بنيات الطريق
هاهي لوحة حجرية عملاقة على يمين الداخل إلى مدينة حلب براََ من طريق الشام تشير إلى أنه يفصلنا الآن عن قلب المدينة عشرة كيلومترات
وها هو ذا دوار الصنم الذي يعرفه الحلبيون جيداََ، فعنده تبدأ نسائم حلب تلفح وجوه أبنائها، وعنده تتسابق أشواقهم فرحاََ وطرباََ في دخول مدينتهم مدينة التاريخ والأمجاد والعلم والثقافة والصناعة والتجارة وطريق الحرير
توجهت نحو رفيق سفري وقلت له: بالله عليك قل لي أليس في هواء حلب ما ينعش الفؤاد؟ ألا تشعر أن هذا الهواء يحمل عبقاََ وأريجاََ ووشائج إلفة ومحبة وودادة بين الناس؟ تبسم رفيق سفري وقال: يعلم الله كم أحب حلب، وكم أتوسم في أهلها خيراََ، وكم تعجبني طيبتهم وعفويتهم، ولهجتهم التي تكشف عن نمط حياتهم التي خلت من ترفع وتكلف وتنطع
ركاب حافلات النقل من دمشق إلى حلب هم على الأغلب من العساكر الذين يضطرون الى النزول من الحافلة قبل انتهاء مطافها في كراج الانطلاق، باعتبار أن دوريات الشرطة العسكرية تتمركز في ذلك الكراج على مدار الساعة، تبث الرعب في قلوب العساكر المساكين بدعوى تحقيق الانضباط
عند دوار الكرة الأرضية طلبنا من السائق أنا وبضعة ركاب التوقف للنزول من الحافلة لأننا لا نريد دخول الكراجات ولا أن يرعبنا مشهد الشرطة العسكرية، وكما يقول المثل الحلبي "لا عين تشوف ولا قلب يحزن"
ترجلت من الحافلة، جلت بناظري في المكان، ما من شيء يبعث على الاطمئنان، فالساعة تقارب الثامنة مساءََ [هو يوم شتوي من عام 1981] وما من حركة هاهنا تخفف من روع الإنسان
هاهي حلب -المدينة التي لاتنام- هي الآن خاوية على عروشها مقفرة مظلمة موحشة، وكأن حجارتها وشوارعها تخفي وراءها ألف سؤال وسؤال مريب
بت متوجهاََ نحو بيت أهلي سيراََ على الأقدام، إذ ما من حافلة نقل تسير في شوارع المدينة -ماعدا بضع عربات جند مدججة بالسلاح، تخشى في كل لحظة أن تتوقف تلك العربات وتلقي القبض عليك- ياه، كم غدا العيش في هذا الوطن مريرا ؟! تراها متى تشرق الشمس؟!
وإذن يتوجب علي الآن أن أقطع الطريق سيراََ على الأقدام ابتداءََ من دوار الكرة الأرضية وحتى ثانوية نابلس للبنات بالقرب من جامع الروضة، وهي مسافة ليست قليلة، بل هي طويلة وشاقة وتكتنفها المخاطر
- وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 138
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق