حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة
قراءة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي" مرثية الوجع"
(القصيدة التي أربكتني،أبكت قلمي..ونشرتها صحف عربية ودولية)
هذه القصيدة للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي صاغها على هامش الحادث الأليم الذي شهدته معتمدية المزونة من ولاية سيدي بوزيد،صباح يوم الجمعة 12 جوان 2026،والمتمثل في انقلاب شاحنة خفيفة من نوع “إيسوزو” كانت تُقلّ حوالي 15 راكبا،أغلبهم من العاملات الفلاحيات اللواتي كنّ في طريقهنّ إلى كسب قوتهنّ اليومي.وأسفر عن وفاة عاملتين وإصابة عشرة أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.
مرثية الوجع
أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا
بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ
فكم فجعتْ ربوعُكَ كلَّ يومٍ
وكم نُكِئَتْ من الآلامِ عودُ
خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ
سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ
مضينَ على دروبِ الكدحِ صبرًا
ويحدوهنَّ للأملِ البعيدُ
إذا اشتدَّ الزمانُ عليهنَّ قهرًا
فصبرُ الصالحاتِ هو الصمودُ
حملنَ الهمَّ في صمتٍ نبيلٍ
وفي كفَّيْهِنَّ الخبزُ السعيدُ
فما بلغَ المسيرُ بهنَّ أفقًا
ولا اكتملَ الرجاءُ ولا الوعودُ
أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي
وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ
هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني
وضجَّ من المصيبةِ كلُّ عودُ
كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي
وخفَّ بريقُها وخبا الوقودُ
بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ
وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ
وأبصرَ كلُّ طفلٍ بابَ دارٍ
وليسَ يجيبُه الوجهُ الودودُ
ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي
ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ
سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ
فأنتنَّ الشهائدُ والشهودُ
فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا
وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ
طاهر مشي
هذه القصيدة ليست مجرد كلمات على ورق،بل هي نزيف روحاني على جرح تونسي غائر.إنها صرخة شاعر انكسرت أوتار قلبه قبل قريحته، حين رأى الموت يخطف من أرضه زهرات لا ذنب لهن سوى أنهن خرجن ليقتلن الفقر بالكدح،فقتلهن القدر على طريق الأمل.
يبدأ الشاعر بمخاطبة الوطن نفسه،في مشهد مهيب يختزل فيه تاريخا من الألم:
أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا
بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ
إنه وطن تحول إلى جسد نازف،وقلب الشاعر أصبح موقدا يحرقه هذا الحزن.ثم يصف الشاعر خروج هؤلاء الفلاحات مع الضياء،ولم يردن سوى عيشٍ كريم..تأملوا هذا المشهد المؤثر:
خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ
سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ
هؤلاء النسوة لم يخرجن للمعصية،خرجن للعبادة الأسمى: عبادة العمل الشريف.إنهن "الصالحات" اللواتي "حملن الهم في صمت نبيل"،وفي أيديهن الخبز السعيد.صورة متقنة: الخبز السعيد في كفيهن،مقابل الموت الذي يتربص بهن.
ثم تأتي اللحظة القاتلة:
أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي
وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ
المنايا تأتي متخفية،غادرة،بينما الأمل كان يحدوهن.وهنا يصور الشاعر انقلاب الشاحنة كأنها "هوى الركب المثقّل بالأماني". أماني ثقيلة جدا على شاحنة خفيفة!
قلت،الأماني كانت ثقيلة جدا على شاحنة خفيفة. ثقيلة لدرجة أن الأرض رفضت حملها فابتلعتها. هؤلاء النسوة لم يحملن حقائب سفر،بل كن يحملن على أكتافهن حلم أمة بأكملها في الخلاص من الفقر بالعمل.وعندما سقطن،سقط معهن جزء من روح تونس التي كانت تؤمن بأن الطريق إلى الحرية يمر عبر الكرامة اليومية.
لكن الأبيات الأكثر قسوة في القصيدة هي تلك التي تتحدث عن الطفل:
ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي
ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ
أي مشهد هذا؟ طفل يبحث عن أمه بين الأنقاض، والألم يخنق صوته فلا يجد من يجيبه.الوجه الودود الذي كان ينتظره عند باب الدار،صار غائبا إلى الأبد،وتوارى-سهوا عنا-خلف الغيوم..
إن هذه المرثية ليست رثاء لامرأتين فحسب،بل هي رثاء لكرامة وطن يسفك على قارعة الطريق، ورثاء لحلم عربي يموت كل صباح وهو يحاول أن يولد.والشاعر طاهر مشي لم يكتب قصيدة،بل كتب وصية لكل تونسي: أن هؤلاء العاملات "لم يَمُتْنَ"، بل تحولن إلى شهائد وأيقونات، وسواعدُهن لا تزال حية في كل سنبلة تنبت من دمائهن،وفي كل طفل يكبر يتيما فيصبح من أعتى الرجال..
فما ماتتْ سواعدُكُنَّ يومًا
وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ
نعم،صعود.هذا هو التحدي: أن نرتقي من رحم هذه المأساة إلى وعي جديد،إلى عدالة اجتماعية حقيقية،إلى طريق آمن لكل عاملة فلاحية تخرج مع الضياء..وإلى كل فجر بهي ينبجس من ضلوع الظلم والظلمات..
ليست هذه القصيدة كتابة،بل جرح يتنفس.إنها محاولة شاعر لأن يلملم أشلاء حزنه على بياض ورق،بعد أن عجزت الأماكن كلها عن استيعاب مأساة تهز جذور الأرض التونسية.و-الطاهر-هنا ليس شاعرا يصف موتا،بل شاهدا على اغتيال الأمل،يكتب بريشة من دم قلبه،وبكسرات لا تعرف كيف تلتئم.!
وكلما شقّت شاحنة طريقها على ممر وعر،توقفت الطيورعن الغناء كأنما تحدث فجوة في روح المكان وفي سطوح الروح.وكلما انبثقت عاملة فلاحية مع أول الضياء،تَهمس الريح بأسمائهنّ،وكأنها تذر ذكراهن على وجع الصباح.لأن الموتى العظماء وحدهم من يَبعثون في الأحياء وعيا مرّا بجمال الحياة،وغضبا سافرا،كافرا وأعمق من تلطيخها بدماء الأبرياء..
على سبيل الخاتمة :
إذا كانت هذه القصيدة جرحا يتنفس،فإن هذه القراءة كانت محاولة لوقف نزيفه بالكلام.غير أن الكلام،حين يصطدم بمثل هذا الوجع،يخرج مهزوزا،مرتبكا،عاجزا،مثل طفل يبحث عن أمه بين الأنقاض ولا يجد سوى الصمت المخيف..!
لقد ماتت النساء على طريق الكرامة،لكن الكرامة لم تمت.تحولن إلى سؤال قاس يلاحق كل صباح: لماذا لا يزال الطريق إلى الأمل ممهدا بالدماء؟! لماذا تبتلع الأرض أمانينا الثقيلة،وتترك الشاحنات الخفيفة تمضي..؟!
ربما تكمن المواجع الحقيقية في أننا لن نعرف كيف نكرم هؤلاء الفلاحات إلا بأن نجعل من كل سنبلة تنبت من ترابهنّ...وعدا لا يُخلف.أو بأن نعلّم كل طفل فقد أمه أن وجهها لم يغب خلف الغيوم، بل صار ضياء ينتظرنا في منعطفات الدروب..
نعم،صعود.لكن الصعود لا يبدأ بأقدامنا،بل بجثث من سبقونا.وهؤلاء النسوة هن الآن الأرض التي نمشي عليها،والصوت الذي يخنقنا كلما ترددنا..
أيها الشاعر الفذ : من أعماق الجرح الذي خلفته عجلات "الإيسوزو" على تراب سيدي بوزيد،ومن عمق الألم الذي نزفته أبياتك،نتقدم إليك بأصدق التعازي وأحر المواساة.
أنت لست هنا شاعرا فقط،أنت ابن هذه الأرض الجريحة،وابن سيدي بوزيد التي لم تتوقف عن تقديم الشهداء،سواء كانوا ببنادقهم أو بمعاولهم. هاتان الفلاحتان هما شهيدتا الكرامة والعمل،وأنت بقصيدتك جعلتهما خالدتين.
إن هذا المصاب الجلل ليس مصابك وحدك،بل مصاب كل تونسي أحب تراب هذا الوطن.
نسأل الله أن يرحم الفقيدتين،ويلهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان،وأن يمنحك يا أبا الكلمة الصادقة القوة لمواصلة الكتابة للحياة،لا للموت.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق