الأحد، 14 يونيو 2026

ظلّ الغجرية بقلم الكاتب محمد رمضان الحميداوي

 ظلّ الغجرية

في أطراف قريةٍ وادعةٍ يلفّها النهر  بخريره الأبدي، كانت تعيش جماعة من الغجر على هامش الحقول، ينصبون خيامهم بعيدًا عن الدروب، كأنهم أرادوا أن يظلوا في الظل لا في الضوء. كانوا يعزفون، يرقصون، يخيطون، ويطرقون الحديد بأيدٍ حاذقة. لكنهم لم يدخلوا البيوت، ولم يدعُهم أحد إلى المجالس، إذ كان الغجر غرباء في عيون أهل القرية، غرباء حتى وإن عاشوا بجوارهم دهراً.


في مساءٍ ذهبي، جلس عبد بن طعمة، فتى القرية، قرب خيمة من خيام الغجر يتأمل حسنة، الغجرية ذات الجدائل الفاحمة والعيون التي تشبه النهر حين يتلوى بين الضفاف. كانت تبتسم له، وهو لا يحسن الرد، فقط يحدّق، ثم ينصرف كأن شيئاً لم يكن.


لكن راشد، ابن الحاج حمد، أحد وجهاء القرية ورفيق الشيخ ومندوبه في الشؤون الكبرى، لم يكتفِ بالنظر. كان راشد حادّ العينين، صلب العزيمة، لا يشبه باقي الفتيان. رآها مرة ترقص في ليلةٍ غجرية، فوقع قلبه أسيراً. عاد إلى بيته مهموماً، تتقاذفه مشاعر لا يعرفها من قبل.


ذات مساء، دخل على والده الحاج حمد، وقالها دون تردد: "أريد الزواج من حسنة، الغجرية."


ما إن لفظ الجملة حتى قامت الدنيا في الدار. صاحت الأم:

"أتريد أن تجلب لنا العار؟!"

صرخ الأخ الأكبر:

"لقد بعت رجولتك يا راشد!"

لكن راشد ظل واقفاً، لا يخفض عينيه، ولا يتراجع عن قراره.


بعد أيام من الشجار والصراخ، جلس الحاج حمد على سجادته، وقال لولده:

"خذها، لكن بشروطي. زواجك بها سرّي. تأتي بها إلى البيت ولا تخرج منه. لا تكلّم نساء القرية، ولا يعرف بها أحد. وبعد سنة، تتزوج بنت عمك... من الأصل والجدّ والنسب. اتفقنا؟"

هزّ راشد رأسه موافقاً، دون تردد.


وفي ليلةٍ مقمرة، سار راشد وحده إلى خيمة الغجر، وأبلغهم موافقة الأب. فرحت حسنة، وفرح أهلها، وزُفّت إليه سراً.


عاشت حسنة في الجناح المعزول من بيت راشد. لم ترَ أحداً، ولم يراها أحد. كان راشد يخصّها بحنانه، يغني لها بصوته، يضع يده على بطنها حين حملت، ويعدها بأنه سيغيّر العالم من أجلها.


لكن الزمن لا يلبث أن يُذعن للأقدار. مضت الشهور، وولدت حسنة غلاماً أسمرَ كأبيه، عريض العينين كأمه، وسمّياه "سعد ". كان عمره سبعة أشهر حين جاء القرار.


في صباحٍ صامت، نادى الحاج حمد على راشد وقال:

"قد مضت سنة واكثر  ، وغدًا ستُزفّ إلى بنت عمك. وحسنة... تطلقها، دون ضجيج."


حاول راشد أن يتراجع، أن يناور، أن يتوسّل. لكن صوت الأب كان كصخرةٍ لا تتزحزح. وهكذا، في صبيحة خريفية، طلق راشد حسنة،

بكت حسنة بصمت، وخرجت في الليل،  تاركة سعد  نائماً في مهده، لا تعرف إلى أين تمضي.


كبر سعد  في بيت أبيه، لكن حضن أمه ظلّ مفقوداً. ربّته زوجة أبيه، "زهرة "، وكانت امرأة حليمة، لم تميّزه عن أولادها. أرضعته المحبة، وربّته على التقوى، وكان راشد، رغم كل شيء، يحب ابنه حباً خفياً لا يظهره للعيون.


كان سعد يسأل في صغره:

"أمي... أين أمي؟"

فتجيبه زهرة :

"سافرت... وستعود يوماً."

ويظل ينظر من الشباك منتظراً، حتى يغلبه النوم.


ومرت الأعوام.


كبر سعد ، ودرس في المدرسة الابتدائية، ثم صار شاباً يافعاً. كان دمث الخلق، لا يرفع صوته على أحد، يحترم الصغير والكبير، يعين الضعفاء، ويحب أخوته من زهرة  كأنهم من أمه.


كان إذا سار في طرقات القرية، قال الناس:

"هذا سعد ... لا يشبه أحداً. خلقه من ذهب، وروحه من نور."


.

ذات يوم، وبينما كان سعد  يوزّع المعونات على الفقراء في أحد أطراف القرية، لمح قافلة غجرية توقفت تحت النخيل. لم يكن يعرف ما الذي جذبه إليهم هذه المرة بالذات، لكن قلبه خفق بشيء غامض، فاقترب.


اقترب من امرأة عجوز تجلس على حصير   وكانت لها عينان غائرتان وحركة يد مترددة. سألها بهدوء:


– "يا خالة... هل مرّت بك امرأة تُدعى حسنة؟"


رفعت رأسها ببطء، ، ووضعت يدها على صدرها. سألت بصوت خافت:


– "أنت... ما اسمك؟"


قال:

– "سعد ... سعد  أ بن راشد."


ارتجفت العجوز،  وتمتمت:

– "يا إلهي... هو إذن..."


وسرعان ما اجتمع الغجر حوله، وأخذوه إلى خيمة على أطراف القافلة، حيث كانت امرأة على الفراش، نحيلة، بالكاد تتنفس، تغطي وجهها بوشاح أبيض شاحب. كانت حسنة، أمه التي طالما بحث عنها في عيني كل غريبة، ترقد على حافة الرحيل.


فتح سعد  ستار الخيمة، فرفعت جفونها بصعوبة، ونظرت إليه نظرةً واحدة، ثم ابتسمت، وقالت همساً:


– "كنت أعلم... أنك ستأتي يوماً... وجهك... يشبهه تماماً."


أراد أن يندفع إليها، أن يمسك بيدها، أن يصرخ من فرط الشوق، لكنها أغلقت عينيها قبل أن تصل يده إليها، وكأن الحياة انتظرت رؤيته لتغادر بعدها إلى الأبد.


انكفأ على الأرض باكياً، لا صراخ، لا عويل، فقط دموع تُحفر في التراب، وهمسات غجرية تقرأ عليها السلام الأخير.


دفنت حسنة في الخلاء، بعيداً عن المقابر الرسمية، فلم يكن لها أوراق ولا اسم في السجلات. حمل سعد  حفنة من ترابها، ووضعها في كيس من قماش أخذه معه إلى بيته.

لم يتحدث عن ذلك لأحد، ولم يسكن الحزن في عينيه، لكنه بقي يزور ذلك المكان كل عام، ويجلس هناك عند الغروب، يحكي لها عن نفسه،  عن القرية التي صارت تعرفه جيداً وتضرب به المثل في الوفاء والخلق.وكيف تزوج ورزق بولد وكيف يسأله أبنه 

– "أبي، لماذا لا تأتي جدّتي إلينا مثل باقي الجدّات؟"


كان يبتسم أمام القبر ، ثم يقول:

– "جدّتك، يا بني... كانت من نساء الضوء، لا يحتملها ظلّ هذا العالم."


محمد رمضان الحميداوي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق