*صخرة الدماء*
[إذا انعدمت الثقة بين الناس استشرى الفساد في أجهزة الدولة]
الصنديفات في المتلوي بهيكلها الشامخ تشرف على الفيلاج. أفّيش يغطّي الواجهة : حصان عربي أصيل جامح يقفز فوق صخرةِ" ريد روك" أيْ "صخرة الدماء".
سويقرات و قريطيس قلوب. الشعول، ما بقاش حق الوقيدة. موش مشكل. الكيّاف للكيّاف رحمة "سامحني نشعّل".
انطفأت الأضواء ثم انطلقت ومضات إشهارية على الشاشة تمجّد إنجازات الدولة.
نغمات أوكارينا تقطع وشوشة الجمهور فيصمت و يبئّر عينيه على الشاشة.
هندي أحمر يركب حصانا عربيّا أصيلا جموحا ملّاط، بلا سرج. يسير على طريق غير ممهّدة في اتجاه مدينة الخطايا ليبيعه في سوقها. صدر عار و يد تمسك رمحا. يتقاطع طريقه مع راعي بقر يمشي على قدميه يقصد البراري بحثا عن حصان فريد يحمله إلى الغرب المتوحّش.
-السلام عليكم !
-و عليكم السلام!
-إلى أين؟
-إلى البراري لشراء قطيع من العجول.
-هل انت تاجر بقر؟
-لا أنا جزّار!
يلاحظ الزندياني المسدس. يمتشق رمحه:
- ليس هناك عجول في هذه الناحية.
-هل هذا الحصان للبيع؟
-لا، هو ركوبة لي.
-هلّا اتخذت موستونغ، كان أصلح لحالك. هذا حصان عربي أصيل من أين حصلت عليه!
- هناك جثة معلّقة على تلك الشجرة . هل تريد رؤيتها؟
يضع راعي البقر يده على مسدّسه. يستعدّ الهندي الأحمر. يتراجع راعي البقر يعرف براعة الهنود الحمر في ملاعبة السلاح:
- هيا مع السلامة. سوف أسأل غيرك، يُعْرِض راعي البقر.
- انتظر قلت إنك جزار!
- نعم.
- هل تشتري هذا الخروف؟
- خروف! ربّما هو فعلا خروف و أنت سحرتني. هل انت شامان؟
- نعم، انا ساحر شعب جبال السحاب. انظر إلى هذا الخروف الوديع. سوف أساعدك. اعط ثمنا.
- مائتا دينار.
- علوش بسبع مئة تسومه بمئتين؟
- اذهب الى السوق سوف تعرف الثمن الصحيح. ما قلتُه هو ثمن مجز. كذلك يوفّر عليك التعب. علما ان ما أعرضه عليك ربح صاف لان ثمن الشراء روح ذاك المعلّق على الشجرة. ما رأيك؟
- حسنا، هات النقود!
- هات انت الخروف اولا!
- لا أعطني انت النقود اولا!
- ما هكذا تدار التجارة يا ساحر جبل السحاب .
- النقود أولا، و إلا ليس هناك بيع!
- انظر إليّ ها انا أعدّها أمامك
هات الخروف!
- أنظر إلى الخروف كيف يدور . هات النقود!
- سوف لا نتفاهم هكذا. انظر إلى تلك الشجرة التي قدمت من جهتها انت و خروفك. ثم الى هذه الصخرة التي قدمت أنا من جهتها مع نقودي. أتراجع انا فأضع نقودي على الصخرة و تتراجع انت فتربط خروفك في الشجرة. ثم يتقدّم كلانا، على رجليه، فيأخذ حاجته و يمضي في حال سبيله.
- موافق، انتم أصحاب الوجوه الشاحبة عندكم دائما حل لأي مشكلة.
لما وصل راعي البقر إلى الصخرة لوّح بكيسه و وضعه عليها. عندئذ ربط الزندياني الحصان إلى الشجرة. وقفا ، تشابكت عيونهما ثم انطلقا في نفس الوقت في اتجاهين متعاكسين.
عندما اقتربا من المنتصف.
أشهر كل واحد منهما سلاحه في وجه الآخر. و تقاطعا حول دوّار وهميّ. العيون مركّزة على سلاح الأخر. يمشيان القهقرة لا يأمنان الغدر .
لمّا وصل الزندياني إلى الصخرة فتح الكيس، نفضه، فارغ.
اما راعي البقر لما اقترب من الشجرة جفل الحصان و فرّ إلى البراري. لقد عقد الهندي عقدة سائبة.
هجما على بعضهما. في المنتصف جثّتان . هندي أحمر مخرّب صدره بالرصاص و راعي بقر شكّ الرمح قفصه فشطّر قلبه كل بطين على حده.
وصل صعلوك فوجد جثتين على الطريق و الجثة التي علّقها على الشجرة تحتها يقف الحصان العربي أصيل الذي ذهب للبحث عنه، بعد أن قتل سيّده. سلب جثة راعي البقر. استولى على مسدسه و نقوده. امتطى الحصان و توجّه الى مدينة الخطايا.
حضر الشريف. عاين الجثث و استقرأ الآثار حولها. استنتج أن لصّين قتلا الهندي الأحمر الذي قتل صاحب الحصان ثمّ حصل شجار بينهما على تقاسم الغنيمة فقتل أحدهما الآخر.
قادته الآثار الى سوق مدينة الخطايا حيث عثر على اللص بصدد عرض الحصان للبيع. أمسك به ثم اقتاده إلى السجن.
قبالة شبّاك السجن انتصبت مشنقة. تحتها منصّة القضاء، حيث يجلس قاض ذو قبعة إسطوانية مفلطحة. أقام الشريف الدعوى : " هذا الصعلوك، مشيرا إليه بأصبعه، قتل رجلا أبيض و استولى على حصانه و مسدسه و نقوده. و أسقط التهمة حول قتل الاثنين الآخرين إذ لا يمثّل موتهما جريمة تستوجب البحث حسب القانون.
سأل القاضي:
- كيف قتله و ما هو سلاح الجريمة.
الشريف:
- طعنه برمح. و هذه هي أداة الجريمة سيدي القاضي. و هذه هي المحجوزات التي وجدناها عند المجرم.
تأمّل القاضي الرمح مليّا، ثم المحجوزات:
- ليتكلم الدفاع!
الدفاع:
-سيادة القاضي نلتمس من عدالتكم، يقاطعه القاضي.
القاضي:
- اختصر المرافعة. عندي طرح قولف بعد الجلسة. أنت! قلّي، كيف تسمح لنفسك بالدفاع عن مجرم؟ اصمت و إلا وضعتك معه في نفس القفص. حكمنا على المجرم بالإعدام شنقا! رفعت الجلسة.
أربع جثث. جثة تتدلى على الشجرة و جثتان على طريق صخرة الدماء و جثة تتدلّى في حبل المشنقة و حصان عربي أصيل يمتطيه شريف مدينة الخطايا و نقود في جيب القاضي.
و سكان المدينة يتناقلون همسا: "لماذا لم يستعمل الصعلوك مسدّسه؟ أين تعلّم المبارزة بالرمح؟"
" ذي آند" النهاية.
يغادر الصعلوك الصندفات، و في رأسه تتقاتل التساؤلات:" لماذا قُتل صاحب الحصان؟".
يشعل آخر سيجارة قدّام بيرو لمبوش. يجذب نفسا طويلا. ينفثه لما يصل قدّام البرج:" لأنه غريب يركب حصانا عربيا أصيلا!".
ضوء ساطع يدهدص عينيه، فجأة، يصيبه عمى لحظيّ. يد غليظة تصفعه على قفاه:" أطلع يا ولد ... ! تحب تعرف علاش تَقْتَل مولى الحصان! هاو تو نعرّفوك!".
[جمال الطرودي // تونس]
---الشرح---
المتلوّي: مدينة في الجنوب الغربي في تونس. و هي عاصمة الفسفاط.
الصنديفات: قاعة الافراح و قاعة السينما القديمة في المدينة.
الفيلاج: الحي العصري حاليا.
أفّيش: لافتة إشهار الفيلم
موستونج: حصان البراري الامريكية
بيرو لمبوش: مكتب التوظيف، سابقا.
البرج: إدارة شركة فسفاط قفصة في المتلوي.



























