على هامش فاجعة المزونة :
رحلة العذاب الصامت: عندما تتحول حقول الأمل..إلى مقابر متنقلة..!
في فجر رتيبٍ من أيام الحصاد التي لا تختلف كثيراً عن غيرها،انقلبت شاحنة كانت تنقل فلاحاتٍ في منطقة المزونة بولاية سيدي بوزيد.لم تكن مجرد حادثة مرور عابرة،بل كانت لحظة تحوّلت فيها رحلة الكدح اليومي إلى لوحة من الألم والصدمة،اختلط فيها دم التعب بعذاب الفقد.
ارتقت روحان إلى السماء في الحال،بينما سقطت أخريات جريحاتٍ،أجسادهن تئن تحت وطأة الحديد والألم.
لكن السؤال الموجع أن هذه المأساة المتكررة لن تكون الأخيرة،طالما ظلّ هؤلاء النساء يُعاملن كظل عابر في حقولٍ لا ترحم،وفي ظروفٍ تنتهك أبسط معاني الكرامة الإنسانية.
تعبر آلاف التونسيات عتبات البيوت إلى مساحات الزيتون..،حاملاتٍ على أكتافهنّ أمن البلاد الغذائي، لكن دون عقود تحميهن،أو تغطيةٍ صحيةٍ تضم جروحهن،أو ضمانٍ اجتماعي يؤنس وحشتهن. يُنقلن يوميا في شاحنات عارية كالحقيقة،تجمع بين الأجساد المتعبة والأسمدة،وكأن الفتاة الريفية سلعة ثانوية في قائمة النقل.
الطرقات الوعرة،والمسافات الطويلة،وهوس السائقين بالسباق مع الرزق،كلها ترسم طريقا ممهدا نحو الموت.
ما جرى في المزونة لم يكن قدراً نازلا من السماء، بل وليد صمت رسميٍ خانق،وتواطؤ خفي مع أمر واقعٍ مرير.فالقوانين التونسية ليست غائبة،لكنها تُترك حبيسة الأدراج بينما تُدفن العاملات في الطرقات.!
يبحث "أقطاب الضيعات" عن أقل الأثمان، وتبحث النساء عن قوت يومهن،وتبقى الدولة تتفرج حتى يفجعها ضحايا جدد يُكتب لهم الرحيل قبل أوانه.
تخيل امرأة توقظ السكون قبل الفجر،تترك أطفالها في حضن الفراش الدافئ،تصعد إلى شاحنة تئن بستين روحا،تقف ساعات تحت شمسٍ تحرق الجلد أو بردٍ يعض العظام،تجني الطماطم أو الزيتون بأجرٍ لا يساوي فاتورة دواء.ثم تعود مثخنة بالتعب،لتعرف أن الطريق الذي ستنام فيه الليلة هو نفسه الذي ابتلع رفيقتها صباحا..!
هذه ليست رواية تثير الشفقة،بل سيرة يومية لنساء المزونة،وآلاف غيرهن في كريب وسليانة وباجة وقابس..إلخ.
إن هؤلاء النسوة يمنحن الأرض خصوبتها بدمائهن، لكن أحدا لا يمنحهن كرامتهن..يصرخ الموت في وجوهنا لتذكيرنا أنهن لسن مجرد أرقام في جداول الإنتاج،بل أمهات وعروس وأرواح تملأ البيوت ضياء،تتحول فجأة إلى أشلاء عابرة. والمأساة ليست في الحادثة وحدها،بل في أننا تعودنا أن نسميها "حادث شغل" وهي في العمق جريمة إهمال متكاملة،يرسم فصولها التهميش والنسيان.!
أي حضارة هذه التي تُبقي على خضرة الحقل أغلى من بريق العيون؟ وأي تنمية نريدها إذا كانت أعلام النصر تُرفع على جثث لا تبكيها سوى الرياح التي كانت تعبث بشعورهن لحظة العمل؟
إن ما يحدث في تلك الشاحنات المتسخة ليس مجرد خرق لقانون العمل،بل هو انتهاك صارخ لقدسية الجسد الأنثوي الذي يمنح الحياة.
هؤلاء النساء لسن "موسميات" عابرات،بل هن نبض الأرض الذي لا ينقطع.ففي كل صباح،يدفعن أثمانا باهظة من صحتهن وأعصابهن وأحلام أطفالهن،فقط ليكتب لهن النسيان أجمل قصائده. هناك حكمة أعمق يجب أن توقظنا: إن تأخر الإصلاح اليوم ليس إلا استثمارا في المزيد من النعوش البيضاء.
لم يعد مقبولا أن تتحول الحقول الجميلة إلى مسرح لانتظار الكارثة القادمة.والمطلوب اليوم ليس بكاء عابرا،بل ثورة صامتة في الوعي الجمعي،تعيد للعاملة الفلاحية مكانتها كإنسانة لا كأداة إنتاج.وكل يوم يمضي دون تغيير،هو يوم نكتب فيه بدم بارد قائمة انتظار الضحية التالية.
لن يكفي أبدا أن نرثي الضحايا وننعى الفقيدتين بعبارات جامدة.فالعبرة الحقيقية تبدأ حين ندرك أن كل تأخير في حماية هؤلاء النساء هو بمثابة تواطؤ.إنها لحظة فحص الضمير الوطني: هل يمكننا أن نستمر في مشاهدة هذا المشهد المتكرر دون أن نصرخ؟!
لقد حان الوقت لنخرج عاملات الموسم من الظل إلى النور،بعقود تحمي،وأجور تكفي،ووسائل نقل لا تسخر من الموت.
إن أرواح الفقيدتين اللتين رحلتا لن تهدأ إلا حين نضمن أن كل أم وعروس تعبر تلك الطرقات الوعرة تعود بأمان إلى حضن أطفالها.فكم من امرأة تنتظر دورها في هذه القافلة المحفوفة بالخطر؟!
العبرة أن نتحرك قبل أن يتحول كل صباح حصاد إلى مرثية جديدة.
وهكذا تظل شاحنات الموت تمخر عباب الحقول التونسية،تحمل على متنها أكفانا تمشي،وأحلاما تئن تحت وطأة الجهل المتعمد.!
إن هؤلاء النسوة لسن ضحايا قدر،بل شهيدات نظام يقدس المحصول ويدوس على الروح.فكل زيتونة تُقطف بدمٍ مسفوح،وكل قمحٍ يحصد بألم مكبوت،هو دليل إدانة في جبين ضمير نائم.
وإلى أن تتوقف أيادينا عن التصفيق لمواسم الحصاد،وتُفتح الأدراج الصدئة للقوانين،سنظل نكتب مراثينا بأصابع مرتجفة،ونحن نعرف أن الطريق التالية لن تكون إلا لامرأة أخرى كانت تحلم بأن ترى أولادها يكبرون.فإما كرامة تنقلنا،أو تراب المزونة يبتلعنا جميعا.
وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا لما نروم الإشارة إليه
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق