الأحد، 14 يونيو 2026

صراع الثقافات بقلم الكاتبة فاتن دياب"

 إنه صراع ثقافات، دائرة دوائره بين ثقافة إسلامية وثقافة غربية تريد فرض شروطها وسيطرتها على كل من حولها.  

فهو تفاعل ثقافي، كما قال كارل ماركس، قائم على سيطرة الطبقة الأقوى على الطبقة الأضعف، سيطرة اقتصادية-اجتماعية.  

من قال لكم إننا الأضعف؟  

ألم نكن منذ فجر التاريخ أولئك الذين اخترعوا الحرف ونشروه وعلموه؟ ألم نكن أولئك الذين دأبوا على التعلم والتعليم منذ نعومة أظفارهم؟ ألم نكن أطباء العصر ورياضييه وفلكييه وحتى شعراءه وفنانيه ومسرحييه؟  

لا يغشكم اليوم من يقول إن هذه الحرب سياسية وعسكرية.  

هي ليست سوى حرب ثقافية، على حد قول أنطونيو غرامشي: "إن السيطرة الحقيقية لا تتحقق بالقوة والجيش والقانون، بل تتحقق عندما تنجح الفئة المسيطرة في جعل أفكارها وقيمها تبدو كأنها طبيعية ومنطقية عند الجميع، حتى عند من يتضرر منها".  

كأننا نصاب جميعنا بمتلازمة ستوكهولم بشكل حتمي، لتصبح ثقافة المعتدي هي الأفضل والهدف الأسمى، وكأن ثقافته وعلمه وأدواته ونمط معيشته هي الأفضل. نتعاطف معها إلى حد التماهي، كما يفعل بعضنا من اللبنانيين. لا أحد ينتبه إلى أن الصراع العسكري ينتهي باتفاقية وتسوية أو غالب ومغلوب، والحرب الاقتصادية تنتهي أيضاً باتفاقية أو حظر أو إفقار وتفقير، أما الحرب الثقافية فهي لا تنتهي. تعش في القلوب والعقول، في المفردات والقيم والسلوك والتعليم والعمران والمأكل والمشرب، حتى في كل نفس نتنفسه.  

أن تُستعمَر ثقافياً يعني أن قيمك وقيم عائلتك وهويتك التي تحافظ عليها وتنقلها لأبنائك سوف تفقدها وتكتسب سلوكيات غريبة عنك وعن بيئتك، عن التزامك الاجتماعي والإيماني، كأنك تتعرى وترتدي ثوباً جديداً فضفاضاً لا يناسب مقاسك ولا حتى ألوانك الحياتية.  

من قال لكم إن الثقافة لا تُؤخذ كالدواء، بالملعقة وعلى المدى الطويل، جرعات خفيفة وقوية؟  

الثقافة هي دواء مزمن يعيش في أبداننا، يتغل في عقولنا، يرافقنا كخيالنا، وينام في قلوبنا.  

إن ما يحدث اليوم هو صراع قيمي معيشي، فكما قال هانتنغتون في كتابه "صراع الحضارات": "إن الهوية الثقافية والدينية هي أقوى رابط يجمع الناس، وأن الاختلافات بين الحضارات الإسلامية والغربية والصينية والهندوسية أعمق من أن تذاب بسهولة".  

مما يعني أن الحضارات عندما تلتقي وتتضارب مصالحها يأخذ الصراع العسكري والسياسي إجازة طويلة، وتتحول إلى صراع ثقافي قيمي، اللذان يصبحان محور الخلاف والاختلاف. وذلك لأن كل حضارة ترى بأنها مركز الكون، منها وإليها تعود العناصر الثقافية جميعها والتي تعمل على نشرها وانتشارها. أهذا ما نسميه صراع الحضارات؟  

كلا، إنه أكثر من ذلك، فهو أعم وأشمل، فهو صراع بين ثقافات وميزان القوة والوجود. أولهم من يوصّف نفسه ويصنفها - وله حق التصنيف كما يزعم - على أنه عالم أول بالتكنولوجيا والتقدم العلمي والقوة الاقتصادية، ويحاول أن يكون كذلك فكرياً وقيمياً وحتى بقاموسه اللغوي الذي يعممه ويفرضه على العالم. وهو من يوصّف الآخرين ويصنفهم على أنهم عالم ثاني وثالث، ويحاول إقناع القاعدة الشعبية لهذه المجتمعات بذلك، وأن الرضوخ له واللجوء إليه لا مناص منه.  

من قال لكم إننا درجة ثانية أو ثالثة؟  

من قال إننا الأضعف والأجهل؟  

من قال لكم إننا لا نستطيع أن نكون كما نريد أن نكون؟  

فلتلتهِ كل ثقافة بلمّ شتاتها، وترفع اليد عن الآخرين، وتتركهم بحالهم.  

"فاتن دياب"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق