وعودا مؤجلة !!
علي سيف الرعيني
لعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان في حالة معينة يبدأ بالتعلق بالرموز والأرقام والتكرارات الغامضة. يلاحظ رقمًا معينًا يتكرر أمامه، أو ساعة متشابهة تظهر له كل يوم، أوتاريخًا يعود إليه مرارًا. لا لأن الأرقام تملك قوة سحرية، بل لأن النفس المنهكة تبحث عن أي إشارة تؤكد أن النجاة ما زالت ممكنة.
تصبح الأرقام في وعيه أشبه برسائل غير مكتملة، وعودًا مؤجلة بالخروج من النفق. لكنها كثيرًا ما تتحول إلى طقس حزين يرمز لنجاة تُجهض قبل اكتمالها. فكلما ظن أنه اقترب من تجاوز أزمته، عاد الواقع ليذكره بثقل الخسارات، وكأن الأمل نفسه يتعثر عند خط النهاية
إن فقدان الصوت الداخلي لا يعني فقدان العقل أو القدرة على التفكير، بل يعني فقدان ذلك الحوار الصادق بين الإنسان ونفسه. حينها يصبح الضجيج الخارجي أعلى من الحكمة الكامنة في الداخل. تتكاثر النصائح من كل اتجاه، بينما يزداد الإنسان غربة عن ذاته. يسمع الجميع إلا نفسه.
وفي عالم اليوم، حيث تتدفق الأخبار والصور والكلمات بلا توقف، أصبح الوصول إلى هذا الصوت أكثر صعوبة. فالكثيرون يعرفون ما يقوله الآخرون عنهم، لكنهم لا يعرفون ما تقوله أرواحهم لهم. يلاحقون الإجابات في الخارج، بينما السؤال الحقيقي ينتظر في الداخل
ومع ذلك، فإن الصوت الداخلي لا يموت تمامًا. إنه يختبئ فقط خلف طبقات التعب والخوف والخذلان. قد يعود في لحظة تأمل صادقة، أو في دعاء عابر، أو أثناء السير وحيدًا في طريق هادئ، أو عندما يقرر الإنسان أخيرًا أن يصغي لنفسه بدلًا من الهروب منها
إن النجاة الحقيقية لا تأتي من رقم يتكرر، ولا من علامة ننتظرها من العالم، بل من القدرة على استعادة ذلك الصوت الذي يخبرنا بأننا ما زلنا قادرين على البدء من جديد. فحين يستعيد الإنسان صلته بذاته، تتحول الأرقام من رموز للحزن إلى مجرد تفاصيل عابرة، ويصبح الأمل قرارًا داخليًا لا حدثًا ننتظره من الخارج
وهكذا يبقى أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس على الظروف ولا على الآخرين، بل على ذلك الصمت الذي يحاول أن يفصله عن نفسه. لأن من يجد صوته الداخلي مرة أخرى، يجد الطريق مهما اشتدت العتمة، ويكتشف أن النجاة لم تكن مفقودة أبدا، بل كانت تنتظر منه أن يسمعها من جديد!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق