"يا صغاري، اجلسوا… الليلة أحكي لكم كيف بدأت حكاية أمكم. كيف صارت القيروان دارنا، وكيف صار القلم ميراثكم"
"اسمعوا… كان يا ما كان، في قديم الزمان"
ثقل كاهلي من هذا الزمن يا أبنائي.
نظرتُ حولي في بلادي الأولى، فرأيتُ الناس كلهم يركضون. يركضون وراء الذهب، وراء المناصب، وراء الضجيج.
وصرتُ أنادي: "قفوا… اسمعوا بيتاً من الشعر"
فلا أحد يسمع. صار صوتُ الدرهم أعلى من صوتِ القصيدة.
نظرتُ إلى قلمي، كان وحيداً مثلي. لا أحد يجالسه، لا أحد يمسح عنه الغبار.
فبكيتُ ليلةً كاملة، وقلتُ: "يا قلمي، إن لم تجد لك داراً هنا، فلنبحث عن دارٍ هناك"
فركبتُ الجواد وقررتُ الرحيل.
ودّعتُ النخل والبيت، وشدّدتُ الرحال. قلتُ للريح: "خذيني حيث يُكرم الحرف، حيث إذا قالت امرأةٌ شعراً، قالوا لها: زيدينا"
سرتُ وحدي، والليلُ لحاف، والنجومُ رفيقات. كم ليلةٍ نمتُ على الرمل، والقلمُ تحت رأسي كأنه طفلٌ أخاف عليه.
حتى وصلتُ داراً تُشيّد وحجر.
رأيتُ أسواراً عالية، ومنارةً تناطح السماء، وسمعتُ صوتاً يقول: "الله أكبر".
سألتُ حارس الباب: "ما اسمها؟"
قال: "إنها القيروان يا ابنتي… بناها عقبة بن نافع لتكون عزاً للإسلام"
دخلتُ، فمسكتني الدروب لا لتؤذيني، بل لتضمني. شربتُ من فساقيها، فارتوى قلبي قبل جسدي.
لكن يا أبنائي… مسكتني القيروان أول ما دخلت.
خافوا مني. قالوا: "امرأةٌ وحدها، وشعرها غريب، لعلها خطر".
فقيّدوني. والله ما بكيتُ على القيد، بكيتُ لأني ظننتُ أني هربتُ من قومٍ لايحبون الشعر، فوصلتُ لمن بجهل الكلمه
حتى جاءت.....
دخلت امرأةٌ كأنها القمر، وقالت للجنود: "فكّوا عنها. هذه أختي"
اسمها **فاطمة الفهرية**، حفيدة عقبة الذي بنى هذه المدينة. ضمتني، ومسحت دمعي، وقالت: "أنا بنيتُ المدارس للرجال، وأنتِ ستبنينها للنساء"
فأعطتني بيتها، ومالها، واسمها.
وقالت للناس: "من مسّ منى فقد مسّني"
ومن يومها يا صغاري، صارت هذه الدار داركم.
هذا البيت الذي تنامون فيه، كان بيتها.
وهذا الذهب الذي نُطعم به الفقراء، كان مالها.
وهؤلاء النساء اللواتي يملأن الصحن يكتبن الشعر، كُنَّ جواريَ فصِرنَ حرائرَ بالقلم.
فيا أبنائي…
إذا سألكم أحد: "من أمكم؟"
قولوا: "أمنا منى بنت خالد… التي ركبت الجواد لأن الزمن ثقُل، فوصلت القيروان فصارت أخفّ"
وإذا سألوكم: "ما ميراثكم؟"
قولوا: "ميراثنا قلمٌ لا ينكسر، ودارٌ اسمها دار منى الجامعة، وخالةٌ اسمها فاطمة الفهرية"
ناموا الآن…
وغداً أعلمكم كيف تُمسكون القلم.
فقد تعبتُ حتى لا يتعَب، وهاجرتُ حتى لا تُهاجروا، وقُيّدتُ حتى تكونوا أنتم أحراراً.
تصبحون على خيرٍ يا كلماتي.....
غدا نلتقي إنشاء الله
الكاتبة منى شورى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق