أولًا: الشعر بين الموهبة والصناعة 


عرف النقد العربي القديم مفهومين أساسيين هما: الطبع والصنعة. 


فالطبع هو الموهبة الفطرية التي تجعل الشاعر قادرًا على التقاط الصور والمعاني والتعبير عنها بصورة تلقائية. 


أما الصنعة فهي ما يكتسبه الشاعر من معرفة باللغة والعروض والبلاغة وأساليب التعبير. 


وقد أدرك النقاد العرب منذ وقت مبكر أن الشعر العظيم لا يقوم على أحد هذين العنصرين منفردًا، بل على اتحادهما. 


فالموهبة وحدها قد تمنح القصيدة حرارة وصدقًا، لكنها قد تفتقر أحيانًا إلى الإحكام الفني. 


والصنعة وحدها قد تمنح النص دقة وانتظامًا، لكنها قد تعجز عن بث الحياة فيه. 


ومن هنا كان الشعر الحق هو ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


وقد أشار في كتاب عيار الشعر إلى أن الموهبة أصل الشعر، وأن الصنعة فرع عنها، فالشاعر لا يصنع الموهبة، وإنما يهذبها ويقويها. كما فرّق بين شعر الطبع وشعر الروية، ورأى أن بعض الشعراء تجود قرائحهم عفوًا ثم تأتي المراجعة بعد ذلك لتقويم النص وصقله. 


ثانيًا: مدرستان في كتابة الشعر 


يمكن التمييز بين مدرستين رئيسيتين في بناء القصيدة. 


المدرسة الأولى: البناء المسبق 


وفيها يختار الشاعر البحر والقافية منذ البداية، ثم يبدأ في صياغة المعاني داخل هذا الإطار الموسيقي المحدد. 


ويمتاز هذا المنهج بالدقة والانضباط، ويمنح الشاعر قدرة أكبر على التحكم في البناء الفني للنص. 


المدرسة الثانية: الانبثاق الوجداني 


وفيها تنطلق القصيدة من تجربة شعورية خالصة، فيكتب الشاعر ما يشعر به دون أن يجعل الوزن شغله الأول. 


وبعد اكتمال النص يعود إلى مراجعته وصقله وتقويمه. 


وهذه المدرسة هي الأقرب إلى تجربتي الشعرية، حيث أجد أن المعنى يسبق الوزن، وأن الشعور يقود القلم قبل أن تتدخل القواعد. 


وهذا التصور يجد ما يؤيده عند الذي عدّ الشعر جبلة وطبعًا وغريزة، ثم أشار إلى حاجة هذه الجبلة إلى شيء من الصنعة. فالطبع عنده سابق، والصنعة لاحقة، وهو ما ينسجم مع فكرة انبثاق القصيدة من الشعور قبل إخضاعها للمراجعة الفنية. 


ثالثًا: التجربة الشعورية أصل القصيدة 


لا تبدأ القصيدة الحقيقية من التفعيلات، وإنما تبدأ من الإنسان. 


فقد يكون السبب موقفًا عابرًا، أو لحظة حب، أو شوقًا، أو تأملًا، أو انفعالًا روحيًا، أو فكرة تستقر في القلب حتى تطلب التعبير. 


وفي تلك اللحظة لا يفكر الشاعر في البحر أو القافية، بل يفكر في كيفية نقل ما يشعر به. 


ومن هنا تتولد الصور الشعرية والتراكيب والمعاني. 


فالوجدان هو المادة الخام الأولى للقصيدة، أما العروض فهو البناء الذي يحتضن هذه المادة ويمنحها مزيدًا من التماسك. 


ولهذا فإن القصيدة التي تولد من تجربة صادقة تكون أقرب إلى النفوس من القصيدة التي تولد من مجرد التزام شكلي. 


ولعل تجارب كبار الشعراء تؤكد ذلك؛ فكم من قصيدة بدأت بومضة شعورية خاطفة أو معنى هجم على صاحبه، ثم نمت بعد ذلك حتى اكتمل بناؤها الفني. إن لحظة الإلهام ليست بديلًا عن الصنعة، لكنها الشرارة الأولى التي تمنح القصيدة روحها وحياتها. 


رابعًا: الموسيقى الداخلية قبل الموسيقى العروضية 


من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموسيقى الشعرية تبدأ مع البحر الخليلي. 


فالواقع أن هناك موسيقى خفية تسبق العروض، وهي ما يمكن تسميته بالموسيقى الداخلية. 


وتنشأ هذه الموسيقى من: 


• انسجام الأصوات. 


• تكرار الحروف. 


• توازن العبارات. 


• حركة المعاني. 


• الإيقاع النفسي للشاعر أثناء الكتابة. 


ولهذا قد يشعر القارئ بانسياب بعض النصوص قبل أن يعرف وزنها أو بحرها. 


إن الأذن الشعرية تسمع الإيقاع قبل أن تتعرف إلى اسمه. 


وقد لاحظ في حديثه عن الشعر الجاهلي أن العرب كانت تنشد الشعر على سجيتها قبل تدوين علم العروض، مما يدل على أن الإيقاع كان حاضرًا في الذائقة قبل أن يتحول إلى قواعد مدونة. 


كما يؤكد أن للشاعر موسيقى خاصة تنبع من روحه قبل أن تتجسد في الأوزان المعروفة. 


ومن هنا يمكن القول إن الخليل بن أحمد لم يخلق الموسيقى الشعرية، وإنما كشف نظامها ودوّن قوانينها، تمامًا كما يكتشف العالم قانونًا من قوانين الطبيعة دون أن يكون قد أوجده. 


خامسًا: حين يسبق القلب البحر 


من خلال التجربة يتبين أن الشاعر حين يكتب بعفوية لا يكتب خارج الإيقاع، بل تتحرك أذنه الداخلية داخل نسق موسيقي معين دون وعي مباشر به. 


وعندما تكتمل القصيدة يمكن إخضاعها للتقطيع العروضي لمعرفة البحر الأقرب إليها. 


وقد يتبين أن معظم الأبيات تنتمي بالفعل إلى بحر واحد أو تدور في فلكه، وأن ما يحتاج إلى التصحيح ليس سوى مواضع محدودة. 


ومن هنا نشأت لدي قناعة مفادها أن بعض القصائد لا تُبنى على البحر، بل يُكتشف البحر فيها بعد اكتمالها. 


فالوزن في هذه الحالة لا يكون نقطة الانطلاق، وإنما يصبح أداة للكشف والتنظيم. 


سادسًا: العروض أداة صقل لا أداة إلغاء 


لا يعني الدفاع عن الوجدان التقليل من أهمية العروض. 


فالعروض من أعظم العلوم التي حفظت موسيقى الشعر العربي عبر القرون. 


غير أن دوره في هذا المنهج ليس فرض شكل جديد على القصيدة، بل المحافظة على روحها الأصلية. 


وهنا يحسن أن نستحضر الصورة البديعة التي ضربها حين شبّه العمل الأدبي بالشجرة التي تنبت نضرة من الأرض، ثم يأتي البستاني بعد ذلك ليقلمها ويهذبها. 


فالشجرة هي الوجدان، والبستاني هو الصنعة. 


والقصيدة تولد حية من القلب، ثم يأتي العروض ليزيدها حسنًا وجمالًا دون أن يسلبها حياتها. 


فالشاعر يكتب أولًا بقلبه، ثم يعود بعقله ليهذب ما كتب. 


وبذلك يصبح العروض أداة صقل وتجميل، لا أداة إلغاء أو استبدال. 


سابعًا: بين الشاعر والناظم 


يمكن القول إن الشاعر يبدأ غالبًا من التجربة، ثم يبحث عن الوزن المناسب لها. 


أما الناظم فيبدأ من الوزن، ثم يبحث عن المعنى الذي يملأ به هذا الوزن. 


ولا يحمل هذا التمييز أي انتقاص من أحد الطرفين، لكنه يوضح اختلاف نقطة البداية. 


فالشاعر ينطلق من الحياة إلى القصيدة. 


أما الناظم فينطلق من القالب إلى المعنى. 


ويقترب هذا من تحليل الذي فرّق بين الشاعر والناظم، فالشاعر يجعل اللفظ تابعًا للمعنى، بينما قد ينطلق الناظم من القالب اللفظي ثم يبحث له عن المعنى المناسب. 


ومن هنا كانت التجربة الحية أصل الشعر، بينما يبقى الوزن وسيلة من وسائل التعبير عنها. 


وأجمل ما يكون الشعر حين يلتقي صدق التجربة مع جمال البناء. 


ثامنًا: منهج عملي لكتابة القصيدة 


من خلال هذه الرؤية يمكن اقتراح منهج عملي للكتابة الشعرية يقوم على المراحل الآتية: 


• التقاط اللحظة الشعورية الصادقة. 


• كتابة القصيدة بحرية كاملة. 


• عدم الانشغال المؤقت بالعروض. 


• مراجعة الصور والمعاني. 


• قراءة النص بصوت مرتفع. 


• اكتشاف الإيقاع الغالب فيها. 


• تحديد البحر الأقرب لذلك الإيقاع. 


• إصلاح الكسور بأقل قدر من التعديل. 


• مراجعة اللغة والأسلوب. 


• الحفاظ على روح النص الأصلية. 


النتائج 


يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية: 


• الشعر يبدأ من الشعور قبل القواعد. 


• الموهبة هي البذرة الأولى للقصيدة. 


• الصنعة ضرورة لإتمام العمل الفني. 


• الموسيقى الداخلية تسبق الوزن الظاهر. 


• يمكن اكتشاف البحر بعد اكتمال النص. 


• العروض وسيلة لصيانة القصيدة لا لإخمادها. 


• أجود الشعر ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


خاتمة 


إن القصيدة ليست مجرد تفعيلات موزونة، كما أنها ليست انفعالًا عابرًا بلا نظام. 


إنها لقاء بين القلب والعقل، وبين الإلهام والصنعة، وبين الوجدان والعروض. 


فالقصيدة تولد أولًا من شعور صادق يهز الروح، ثم تأتي المعرفة لتمنح ذلك الشعور صورة أكثر إحكامًا وجمالًا. 


وإذا كانت آراء النقاد القدماء قد أكدت أهمية الطبع، وتجارب الشعراء قد كشفت عن دور الإلهام، فإن ذلك لا يلغي قيمة العروض والصنعة، بل يضعهما في موضعهما الصحيح: خادمين للقصيدة لا بديلين عن روحها. 


ولهذا أؤمن أن الشاعر لا ينبغي أن يجعل القواعد حاجزًا بينه وبين لحظة الإبداع، كما لا ينبغي أن يهمل القواعد بعد اكتمال القصيدة. 


فالكتابة الشعرية رحلة تبدأ من القلب، وتعبر عبر اللغة، وتستضيء بالعروض، ثم تعود إلى القلب من جديد. 


ولعل خير ما يختصر هذه الرؤية هو القول: 


اكتب بقلبك أولًا، ثم صحح بعقلك ثانيًا، ولا تسمح للعقل أن يطفئ النار التي أشعلها القلب. 


بقلم : فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي. 


حين يكتب القلب قبل العروض 


جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية 


دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصنعة من خلال تجربة شعرية 


بقلم: فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام 


مقدمة 


منذ فجر الأدب العربي والشعراء والنقاد يتساءلون عن سر ميلاد القصيدة: هل يولد الشعر من الموهبة أم من العلم؟ وهل يبدأ الشاعر من الوزن والقافية أم من الإحساس والتجربة؟ وهل العروض هو الذي يصنع القصيدة أم أن القصيدة تسبق العروض؟ 


هذه الأسئلة القديمة المتجددة دفعتني إلى التأمل في تجربتي الشعرية الخاصة، فوجدت أن القصيدة في كثير من الأحيان لا تبدأ ببحر شعري ولا بتفعيلة عروضية، بل تبدأ بنبضة شعور أو ومضة وجدان أو حالة روحية تفرض نفسها على النفس، ثم تبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تحملها، وعن الموسيقى التي تليق بها. 


ومن هنا نشأت فكرة هذا البحث الذي يحاول أن يقرأ العلاقة بين الوجدان والعروض، وبين الطبع والصنعة، وبين الإلهام الفني والبناء الموسيقي للقصيدة. 


أولًا: الشعر بين الموهبة والصناعة 


عرف النقد العربي القديم مفهومين أساسيين هما: الطبع والصنعة. 


فالطبع هو الموهبة الفطرية التي تجعل الشاعر قادرًا على التقاط الصور والمعاني والتعبير عنها بصورة تلقائية. 


أما الصنعة فهي ما يكتسبه الشاعر من معرفة باللغة والعروض والبلاغة وأساليب التعبير. 


وقد أدرك النقاد العرب منذ وقت مبكر أن الشعر العظيم لا يقوم على أحد هذين العنصرين منفردًا، بل على اتحادهما. 


فالموهبة وحدها قد تمنح القصيدة حرارة وصدقًا، لكنها قد تفتقر أحيانًا إلى الإحكام الفني. 


والصنعة وحدها قد تمنح النص دقة وانتظامًا، لكنها قد تعجز عن بث الحياة فيه. 


ومن هنا كان الشعر الحق هو ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


وقد أشار في كتاب عيار الشعر إلى أن الموهبة أصل الشعر، وأن الصنعة فرع عنها، فالشاعر لا يصنع الموهبة، وإنما يهذبها ويقويها. كما فرّق بين شعر الطبع وشعر الروية، ورأى أن بعض الشعراء تجود قرائحهم عفوًا ثم تأتي المراجعة بعد ذلك لتقويم النص وصقله. 


ثانيًا: مدرستان في كتابة الشعر 


يمكن التمييز بين مدرستين رئيسيتين في بناء القصيدة. 


المدرسة الأولى: البناء المسبق 


وفيها يختار الشاعر البحر والقافية منذ البداية، ثم يبدأ في صياغة المعاني داخل هذا الإطار الموسيقي المحدد. 


ويمتاز هذا المنهج بالدقة والانضباط، ويمنح الشاعر قدرة أكبر على التحكم في البناء الفني للنص. 


المدرسة الثانية: الانبثاق الوجداني 


وفيها تنطلق القصيدة من تجربة شعورية خالصة، فيكتب الشاعر ما يشعر به دون أن يجعل الوزن شغله الأول. 


وبعد اكتمال النص يعود إلى مراجعته وصقله وتقويمه. 


وهذه المدرسة هي الأقرب إلى تجربتي الشعرية، حيث أجد أن المعنى يسبق الوزن، وأن الشعور يقود القلم قبل أن تتدخل القواعد. 


وهذا التصور يجد ما يؤيده عند الذي عدّ الشعر جبلة وطبعًا وغريزة، ثم أشار إلى حاجة هذه الجبلة إلى شيء من الصنعة. فالطبع عنده سابق، والصنعة لاحقة، وهو ما ينسجم مع فكرة انبثاق القصيدة من الشعور قبل إخضاعها للمراجعة الفنية. 


ثالثًا: التجربة الشعورية أصل القصيدة 


لا تبدأ القصيدة الحقيقية من التفعيلات، وإنما تبدأ من الإنسان. 


فقد يكون السبب موقفًا عابرًا، أو لحظة حب، أو شوقًا، أو تأملًا، أو انفعالًا روحيًا، أو فكرة تستقر في القلب حتى تطلب التعبير. 


وفي تلك اللحظة لا يفكر الشاعر في البحر أو القافية، بل يفكر في كيفية نقل ما يشعر به. 


ومن هنا تتولد الصور الشعرية والتراكيب والمعاني. 


فالوجدان هو المادة الخام الأولى للقصيدة، أما العروض فهو البناء الذي يحتضن هذه المادة ويمنحها مزيدًا من التماسك. 


ولهذا فإن القصيدة التي تولد من تجربة صادقة تكون أقرب إلى النفوس من القصيدة التي تولد من مجرد التزام شكلي. 


ولعل تجارب كبار الشعراء تؤكد ذلك؛ فكم من قصيدة بدأت بومضة شعورية خاطفة أو معنى هجم على صاحبه، ثم نمت بعد ذلك حتى اكتمل بناؤها الفني. إن لحظة الإلهام ليست بديلًا عن الصنعة، لكنها الشرارة الأولى التي تمنح القصيدة روحها وحياتها. 


رابعًا: الموسيقى الداخلية قبل الموسيقى العروضية 


من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموسيقى الشعرية تبدأ مع البحر الخليلي. 


فالواقع أن هناك موسيقى خفية تسبق العروض، وهي ما يمكن تسميته بالموسيقى الداخلية. 


وتنشأ هذه الموسيقى من: 


• انسجام الأصوات. 


• تكرار الحروف. 


• توازن العبارات. 


• حركة المعاني. 


• الإيقاع النفسي للشاعر أثناء الكتابة. 


ولهذا قد يشعر القارئ بانسياب بعض النصوص قبل أن يعرف وزنها أو بحرها. 


إن الأذن الشعرية تسمع الإيقاع قبل أن تتعرف إلى اسمه. 


وقد لاحظ في حديثه عن الشعر الجاهلي أن العرب كانت تنشد الشعر على سجيتها قبل تدوين علم العروض، مما يدل على أن الإيقاع كان حاضرًا في الذائقة قبل أن يتحول إلى قواعد مدونة. 


كما يؤكد أن للشاعر موسيقى خاصة تنبع من روحه قبل أن تتجسد في الأوزان المعروفة. 


ومن هنا يمكن القول إن الخليل بن أحمد لم يخلق الموسيقى الشعرية، وإنما كشف نظامها ودوّن قوانينها، تمامًا كما يكتشف العالم قانونًا من قوانين الطبيعة دون أن يكون قد أوجده. 


خامسًا: حين يسبق القلب البحر 


من خلال التجربة يتبين أن الشاعر حين يكتب بعفوية لا يكتب خارج الإيقاع، بل تتحرك أذنه الداخلية داخل نسق موسيقي معين دون وعي مباشر به. 


وعندما تكتمل القصيدة يمكن إخضاعها للتقطيع العروضي لمعرفة البحر الأقرب إليها. 


وقد يتبين أن معظم الأبيات تنتمي بالفعل إلى بحر واحد أو تدور في فلكه، وأن ما يحتاج إلى التصحيح ليس سوى مواضع محدودة. 


ومن هنا نشأت لدي قناعة مفادها أن بعض القصائد لا تُبنى على البحر، بل يُكتشف البحر فيها بعد اكتمالها. 


فالوزن في هذه الحالة لا يكون نقطة الانطلاق، وإنما يصبح أداة للكشف والتنظيم. 


سادسًا: العروض أداة صقل لا أداة إلغاء 


لا يعني الدفاع عن الوجدان التقليل من أهمية العروض. 


فالعروض من أعظم العلوم التي حفظت موسيقى الشعر العربي عبر القرون. 


غير أن دوره في هذا المنهج ليس فرض شكل جديد على القصيدة، بل المحافظة على روحها الأصلية. 


وهنا يحسن أن نستحضر الصورة البديعة التي ضربها حين شبّه العمل الأدبي بالشجرة التي تنبت نضرة من الأرض، ثم يأتي البستاني بعد ذلك ليقلمها ويهذبها. 


فالشجرة هي الوجدان، والبستاني هو الصنعة. 


والقصيدة تولد حية من القلب، ثم يأتي العروض ليزيدها حسنًا وجمالًا دون أن يسلبها حياتها. 


فالشاعر يكتب أولًا بقلبه، ثم يعود بعقله ليهذب ما كتب. 


وبذلك يصبح العروض أداة صقل وتجميل، لا أداة إلغاء أو استبدال. 


سابعًا: بين الشاعر والناظم 


يمكن القول إن الشاعر يبدأ غالبًا من التجربة، ثم يبحث عن الوزن المناسب لها. 


أما الناظم فيبدأ من الوزن، ثم يبحث عن المعنى الذي يملأ به هذا الوزن. 


ولا يحمل هذا التمييز أي انتقاص من أحد الطرفين، لكنه يوضح اختلاف نقطة البداية. 


فالشاعر ينطلق من الحياة إلى القصيدة. 


أما الناظم فينطلق من القالب إلى المعنى. 


ويقترب هذا من تحليل الذي فرّق بين الشاعر والناظم، فالشاعر يجعل اللفظ تابعًا للمعنى، بينما قد ينطلق الناظم من القالب اللفظي ثم يبحث له عن المعنى المناسب. 


ومن هنا كانت التجربة الحية أصل الشعر، بينما يبقى الوزن وسيلة من وسائل التعبير عنها. 


وأجمل ما يكون الشعر حين يلتقي صدق التجربة مع جمال البناء. 


ثامنًا: منهج عملي لكتابة القصيدة 


من خلال هذه الرؤية يمكن اقتراح منهج عملي للكتابة الشعرية يقوم على المراحل الآتية: 


• التقاط اللحظة الشعورية الصادقة. 


• كتابة القصيدة بحرية كاملة. 


• عدم الانشغال المؤقت بالعروض. 


• مراجعة الصور والمعاني. 


• قراءة النص بصوت مرتفع. 


• اكتشاف الإيقاع الغالب فيها. 


• تحديد البحر الأقرب لذلك الإيقاع. 


• إصلاح الكسور بأقل قدر من التعديل. 


• مراجعة اللغة والأسلوب. 


• الحفاظ على روح النص الأصلية. 


النتائج 


يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية: 


• الشعر يبدأ من الشعور قبل القواعد. 


• الموهبة هي البذرة الأولى للقصيدة. 


• الصنعة ضرورة لإتمام العمل الفني. 


• الموسيقى الداخلية تسبق الوزن الظاهر. 


• يمكن اكتشاف البحر بعد اكتمال النص. 


• العروض وسيلة لصيانة القصيدة لا لإخمادها. 


• أجود الشعر ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


خاتمة 


إن القصيدة ليست مجرد تفعيلات موزونة، كما أنها ليست انفعالًا عابرًا بلا نظام. 


إنها لقاء بين القلب والعقل، وبين الإلهام والصنعة، وبين الوجدان والعروض. 


فالقصيدة تولد أولًا من شعور صادق يهز الروح، ثم تأتي المعرفة لتمنح ذلك الشعور صورة أكثر إحكامًا وجمالًا. 


وإذا كانت آراء النقاد القدماء قد أكدت أهمية الطبع، وتجارب الشعراء قد كشفت عن دور الإلهام، فإن ذلك لا يلغي قيمة العروض والصنعة، بل يضعهما في موضعهما الصحيح: خادمين للقصيدة لا بديلين عن روحها. 


ولهذا أؤمن أن الشاعر لا ينبغي أن يجعل القواعد حاجزًا بينه وبين لحظة الإبداع، كما لا ينبغي أن يهمل القواعد بعد اكتمال القصيدة. 


فالكتابة الشعرية رحلة تبدأ من القلب، وتعبر عبر اللغة، وتستضيء بالعروض، ثم تعود إلى القلب من جديد. 


ولعل خير ما يختصر هذه الرؤية هو القول: 


اكتب بقلبك أولًا، ثم صحح بعقلك ثانيًا، ولا تسمح للعقل أن يطفئ النار التي أشعلها القلب. 


بقلم : فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق