الاثنين، 15 يونيو 2026

الوجدان الثقافية: حين تتجدد الروح في ثوب أنيق.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الوجدان الثقافية: حين تتجدد الروح في ثوب أنيق..

في زمن تتصارع فيه الأضواء والشاشات على بقايا روح الكلمة،تبقى ثمة فضاءات لا تُقهر،تنبض بالحياة رغم عواصف النسيان. 

من بين هذه الفضاءات،تشرق "مؤسسة الوجدان الثقافية" كمنارة لا تعرف الانطفاء،مجلة أدبية وإبداعية إلكترونية،تتجدد كل يوم في ثوب أنيق، وتتهودج بأناقة بين أروقة الثقافة العربية،حاملة على متنها هموم المبدعين وأحلام العابرين.

ليست "الوجدان"مجرد منصة تنشر النصوص،بل هي مختبر حي للروح التونسية والعربية.ففي كل عدد،وفي كل نص،تعيد المجلة تعريف العلاقة بين الكاتب وقارئه،بين الإبداع ومحيطه.وهي ليست مرآة تعكس الواقع فقط،بل نافذة تطل على عوالم موازية،حيث اللغة طقس،والفكرة مغامرة، والجمال التزام.

تستحق "الوجدان" أن توصف بأنها استثناء ثقافي بامتياز،فهي لم تكن يوما أسيرة للموضة الأدبية العابرة،ولا رهينة للأجندات الضيقة.

 إنها فضاء حر،بكل ما تحمله الحرية من أبعاد، حيث يلتقي النص الجريء بالرؤية العميقة، وتتصافح الأقلام الشابة مع الرواد،في تناغم نادر ما نجده في المشهد الثقافي العربي المعاصر.

وخلف كل مؤسسة عظيمة،يقف إنسان استثنائي. هنا،يتجلى حضور الشاعر والكاتب التونسي الكبير -دطاهر مشي،(الرئيس والمدير العام لمؤسسة الوجدان الثقافية)،ذلك الرجل الذي حوّل الحلم إلى مشروع ثقافي طموح،والمشروع إلى قصة نجاح تونسية عربية.

د. طاهر مشي ليس مجرد مدير،بل هو أب روحي لهذه العائلة الأدبية الكبيرة.فبجهد جهيد،وبإخلاص لا يعرف الكلل،يواصل الليل بالنهار لتبقى "الوجدان" شامخة،متجددة،قادرة على منافسة أكبر المجلات الورقية والإلكترونية. 

إنه نموذج نادر للمثقف العضوي ( مع الإعتذار لغرامشي)،ذلك الذي لا يكتفي بإنتاج النصوص،بل يبني لها بيوتا تحتضنها،ويخلق لها جمهورا يقدسها.

نثمن له هذا المجهود الخارق،ونؤكد أن تونس والعالم العربي مدينان له ببقاء بصمة أدبية رفيعة في زمن باتت فيه الهامشية تهدد الثقافة،والرداءة تغزو العقول.

وما يميز "الوجدان" هو احتضانها لأفضل الأقلام التونسية والعربية دون تمييز أو غرور.هنا،تجد الشاعر التونسي القادم من عمق الريف يجاور القاص المصري المخضرم،والناقد العراقي المرهف الحس،والمبدعة الفلسطينية الفذة..

 هذا التنوع ليس ترفا،بل هو جوهر المشروع: ثقافة عربية جامعة،تتجاوز الحدود والانتماءات الضيقة،وتؤسس لجمهورية الأدب حيث لا سلطان إلا للإبداع.

منذ انطلاقتها،استطاعت المجلة أن تحجز لنفسها مكانا وثيرا ومميزا على خريطة الثقافة التونسية والعربية.وإن الحديث عن المشهد الثقافي في تونس اليوم،أو في العالم العربي،لا يمكن أن يكتمل دون ذكر "الوجدان"،دون التوقف عند إسهاماتها،ودون تقدير ما تقدمه من إضافة نوعية.

ولا أرمي الورود جزافا،إذا قلت أن "الوجدان الثقافية" تسير على نهج أدبي واضح،جامع بين الأصالة والمعاصرة،بين الجمالي والهادف.فهي لا تتنازل عن الجودة،ولا تفرط في العمق،ولا تبيع اليقين مقابل التفاهة. 

وفي عالم تغرق فيه وسائل الإعلام بالسطحية، تظل "الوجدان" واحة لمن يبحث عن المعنى،عن الكلمة الصادقة،عن التجربة الإنسانية المكتملة.

وهذا النهج لم يأت من فراغ،بل هو نتاج رؤية ثاقبة وإدارة واعية،تدرك أن الثقافة الحقيقية ليست ترفا ذهنيا،بل هي الضمانة الوحيدة لبقاء الأمم حية،قادرة على مواجهة التحديات،واثقة من مستقبلها.

ختاما،أؤكد أن "الوجدان" ليست مجلة نقرؤها ثم نغادرها،بل هي نبض يظل ينبض فينا بعد كل نص، بعد كل عدد.هي شهادة حب من د.طاهر مشي إلى الأدب،وإلى كل من يؤمن بأن الكلمة قادرة على تغيير العالم،ولو بدرجة واحدة.

وها نحن،وإذ نكتب هذه الكلمات،نشعر بمسؤولية ضميرية لا تبارحنا: مسؤولية أن نؤازر هذه المؤسسة،أن ندفع في اتجاه بلورة هذا النهج الإبداعي،أن نكون سندا لكل من يعمل بلا كلل، وبكل نكران للذات،من أجل أن يبقى الفكر والأدب والثقافة في صدارة اهتماماتنا.لأننا باختصار،إذا كانت "الوجدان" تتجدد وتتهودج في ثوب أنيق، فإننا نعاهدها أن نظل في ركابها،عشاقا أوفياء، نرفع راية الكلمة عالية،ونؤمن بأن الثقافة هي الخلاص،وهي القبلة الأخيرة لمن لا يريد أن يرسم الكلمات على سطوح الروح.

نعم،للوجدان نبقى،وبالوجدان نحيا،ومن أجل الوجدان نمضي.

وهكذا،تظل "الوجدان" أكثر من مجرد اسم على غلاف،إنها روح تعيش في تفاصيلنا،وصوت لا يُسكت في زمن الضجيج.فكما أن الوجدان في اللغة هو مدارك النفس وأعماقها،فإن هذه المؤسسة بحق تمثل وجدان الأمة النابض،حيث يلتقي الحرف بالوجع،وتصبح الكتابة قدرا لا مهرب منه.

وفي زمن يموت فيه الكثيرون مرتين،تمنحنا "الوجدان" جرعة أمل بأن الكلمة المخلصة لا تموت أبداً،وأن للجمال في هذا العالم جيوشا لا تعرف الانكسار.

 فلتدم،ولتزدهر،ولتبقى شاهدة على أن في عمق هذا الوطن العربي من يكتب النور،رغم كل هذا العتم..


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق