الجمعة، 6 فبراير 2026

مرافعة أمام محكمة السنين بقلم الأديب د. قاسم عبدالعزيز الدوسري

 مرافعة أمام محكمة السنين

بين أنامل الذاكرة،

 أُقلّبُ صفحات العمر ككتابٍ عتيق؛

 يبدأ بفجر الطفولة المليء بالدهشة،

 وينتهي بغسق السنين المثقل بالوقار.

 هناك، في الزوايا المنسية، 

ثمة حلمٌ شابَ الرأسُ ولم يشب هو،

 ما زال "لا يستكين"، 

يطاردني بنسيمه

 ويجدد في ليل الهجوعِ

 صخب الأماني.

​نزلتُ إلى ساحة قلبي، 

حيث يربضُ الحبُّ الدفينُ كسرٍّ مقدّس، 

مسحتُ عن وجهه وحشة العزلة، 

وتذكرتُ حين ركبتُ -

في طيش الصبا- 

خيول الظنون،

 وبحثتُ عن وجه الغاية في كل العيون.

 يومها، 

قررتُ أن أهدم 

صومعة الأحزان، 

وبدّلتُ غبار الأعوام الماضية بيقين الخير،

 قائلاً لنفسي: "يكفينا شجوناً؛ فقد آن للسكون أن ينكسر".

​تصفحتُ فصول ذكرياتي 

فصلاً فصلاً..

 توقفتُ طويلاً عند "عشق الجنون"

 الذي أهملته طويلاً 

حتى توارى

 خلف غمام الوقت، 

لكنني اليوم أبصرتُ الحقيقة بوضوح؛ أبصرتُ عمري يمرُّ

 عبر مرآة قلبي الحنون، وأدركتُ أن طريقي،

 وإن طال، ما هو إلا رحلة شوقٍ مستمرة.

​يا ناظريَّ..

 إن رحلي يسيرٌ على مدى العمر، يلقي إليَّ في كل محطة 

"بذرة شوق" غُرست على مائدة الأيام،

 ورغم يقيني بأنني قد أضل الطريق أحياناً،

 إلا أن سنين عمري تقف شاهدةً على صدق المسير.

​أتعجبُ كثيراً.. 

لماذا تتحول أحلامنا الكبرى

 إلى مجرد أمنيات باهتة 

تنأى خلف الأفق بلا جدوى؟ لكنني لن أستسلم لهذا التيه؛ سأرفع بصري 

نحو السموات، 

أُقلّبُ آفاق عمري الجديد،

 لعلي أظفر بنجمة واحدة.. نجمة لا ترحل،

 تلمعُ في أقصى المدى،

 وتنادي بصوتٍ واثق:

 "أنا هنا.. باقيةٌ

 ما بقيتْ فيك الروح".


الأديب د. قاسم عبدالعزيز الدوسري



الخميس، 5 فبراير 2026

ذكورة الإخشيدي حين تتكلم الحداثة بقلم الكاتبة هدى عز الدين

 ذكورة الإخشيدي حين تتكلم الحداثة

......

ضَجِيجٌ مُرْبِحٌ دَاخِلَ أُذنِ الوَقْتِ،

الأَصْوَاتُ مِنْ فَمِ العَقْلِ تَنُوحُ

فَوْقَ رُؤُوسِ النِّسَاءِ،

وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السُّقَاةُ

تَنْهَبُونَ مِنْ نَهْرِ المُسَاوَاةِ

عَدْلًا،

وَتُقَسِّمُونَ إِرْثَ نِعَاجِكُمْ

عَلَى تِسْعٍ وَتِسْعِينَ

مِنْ بُطُونِ الجُوعِ.

وَأَنَا خَارِجَ المَرَايَا

أُنْثَى مِنْ ضِلْعِ خَطَايَاكُمْ،

تَنْعَوْنَ اسْمِي

فِي مُكَبِّرَاتِ إِثْمِكُمْ،

وَأَنَا أُرْضِعُكُمْ

مِنْ ثَدْيِ حُبٍّ وَكَرَامَةٍ.

الجَنَّةُ دَارُكُمْ،

وَأَنَا لَعْنَتُكُمْ المُزْعُومَةُ.

هَيْهَاتَ، هَيْهَاتَ،

مَا لَكُمْ إِلَّا عِصِيٌّ

تَتَّكِئُ عَلَيْهَا ضَمَائِرُكُمْ

عِنْدَ أَوَّلِ اِنْحِسَارٍ.

أَمْ أُشَبِّهُكُمْ بِالإِخْشِيدِيِّ

حِينَ هَجَاهُ الشِّعْرُ؟

هدى عز الدين 




طَائِيَةُ الجُعَيجِعِي بقلم الشاعر محمد جعيجع

 طَائِيَةُ الجُعَيجِعِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


1 ـ تُعَلِّمُنِي مُعَلِّمَتِي بِيَومِي ... ثَلَاثَةَ أَحرُفٍ نُطقًا وَخَطَّا 


2 ـ فَيَكتُبُهَا بِتِكرَارٍ بَنَانِي ... وَأَعرِضُ لَوحَتِي رَفعًا وَحَطَّا 


3 ـ وَيَنطِقُهَا لِسَانِي كُلَّ حِينٍ ... يُرَدِّدُ حَرفَهَا قَبضًا وَ بَسطَا 


4 ـ بِرَفعٍ ثُمَّ نَصبٍ ثُمَّ جَرٍّ ... وَتَسكِينٍ لَهَا شَكلًا وَضَبطَا 


5 ـ تُعَلِّمُنِي الجُلُوسَ بِكُلِّ رِفقٍ ... وَتَمسَحُ دَمعَتِي عَطفًا وَكَشطَا 


6 ـ تُعَلِّمُنِي القِرَاءَةَ كُلَّ يَومٍ ... تُزِيلُ تَلَعثُمِي نُطقًا وَخَلطَا 


7 ـ تُعَلِّمُنِي الكِتَابَةَ كُلَّ يَومٍ ... بِمَسكِ يَدَيَّ تَليِينًا وَضَغطَا 


8 ـ وَفِي كُلٍّ تُشَجِّعُنِي بِوُدٍّ ... وَكِلمَاتٍ حَوَت شُكرًا وَنَقطَا 


9 ـ تُعَلِّمُنِي الفُنُونَ فُنُونَ رَسمٍ ... وَأَنشِطَةٍ وَخَطٍّ رَاقَ ضَبطَا 


10 ـ تُعَلِّمُنِي الرُّسُومَ بِكُلِّ لَونٍ ... وَصُنعَ مُجَسَّمَاتٍ، الخَطوُ يُمطَى 


11 ـ تُعَلِّمُنِي الحِسَابَ بِكُلِّ صَبرٍ ... فَلَا أَخشَى بِهِ عَوَزًا وَقَحطَا 


12 ـ وَأَرقَامًا تُعَلِّمُنِي لِعَشرٍ ... رُسُومًا زَادَهَا عَدًّا وَنَشطَا 


13 ـ بِجَمعٍ ثُمَّ طَرحٍ ثُمَّ ضَربٍ ... وَتَقسِيمٍ رَعَى قَرضًا وَشَرطَا 


14 ـ تُحَفِّظُنِي مِنَ القُرآنِ قَدرًا ... وَمِن تَفسِيرِهِ يُسرًا وَقِسطَا 


15 ـ وَأَقوَالَ النَّبِيِّ وَسِيرَةً فِي ... سُطُورٍ وَاقتِدَائِي فِيهِ أَخطَى 


16 ـ وَسِيرَةَ صَحبِهِ وَالآلِ قَصرًا ... وَأَتبَاعٍ لَهُ فَالذُخرُ أَنطَى 


17 ـ تُحَفِّظُنِي النَّشِيدَ وَبَعضَ شِعرٍ ... وَأَمثَالِ الأَوَائِلِ بِالمُوَطَّا 


18 ـ تُلَاعِبُنِي كَنَجلٍ أَو حَفِيدٍ ... بِعَطفٍ ظَاهِرٍ، أَو كُنتُ سِبطَا 


19 ـ تُوَجِّهُنِي وَتَنصَحُنِي لِسَانًا ... تُؤَدِّبُنِي العَصَا خَوفًا وَخَبطَا 


20 ـ فَيَبتَلِعُ اللُّعَابَ فَمِي بِخَوفِي ... مِنَ التَّقصِيرِ بَلعًا زَادَ شَفطَا 


21 ـ إِذَا خَرَجَت مُعَلِّمَتِي بِحَيِّي ... وَلَجتُ تَدَارِيًا بَيتِي وَوَخطَا 


22 ـ إِلَى أَن يَأتِنِي خَبَرٌ أَكِيدٌ ... فَأَخرُجُ لِلحِمَى جَريًا وَنَطَّا 


23 ـ وَخَوفِي أَن تَرَانِي حِينَ أَلهُو ... وَمِنهَا أَرتَوِي غَضَبًا وَسُخطَا 


24 ـ وَبَعدَ تَفَرُّغِي مِن وَاجِبَاتِي ... أُلَاعِبُ إِخوَتِي جَريًا وَنَطَّا 


25 ـ تُعَلِّمُنِي النَّظَافَةَ قَبلَ دَرسِي ... بِقَصِّ أَظَافِرِي وَالشَّعرِ قَطَّا 


26 ـ بِغَسلِ يَدَيَّ قَبلَ وَبَعدَ أَكلِي ... وَجِسمِي ثُمَّ لِبسِي، الطُهرُ غَطَّى 


27 ـ تُعَلِّمُنِي الشَّهَادَةَ دُونَ شِركٍ ... وَتَوحِيدًا لِرَبِّي كَانَ شَرطَا 


28 ـ تُعَلِّمُنِي الوُضُوءَ بِهِ أُصَلِّي ... وَزِيدَ تَيَمُّمٌ طُهرًا وَغِبطَا 


29 ـ تُعَلِّمُنِي الصَّلَاةَ وَبِرَّ أُمِّي ... وَبِرَّ أَبِي وَإِحسَانًا وَبَسطَا 


30 ـ تُعَلِّمُنِي الزَّكَاةَ بِهِ أُزَكِّي ... صِيَامِي ثُمَّ مَالِي رَامَ قِسطَا 


31 ـ تُعَلِّمُنِي الصِّيَامَ وَكُلَّ فَرضٍ ... وَسُنَّةَ أَحمَدِ الهَادِي وَوَسطَا 


32 ـ تُعَلِّمُنِي اعتِمَارًا ثُمَّ حَجًّا ... لِبَيتِ اللهِ أَمشِي حِينَ أُعطَى 


33 ـ تُعَلِّمُنِي احتِرَامَ كَبِيرِ سِنٍّ ... وَمَدَّ العَونِ مُحتَاجًا وَسَمطَا 


34 ـ تُعَلِّمُنِي الحِوَارَ بِغَيرِ مَكرٍ ... بِحِكمَتِهَا رَوَت حَلًّا وَرَبطَا 


35 ـ وَمِن أَدَبِ المَجَالِسِ اُستَقَى مِن ... جُلُوسٍ مِن حَدِيثٍ رَاقَ بَسطَا 


36 ـ وَمِن أَدَبِ الطَّرِيقِ عَنَت جُلُوسِي ... بِكَشطِ أَذِيَّتِي لِلنَّاسِ كَشطَا 


37 ـ تُعَلِّمُنِي حُقُوقَ الجَارِ فَضلًا ... بِحُسنِ جِوَارِهِ الخَيرَاتُ تُعطَى 


38 ـ تُحَذِّرُنِي النَّمِيمَةَ مِن لِسَانِي ... وَفِي أُذُنِي وَمِن بَهتٍ مُغَطَّى 


39 ـ وَسُخرِيَةً وَمِن كَلِمَاتِ لَغوٍ ... وَكِذبًا وَالتَّنَابُزَ شَانَ سَقطَا 


40 ـ وَقَذفَ المُحصَنَاتِ وَكُلَّ رِيبٍ ... وَحِلفًا بَاطِلًا فَالتَّركُ أَسطَى 


41 ـ وَمِن سُحتٍ وَتَغشِيشٍ وسُكرٍ ... وَسِحرٍ وَالأَذَى؛ فَالظُّلمُ أَمطَى 


42 ـ وَتَرشُدُنِي إِلَى مَا فِيهِ خَيرِي ... إِلَى تَركِ المَعَاصِي، الكَفُّ أَرطَى 


43 ـ تُوَجِهُنِي لِوَصلِ الأَهلِ رُحمًا ... بِعَودٍ أَو بِمَالٍ حِينَ أُعطَى 


44 ـ وَفِعلِ الخَيرِ دُونَ الشَّرِّ دَومًا ... وَأَصحَابِ الهَوَى تَركًا وَشَطَّا 


45 ـ تُذَكِّرُنِي بِقُربِ الخَيرِ دَومًا ... فَفِعلُهُ قَد شَذَا مِسكًا وَخَمطَا 


46 ـ تُذَكِّرُنِي بِبُعدِ الشَّرِّ دَومًا ... فَفِعلُهُ قَد شَذَى عَفَنًا وَسَقطَا 


47 ـ وَتَزرَعُ دَائِمًا فِي جُعبَتِي مِن ... خِصَالِ الخَيرِ رَاقَ الجَنيُ غُبطَا 


48 ـ مُعَلِّمَتِي لَهَا عَمَلٌ مُجِدٌّ ... وَجُهدٌ حَادَ تَفرِيطًا وَفَرطَا 


49 ـ وَتَمنَحُنِي الجَوَائِزَ وَالهَدَايَا ... لِجِدِّي وَاجتِهَادٍ حَازَ غِبطَا 


50 ـ لَأَشكُوَّنَّهَا لِلهِ دَومًا ... تُعَلِّمُنِي خِصَالَ الخَيرِ بَسطَا 


51  يُجَازِيهَا جِنَانَ الخُلدِ حَصرًا ... بِمَا صَنَعَت لَنَا أَكلًا وَسُمطَا 


52 ـ وَفَتَّحَتِ العُقُولَ بِمَكرُمَاتٍ ... وَنَوَّرَتِ الدُّجَى ضُوءًا وَخَمطَا 


53 ـ وَأَنشَأَتِ العُقُولَ بِكُلِّ حَزمٍ ... بِأَخلَاقٍ وَعِلمٍ مِنهُ أُعطَى 


54 ـ وَغَسَّلَتِ النُّفُوسَ بِمَاءِ طُهرٍ ... وَمِن أَدرَانِهَا نَتفًا وَمَرطَا 


55 ـ جَزَى رَبِّي مُعَلِّمَتِي رِيَاضًا ... بِفِردَوسٍ وَأَخيَارًا وَقُرطَا 


56 ـ وَكُلَّ مُعَلِّمِيَّ لَهُم رِيَاضًا ... بِفِردَوسٍ وَأَخيَارًا وَرَهطَا 


57 ـ لِسَانِي دَائِمًا يَدعُو بِخَيرٍ ... لَهُم بِصَلَاتِهِ حَقًّا وَقِسطَا 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محمد جعيجع من الجزائر ـ 01 فيفري 2026م



دمعة على خد الوطن: رحلة-عائشة*-من الجرح..إلى البذرة. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 دمعة على خد الوطن: رحلة-عائشة*-من الجرح..إلى البذرة

في رحاب القلب الذي يعصر ألما،وتحت سماء النفس التي تحمل جراح الأمل،تقف الذات الإنسانية في مواجهة قدرها المثقل بالفقد.إنها رحلة الروح التي يمزقها فراق الأحبة،وتتهاوى تحت ثقل الذكريات،لكنها مع ذلك ترفض أن تنكسر.

ها هنا،في مسيرة عاشقة لوطن تنزف،نستلهم من الألم معنى للصمود،ومن الدمع حكاية للبقاء.ففي عينيها غصة التاريخ،وفي قلبها نبض الأرض،تسير بخطى ثابتة على درب شائك،تحمل رسالة الجرح والأمل معا.

القلوب-يا عائشة-التي تحمل في أعماقها صدق الإيمان،والعزائم التي تصنع من الألم مدرسة للصمود،هي التي تخلد في سجل التاريخ صفحات ناصعة البياض.لقد اجتزتِ محطات من الفقدان لا يقوى على حملها إلا النبلاء،وشهدتِ رحيل الوالد في مشهدٍ دراماتيكي يحز شغاف القلب،والأخ تلو الأخ،في مسيرة كُتبت بمداد من الألم والعزيمة.فدمعة تنساب من عينيك ليست ضعفا،بل هي شهادة على عمق الروابط التي لا تنقطع برحيل الأجساد.

لا تقولي إن الدنيا ضاقت،فالأرض تتسع لمن يسير عليها برأسٍ مرفوع،والتاريخُ يسجل بمداد من نور خطى من يقفون في وجه العواصف.لقد رأيتِ بعينيك-يا عائشة-كيف أن الخيانة لا مكان لها إلا في ظلام النسيان،وكيف أن المُستقويين بالأجنبي يصنعون لأنفسهم مقاعد على مزبلة التاريخ.

تذكري-يا عائشة-أن النضال الحقيقي ليس في طول العمر، بل في صدق المسيرة.فأحفاد عمر المختار،أولئك الرجال الأشداء الذين يكتبون بدمائهم فصول التحرير،هم امتداد لجذور أصلية لا تقبل الانكسار.

إن درب النضال من أجل ليبيا موحدة مستقرة هو درب شائك،لكنه الطريق الوحيد الذي يليق بأبناء الصحراء الأبية.فلتكوني كالنخلة تعلو بارتفاعها ولا تنحني إلا للخالق.والدماء الطاهرة التي سالت-يا عائشة-لن تذهب هدرا،فالبذرة التي تسقط في تراب الوطن لابد أن تنبت شجرة حرية.

تقبلي تحيات إخوة لك في الوطن والإنسانية، يشاركونك الألمَ ولكنهم يشاركونك أيضا يقين النصر القادم،لأن الحقَ أبلج والباطل لجلج، وسيأتي يوم تشرق فيه شمس الحرية على كل شبر من أرض ليبيا الحبيبة.

ولن تنكسر النخلة التي تسقى بدماء الشهداء،فهي تحمل في ساقها الصلبة حكاية الألم،وفي ثمارها الناضجة وعد الحرية.دمعةٌ تزرع،وشمسٌ تشرق.. وليبيا باقية،وستتهودج في ثوب جديد..

لست أحلم لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات الآفاقين ومحترفي القتل وقطع الرقاب.. 


محمد المحسن

*المقصود : عائشة كريمة الزعيم الراحل معمر القذافي



*((ليلى أعذريني..))* بقلم الشاعر //هادي مسلم الهداد//

 *((ليلى أعذريني..))*

===== *** =====

   لستُ قيسُ .. إنّما

ذكرُ العراق لديّ مُحبّبا

     يقولونَ ليلى في

    ..العراق مَريضةً

نَاجيتَ ياقيسُ العراقَ برقّةٍ

لكنّما ذاك الّذي تَرجوهُ 

    .. أمسى مُتعَبا !

 أضحىٰ المريضُ طَبيبَنا 

 ..عَهداً سقيماً سالبا !

والحبُّ فيهِ مُقعّراً ومُحدَّبا

فاسرِ بليلكَ سَاهداً ومُعاتبا

         .. ياعَاشِقاً

   ماكنتَ وحدكَ عَاشِقا

نَحنُ نَحبُّ ..كذلكَ نَعشَقا 

     فَاجعلْ دعاءكَ للإله   

    مع الدّموعِ.. سَواكبا   

     نالَ المَشيبُ رؤسنا

والحبُّ وشمٌ للحبيبِ مواكبا

  إن جَاء ذكرٌ للعراق ..قُلنا

.. هذَاالعريقُ فَأهلاً ثُمَّ أهلاً

    .. بالحبيبِ و مرحبا ! 

.. بقلم

  //هادي مسلم الهداد//



أنت خياري /محمد علي حسين أحمد القهوجي العراق الموصل

 أنت خياري /محمد علي حسين أحمد القهوجي العراق الموصل بقلمي 


خذي ماتشائين مني

نظراتي أو همساتي

أو حتى روحي

فيها نبضات ساعاتي

لملمي كل شيء مني

أحرقيه أو أزرعيه

أو حتى في البحر ألقيه

أو أجعليه حلماً

تحت وسادتي

أو حتى اسيراً

وراء القضبان ينادي

متى حريتي

متى تنتهي حكاياتي

أدفنيني تحت التراب

وأكتبي فوق قبري

مات شهيداً

من كثرة الأهاتي 

فقط دعي حبك

في أحشائي

وفي قلبي ياسمين

مكتوبا فوق زهراتي

كيف لي الوصول

وانا مكبل بأشعاري

أتنفس عطرك عبر المدى

اتجرعه قطرة فقطرة

لا أرغب أن أموت 

وأكسر قلم أفكاري 

في كل لحظة حلم

أنت بجانبي تتذوقين

قبلاتي وتحضنين

 حتى خيالي

يرغبون بقتلي عمداً 

يقولون من هذه تحب

هي في الأفلاك تسبح

وانت في جوف محارِ

لايهم سهامهم في صدري

انت عنواني أنت خياري


محمد علي حسين أحمد القهوجي العراق الموصل بقلمي



IUBIRE ÎN PLINĂ IARNĂ // NAE CRISTIAN

 IUBIRE ÎN PLINĂ IARNĂ


A nins și ieri și azi și va mai ninge,

Dar când iubești inima îți frige.

Nu-ți pasă că e ger sau promoroacă,

Iubirea-ncepe-n tine să răscoacă.


Eu! El! Și fulgii care cad din cer,

Dansăm nepăsători, de aprig ger.

Ca-ntr-o poveste veche fermecată,

Cu albul pur fără nici pic de pată.


Dansăm de ore bune prin nămeți,

Printre frumoșii brazi verzi și semeți.

Eu o prințesă, el un Făt-Frumos,

Prin stratul de zăpadă rece, gros.


Parcă iubirea naște din zăpadă,

Doar pentru cine are ochi să vadă.

Iubire curată ce nu se pierde-n timp,

Apare pretutindeni, în orice anotimp.


NAE CRISTIAN

BUDEȘTI 30 01 2026




من الـخَضْـرَاءِ إلى"الطَّبَاقَـهْ والخَـضْـرَاءِ" بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف ... (تونس)

 من الـخَضْـرَاءِ إلى"الطَّبَاقَـهْ والخَـضْـرَاءِ"

(من ذكرياتي أثناء إعارة في بَلد عربي)

حَلَلْتُ مِن "قـرطاج" بالـخَضْـرَاءِ

بِمَعْـهَـدِ "الطَّـبَاقَـهْ و الخَـضْــرَاءِ"

فاسْتَقْبَلـتْنِي ، فَـرَحًـا بِمَـقْدَمِي،

جَحَـافِـلُ البَـعُــوضِ بالـغِـنَــــاءِ

بَاتَـتْ لِـلَيْلٍ كَامِلٍ تُـسْمِعُـــنِـي

مَـزَامِـرًا في قِـمَّـةِ "الـبَـهَــاءِ"

و وَقَـفَتْ، لَعَلَّهَـا، لِـمَقْدَمِي

جِبَـالُهَا السَّـوْدَاءُ في الخَـلَاءِ

تُـحِيـطُ بِي، حَافِظَةً لِضَيْفِـهَا

مِنْ عَـارِضِ الهُمُـومِ والـبَـلَاءِ

وزَادَتِ الـطَّبِـيـعَـةُ خَـنَـادِقًا

مُعْـظَـمُهـَا مَـغْـمُـورَةٌ بِـمَــــاءِ

وهَـبَّت العَـقَارِبُ سَـرِيعَـةً

مِن أبْـعَـدِ الأَنْحَاءِ والأرْجَاءِ

تُـشِـعُّ مِن زُبَـانِــهَـا لَافِـتَـةٌ: 

يَا مَـرْحَبًـا بِقَـادِمِ "الخَضْـرَاءِ"

و"الغُولُ" (*) هَبَّ في الدُّجَى مُسْتَنْكِرًا

إزْعَـاجَ صَوْتِ ضِـفْـدَعٍ في المَـاءِ

مَا أكْـرَمَ "الغِيلَانَ" فِي "طَبَاقَةٍ"

تَـزُورُنِـي في الصُّبْــحِ و المَـسَاءِ

حَتّى المِيَـاهُ ، في "العُيُونِ" لُوِّنَتْ

بِأحْـمَرٍ و أَخْـضَـرِ الــرِّدَاءِ

والسَّمَكُ ،فِيـهِ ،بَدَتْ أفْوَاجُهُ

تَزُورُنِي، في مَسْكِني، في الـمَاءِ

إنِّـي نَسِيـتُ بَسْمَةَ"الـخَضْـرَاءِ"

في غَـمْـرَةِ التَّرْحِيـبِ في "الخَضْرَاء"ِ.

(*): الغـول: هو الثّعبان عند العُمانيّين.

حمدان حمّودة الوصيّف ... (تونس)

خواطر : ديوان الجدّ والهزل



ليكن ما يكن بقلم الشاعر مطير العوني

 ليكن ما يكن

----@-----

سلام علينا، سلام

حين تجمعنا وحشة

ويشتّتنا الزّحام،

وحين نمضي إلى حتفنا طوعا

 ونحسب أنّا نيام

وعلينا ان نَعِدَ العدوّ بالولاء

 فوالينا وراعينا ذئب

ونحن أغنام

شيمتنا الصّبر، مذ خلقنا 

والصّبر حبيبنا وطبيبنا

وعليه تحسدنا

تماثيل وأصنام

خطواتنا محمودة

إن مشينا وراء الرّكب راضين

والسّكوت، نظام

ومذمومة خطانا

إن أثارت غبارا

والسّؤال حرام.


سلام علينا، سلام

بقدر ما ألفنا رماحا

وأخطأتنا سهام

بقدر ما تخفّت علل

وحفّ بنا السّقام


ليكن ما يكن،

لم نرجُ الخلاص من الحياة،

ولم نصرخ متى منها الفطام.


ليكن ما يكن،

قد يلمع في الضّوء رخام

ولكن قبل صقل كم ضاع منه

 وكم ضمّ الرّكام،


ليكن ما يكن،

ليعمّ ظلم ويشتدّ ظلامُ 

لتموت عبارة بين الشّفاه،

ليجفّ في الحلق كلام،


ليكن ما يكن،

لتلحقنا الذنوب

وتتبعها الآثام،

تشهد الأغلال والزنازين

والأنام:

نحن وذاك النّظام،

نحن وهذا النّظام

لم تكن بيننا يوما

مودّة ووئام.


----@-----


مطير العوني

4 فيفري 2026

.ياصاحبي بقلم الشاعرمفتاح اللافى من ليبيا

 .....ياصاحبي.......

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك ... المرض لخبطلك جميع حياتك

...

ياصاحبى خلى اتكالك ديمة ... على خالقك واسعى ودير عزيمة

واصبر على ماجاك هذى غنيمة ... تكفر عليك اذنوب مهما جاتك

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك

...

يــــــــاصاحبى ماتزعــــــل ... ومايوم تقنـــط والشفـــا تتعجل

منه الداء ومنه الشفاء تمهل ... ادعى وصلى واغتنمها اوقاتك

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك

...

كـــــــون ديمـــــــــــة صابر... استغفر لذنبك ومالحــد اتكــــــابر

تواضع وكون فخدمتك مثابر ... واحمد المولى وماتفوت صلاتك

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك

...

نــــــــــدعى الله يشفيــــــــك ... ولعويلـــــتك بريــــــان بيخليــــك

ياصاحبى راضيه بيراضيك ... ويجعل طريق الخير فى خطواتك

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك

...

ياصاحبى نا حاس بمعاناتك ... المرض لخبطلك جميع حياتك


بقلمى الشاعرمفتاح اللافى من ليبيا



الروائي التونسي نزار شقرون يفوز بجائزة نجيب محفوظ الأولى عن روايته "أيام الفاطمي المقتول". بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الروائي التونسي نزار شقرون يفوز بجائزة نجيب محفوظ الأولى عن روايته "أيام الفاطمي المقتول"

فاز الكاتب والجامعي التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، والتي أُطلقت خلال فعاليات الدورة 57 لمعرض القairo الدولي للكتاب (21 جانفي-3 فيفري 2026).وقد مُنحت الجائزة لروايته "أيام الفاطمي المقتول" الصادرة عام 2025،والتي كانت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2026.

هذا،وقررت لجنة التحكيم منح الجائزة للرواية لما تمثله من "مغامرة جمالية" تعالج إشكالية الهوية وتعقيداتها في الفضاء العربي الحديث،عبر سرد يستحضر الماضي ويواجه تحديات الواقع.وتقدم الرواية رواية استشرافية تبدأ عام 2030،تتبع فيها روح الشخصية الرئيسية "مختار الفاطمي" جثته المحنطة التي تُستخرج للتشريح،في رحلة بين تونس ومصر تستحضر تاريخ أجداده الفاطميين.

يذكر أن نزار شقرون (مواليد 1970) له أكثر من عشرين مؤلفا بين الشعر والرواية والنقد والترجمة،وحصل على عدة جوائز سابقة منها الجائزة الوطنية للشعر في تونس.

تمثل هذه الجائزة إضافة نوعية للمشهد الأدبي العربي من عدة زوايا.أولا،فهي تؤسس لتقليد جديد يحمل اسم رمز روائي عربي خالد هو نجيب محفوظ،مما يعمق ارتباط الأجيال الجديدة بإرثه السردي العريق.ثانيا،تكريم رواية مثل "أيام الفاطمي المقتول" التي تدمج بين التاريخي والاستشرافي،يؤكد على قدرة الرواية العربية المعاصرة على تجاوز الأطر التقليدية وابتكار أشكال سردية تجريبية تلامس هموم الهوية والزمن. 

وأخيراً،يأتي التتويج في معرض القاهرة الدولي للكتاب،وهو أكبر تجمع ثقافي عربي،مما يضاعف من صداه ويعيد التأكيد على دور المعارض كمحطات أساسية لاكتشاف المواهب وتعزيز الحوار الأدبي بين الأقطار العربية. 

هذا الفوز ليس تتويجا لمشروع كاتب واحد فحسب،بل هو اعتراف بتجارب سردية عربية تجتهد في تقديم رؤى معقدة وجريئة لتاريخ المنطقة ومستقبلها.


متابعة محمد المحسن



وحدها إمرأة تدرك سر حزني..وتعرف معنى البكاء..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 وحدها إمرأة تدرك سر حزني..وتعرف معنى البكاء..!

الإهداء:إلى إمرأة كساها حنيني..إلى إمرأة أضمّ كلّ من أحببتهم فيها


تصدير :

أكتب من قاع الوحدة،من ذلك الجبّ المظلم حيث لا حبل يصل ولا صوت يُسمع.أبحث في غربتي عن يد ترد الهديل إلى شرفتي الذابلة،وعن نفس تعيد العطر إلى الأماكن التي فقدت رائحتي. أستجدي الطير العابر كأنه رسالة من عالم آخر، وأنا هنا،بلا إخوة،بلا شيء..إلا هذا القلب العظيم في عشقه،وهذا الإيمان الوحيد بأن هناك،في البعيد،امرأة وحدها تعرف سرّ بكائي،وتعلم كيف تشعل الليل في أعماقي.إنها رحلتي الأليمة والأجمل: رحلة استجداء الضوء حتى آخر رمق، وانتظار ذلك البكاء الرحيم الذي سيصحو به الروح،فنتدفأ معا في عزّ الشتاء.


من يؤثّث عواصمَ غربتي

ويعيد الهديلَ إلى شرفة في القلب

ضيّعت عطرَها..

من تراه يسكب الضوءَ على جثتي

           أو يردّ ما خرّب الدهر..فيَّ

وحيد أنا..

كما يوسف في الجبّ

          أرنو إلى حبل وجد تدلّى

إليَّ

وأستجدي الطير،وهو يطير

عساه يحوم فوق

يديَّ

       لا إخوة لي..

   ولا شيء لديَّ

                   غير أني عظيم

كأنّي الأعظم الآن في العشق

أرى أن أكفَّ عن الحزن..

     وأرحل في إتجاه البعيد

هي الحبيبة 

تعرف معنى ختمار القصيد

         وسرّ اعتمال النشيد

في غيمة للمساء

وحدها إمرأة تشعل الليل..فيَّ

وتعرف..

معنى البكاء

          فتبكي قليلا عليَّ

 كأن يرأف اللّه من أجلنا

فتصحو الرّوح من غفوة الحلم

ونحتفي بالدفء

                       في عز الشتاء..


محمد المحسن


*صورة الحسناء..تعبيرية فقط.



نحن الحكاية بقلم الأديبة زهراء كشان

 نحن الحكاية

نحن الحكايةحين تُروى

نحن البدايةوالمُنى

نحن الصغار إذا حلمنا

كبر الفضاء بنا

نزرع السؤال إذا سألنا

فينمو الجواب في خواطرنا

لا تطفئوا حلم الطفولة

دعوه يعبق في آمالنا

فالعالم الواسع يبدأُ

من قلب طفل حالما

نحن السلام إذا ابتسمنا

نحن الرجاء إذا تعب

نرسم غدا من لون فجر

ومن دعاء قد كُتِب

نمشي على درب الحروف

فنوقظ الحلم الظليل

ونقول: نحن هنا… 

فيزهر الدرب الجميل .

بقلمي زهراء كشان



من أنا بقلم الكاتبة هند حسن

 من أنا 


انا !! لم اعد اعرفني وكأني لست انا ....

لم اعد اشدو لحن البقاء 

لم اعد اتقن فن الغناء 

لم اتعرف على ملامحي التي شابت 

من وهن الشقاء ...

شبت فجأة  وكان الحياة  كانت تنتظرني 

حتى تمارس علي طقوس الفناء 

حتى يداي صارت ترتجف وترتعد 

حين اذكرني وانا اعزف انشودة الوفاء ......

ااااه والف ااه وااه حين تذروني رياح  الموت  ولم اطل  البقاء 

اااه على دنيا لم تعد تستهويني  ملذاتها 

فكل ما عشته كان هراء 

ااه على دنيا عشت فيها مكبلة 

فلا الايام تنصفني 

 ولا خل احتمي فيه من طول الرجاء 

ليت شيبي لم يدم طويلا 

فيعود شبابي  حين تلحفني نسمات الوفاء .....

هند حسن



عن النقد والضمير: بين الرسالة النبيلة..ودكاكين الأجور..!

 عن النقد والضمير: بين الرسالة النبيلة..ودكاكين الأجور..!

لا أجانب الصواب إذا قلت أن النقد،في جوهره الأصيل،ليس مجرد تفريغ لمشاعر ذاتية أو تسجيل لانطباعات عابرة،بل هو مسؤولية ضميرية جليلة والتزام أخلاقي رفيع.إنه رسالة نبيلة يحملها الناقد مثل شعلة تنير النصوص،وتكشف عن طبقاتها الخفية،وتقيم جسرا بين العمل والمتلقي.هذه الرسالة تقوم على مبادئ راسخة يعتنقها الناقد بنبل وإخلاص،حيث تكون الغاية هي الحقيقة الجمالية والفكرية،لا الاستعراض أو التسقيط.فهو يبني حكمه على أسس منهجية ومعرفة عميقة،مقدما قراءة تثري النص وتفتح آفاقا جديدة لفهمه.

في هذا المسار الوعر،كثيرا ما يصطدم الناقد الجاد بحملات أولئك الذين حوّلوا النقد إلى مهنة للتشهير الرخيص، "حفاة الضمير" الذين يدأبون على رمي التهم جزافا،ويستنقصون من قيمة كل من يخالفهم الرأي،بمعزل عن حقيقة تكوينه العلمي وجديّة إنتاجه.إن التجني على أي جهد نقدي مخلص،ووصفه بعمالة الأجر،أو الادعاء باختلاس الأفكار،هو ليس خطأ في التقدير فحسب،بل هو عنوان عريض للوقاحة وانحطاط الأخلاق الفكرية.فالناقد الحقيقي يحمل في يد سنداد علمه الذي اكتسبه من أعرق الجامعات،وفي اليد الأخرى ترتفع درع العفة الأخلاقية والاستقلالية الفكرية.هو مسؤول عن مقارباته، واثق من مسيرته التي شهدت منابر العلم من بغداد إلى دمشق مرورا ببيروت،مؤمنا بأن الأفكار الرصينة،كالباذنجانة المليئة بالبذور،تتحمل صقيع التهم البائسة وتنمو رغمها.

أما أولئك الذين يحولون النقد إلى "دكاكين" مدفوعة الأجر،هدفها الإساءة والابتزاز تحت غطاء التقييم،فإنهم لا يسيئون إلى أفراد فحسب،بل يسممون بئر الثقافة الجماعي.إنهم يمارسون الصيد في الماء العكر،محاولين تعويض نقص فادح في تكوينهم الأخلاقي والمعرفي،مستهدفين الكبير والصغير دون تمييز،وغايتهم الوحيدة هي تضخيم الذات عبر تحطيم الآخرين.وهم بفعلتهم هذه،تتبرأ منهم أوطانهم العظيمة،وتنبذهم الأوساط الفكرية الجادة التي تعرف أن النقد سلاح ذو حدين،يمكن أن يبني بحكمة ويمكن أن يدمر بغباء.

على سبيل الخاتمة: 

نحو نقد أدبي بنّاء: هدم الأنا..وإعلاء النص :


لا يمكن لمستقبل ثقافتنا أن يُبنى إلا على أنقاض النرجسية المميتة والمقيتة التي تتلبس بعض من يمارسون النقد.فالنقد البناء،الحقيقي،هو ذلك الذي يضع النص في القلب،لا الأنا.وهو عملية تواضع فكري يجلس فيها الناقد أمام العمل كتلميذ شغوف أولا،قبل أن يقوم بدوره كقارئ متمرس وكاشف ثانياً.غايته ليست إثبات تفوقه الذهني،بل سبر أغوار التجربة الإبداعية وتقريبها من الجمهور، وتقديم رؤية تضيف للمعارف والذائقة.

هذا النقد يتطلب نكران الذات إلى حد كبير، وقدرة على التمييز بين الشخص والفكرة،وبين الهجوم والتحليل.إنه يدرك أن قوته مستمدة من صدقه ومنهجيته،لا من حدة لسانه أو قدرته على الإيذاء.إنه نور يسعى لكشف الجمال والقوة حتى في الأعمال التي يختلف معها،ويعترف بالهفوات والثغرات بنزاهة الباحث لا بطغيان الخصم.وعندما يتحرر النقد من أدران الحسد والانتقام والصراعات الشخصية،وعندما تتقلص الأنا لتحتل مساحة أكبر للحقيقة والفن،عندها فقط يصبح النقد رسالة نبيلة حقا،وركيزة من ركائز التقدم الحضاري،وساحة للتنافس الشريف على خدمة الفكر والإبداع،لا على تحطيم الأشخاص والمساس بسمعتهم الأدبية والثقافية.فليكن نقدنا شجرة مثمرة،ظلها ممدود للنص والقارئ معا،وليكن جذرها العميق هو الأخلاق،وساقها المتينة هي المعرفة،وثمرها الناضج هو الفهم والإثراء.

هكذا يتبين لنا،بكل جلاء،أن المعركة الحقيقية ليست بين الآراء،بل بين المنهجيات،وليست بين الحرية والنقد،بل بين المسؤولية والفوضى.فالنقد الأدبي الأكاديمي الصارم ليس ترفا فكريا،بل هو سياج الحضارة الذي يحمي العقل الجمعي من الانزياح والعبث.إنه القلعة التي تحرس تراث الفكر والإبداع من غزوات المتسلقين،وأولئك "المأجورين" الذين حوّلوا ساحة الفكر إلى سوق للمزايدات الرخيصة،ومسرحا للانتقام الشخصي وتصفية الحسابات تحت عباءة "الحرية النقدية".

إن ما يمارسه هؤلاء في فضاءات التواصل العابر ليس نقاشا،بل تشويها مقصودا،ليس حوارا،بل قذفا بالاتهامات الجاهزة،ليس بحثا عن الحقيقة، بل إعلانا عن إفلاس أخلاقي ومعرفي.وهم يقفون في الظل،يرمون الحجارة على كل من تسلّق بجهده وجديته منابر العلم،من امتلك الشجاعة لخوض غمار البحث الأكاديمي الشاق في أعرق الجامعات العربية والعالمية،وترك إرثا من الكتب والبحوث التي تُدرَّس وتُناقش،لا التي تُسقط بالسباب في تعليق سريع.

إن الناقد الأكاديمي الجاد هو حارس للذاكرة الثقافية ومهندس للمستقبل الفكري.وعمله ثمرة سهر وسنين وتفان،مبني على مراجعة الأقران والتمحيص والاحتكام إلى المنهج.أما "ناقد" الفيسبوك المأجور،فعمله ثمرة حقد وانتهازية، مبني على الإثارة والاصطفاف الأعمى،وهدفه الوحيد هو تحويل الثقافة إلى مشهد دُمى،يحرك خيوطها بأجندات ضيقة.

لذلك،فإن تمجيد النقد الأكاديمي الصارم ليس دفاعا عن فئة ضد أخرى،بل هو دفاع عن مفهوم "المعرفة" نفسها.دفاع عن فكرة أن للحقيقة ثمنا، وأن للعمق وزنا،وأن للجدية قيمة لا تقارعها صخب الصَّغار.إنه إعلاء لصوت العقل المؤسسي المنظم على همس الموالين والمأجورين في الظلام.

فليستمر أولئك الحفاة من الفكر في عربدتهم الافتراضية،فتاريخ الثقافة لا يسجله من يصنع الضجيج،بل من يبني الصروح.وتظل بصمة الباحث الجاد،الذي خاض غمار المكتبات والمحافل العلمية،محفورة في جدار العطاء الحقيقي.أما أولئك،فسيذهبون مع رياح التّيار،لا يتركون وراءهم سوى غبار الكلمات الفارغة وصدى الإساءات البالية.فالشمس لا تحجبها غربال.

والحقيقة لا تطمسها ضوضاء.وحدها الأعمال الراسخة هي التي تشق الظلام،كسفينة نوح تجتاز طوفان النسيان،حاملة بذرة المستقبل في جوفها. في النهاية،يبقى من يغوص في أعماق المعرفة ليستخرج اللآلئ،لا من يركب الأمواج السطحية ليلفت الأنظار.والثقافة الحقيقية هي التي تُبنى بلبنات الصبر والإخلاص،فتصير قلعة تحمي الإنسانية من برد الجهل ورياح العدمية..

وأرجو أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح..عبر الأبيض المتوسط،ووصولا إلى ضفاف النيل..فيتلقفها،ذاك الذي لا يقرأ من البحر،سوى سطحه الأزرق المتموج..!


محمد المحسن



الثلاثاء، 3 فبراير 2026

¤ ملهاة ماء و نار شعر: جلال باباي( تونس)

 ¤ ملهاة ماء و نار

     

         ¤ شعر: جلال باباي( تونس)


ثمٌة موقد عند مفترق السرير

يداعب جمره غبار أطرافي النائمة

شُلٌت أصابع اللغة

و تيبٌست أنامل يمناي

هنا و الآن.. تمادى حطب الذاكرة

إلى حدود نصفي المنكسر

 يخترق خُلوَتِي 

لتكتبني الوردة الباقية

ملهاة ماء و نار .


              ▪︎ شتاء ٢٠٢٦



الاثنين، 2 فبراير 2026

صفعة بقلم الشاعرة الفنانة ليلى_السليطي

 صفعة 

مدت يد السائلين السابحين مدى 

هل يؤسر الطيف لو ما صفع اليدا..؟

هبت جوارحها كالنار فاحترقت

والحب في ظل مستوقده غدا...

شابت تضاريس من يهوى بلا أمل

سيف التجاعيد لو في غمده جُردا ..

فلتنهر الماء إن لم تستطع غرقا 

في صفحة العُري أو أن تستحيل رِدا 

ما الماء إلا كما الأحبار نرسلها 

من غيمة الحزن أو من خيبتنا ندا ...

لا يشتهي الحبرُ إلا نبضَ عاشقة

تنڜئه نجما إذا ما استحضر الأمدا ...

لن أُنفق الحبرَ كي أنجي به  الأسرى 

أضواء قافيتي أهدت له الرمدا...

فالنور ُ مستعرٌ و الليل يربكه

هل ينفع النور من في نبضه أحدا 

هل تكسر الشمس ليلا بات مبتهلا

للبيت وحيٌ إذا ما استلهم العضُدا 

نم في تراب المنى ما دمت مغتربا

عن سدرة الشوق مذ حرمته أبدا 

يا من تغالى متى أرياحُنا هُزمت

إعصار حبّكَ في ظلمائه اتحدا....!

....


ليلى_السليطي



لا سمع ولا طاعة بقلم الشاعر محمد علقم

 لا سمع ولا طاعة


.....................


ظــمـئــتُ وأنــت الـنـهــر والـنـبـــع


وجعـتُ وأنت خبز لمن ألـمّ به جوع


بـلاد الـخـيــر كنــت للــورى كلهــم


حـلّ بك الخراب وجـفّ فيـك الزرع


بــلادي والقــــدس تـــاج جـبينـهــــا


بها الغربان تحلـق وسيـطـر الضبـع


فـلسطيــن مـهـد الرســالات جميعها


يسودهـا ظـالم بعد أنْ خـانهـا الربـع


يـا راكبا الى مكـة حـاجـا ومعـتمـرا


سلها عـن الجهاد وما أمر به الشرع


ســلْ الاعــراب عــن سلـم أتـوا بـه


ماذا جنوا منه سوى أن ركـع الجمع


فهـل أعــاد بنــو صه/يــون لاجـئــا


وهـل انجلى خـوف أو توقــف قمــع


يــا لاهثيــن. خلـف ســـراب الـسلـم


قفـوا تجـارتكـم كسـدت وفشـل البيع


متــى يكنــس.. الاحتـــلال وظلمـــه


ومـن عيون الامهـات لاينزل الدمـع


ألـم تقـرأوا التـاريــخ وتعــوا مـا بـه


كل الغـزاة أزالتهـم مقـاومـتـة وردع


كفـى كـذبـا يـا مـن تسمـون قــادتنــا


اليـوم لاطـاعـة لكـم فينــا ولا سمـتع


محمد علقم/2/2/2016


النص ((غبتي)) بقلم الشاعرمفتاح اللافى من ليبيا

 عنوان النص ((غبتي))

..........

غبتى ومانشدتيش عليا .... مايهمك لى صاير فيا


غبتى وما عرفناها أخبارك ... ولامن وصلنا لدارك

متمنى لو نبقى جارك ... ونشوفك فى كل عشية

تحكيلى عن كل أسرارك ... وماتخلى حاجة مخفية


زعلان وبنلوم عليك ... فغيابك مانى ناسيك

تحسابى نبقى امجافيك ... لو غبتى عنى يابنية

فكل لحظة بنفكر فيك ... ومتمنى اتجيبك قسمية 

نلتموا ايديا فيديك ... ونعيشوا فأيام هنية


غبتى وحالى تعبتيه ... من بعدك من شاقى بيه

لاحن وحب املاقيه ... ولامن دارى بلى فيا

احساسى بحبك مانخبيه ... غير حتى انتى حسى بيا


غبتى ومانشدتيش عليا


بقلمى الشاعرمفتاح اللافى من ليبيا



~~ إلى أين يا شتائي ؟ ~~ بقلم الكاتبة لطيفة الشامخي _ تونس

 ~~ إلى أين يا شتائي ؟  ~~

إلى أين يا شتائي..

و إلى أين الرحيل..؟

أراكَ تُلملم أطرافكَ

تملأ الحقائب.. بأنَّاتي..

و وجعي..

و ما تَبَقَّى من الحنين

فإلى أين الرحيل؟

أنا رفيقة العتمة

في ليلكَ الطويل

و صهيل الريح

في شقوقك.. و على سطوحي

و عويلها بين الضلوع...

أنا رفيقة المطر الحزين

في ترنيمته..

و معزوفة السيل

و شهقة الغيم

و السحابات.. تَمُرُ 

زرافات..  زرافات

ترسمني.. طيفا.. في المدى

ترسمني غيمة

ترسمني مطرا

ترسمني جدارية

في ليلك الطويل

  فلا تتعجَّل الرحيل

فالحقيبة ملأى مطرا

ملأى أملا..

و الليل.. مازال.. طويلا

طويل.


 بقلمي: لطيفة الشامخي _ تونس

من ديواني " ضجيج الغياب "



استعراضٌ لقصة " لبلب وعنتر" - للأطفال - للكاتب سليم نفاع - بقلم : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل - فلسطين -

 استعراضٌ لقصة " لبلب وعنتر" - للأطفال - للكاتب  سليم نفاع  -

  بقلم :  الدكتور حاتم جوعيه  - المغار - الجليل - فلسطين  -

 


 

مقدمة : الكاتبُ والأديبُ الأستاذ سليم  نفاع من سكان  مدينة شفاعمرو، حاصلٌ على شهادةِ الماجستير في التربيةِ من كلية أورانيم وموضوع رسالة الماجستير عن انعكاس القيم في قصص الأطفال.  وقد اصدر عشرات القصص  للأطفال والفتيان مترعة بالجمال والخيال والإمتاع والإبداع . ولهُ الكثيرُ من المقالاتِ والدراساِت القيِّمةِ  في التربية وأدب الأطفالِ ممَّا ساهمَ في إثراءِ المكتبةِ العربيةِ وإسعادِ الأطفال والكبار أيضا بالقصِص الجميلة ، التي توَّجَتْ رحلته الطويلة والمثمرة من العطاءِ والإنتاج الغزير الهادف  في مجالِ أدب الأطفال . وقد شاركتْ معظمُ  قصصِ الأستاذ سليم نفاع في مسيرةِ الكتاب في المدارس العربية ، وشاركت كتاباتهُ ومؤلفاتهُ أيضا في  معارض محليةٍ وعالميَّة للكتاب . عملَ الأستاذُ سليم نفاع سكرتيرا للجنة متابعة التعليمِ العربي لمدةِ عشر سنوات، وهذا أعطاهُ وأكسَبهُ المزيدَ من المعرفة في الأدب واللغة العربية والثقافة بشكل شامل.  وأدار فرع الجامعةِ المفتوحة في مدينة شفاعمرو ومنطقة الشمال لأكثر من عشر سنوات . حاز على شخصيةِ العام الثقافية وتمَّ  تكريمُهُ في احتفالِ تكريم الشخصيَّات الشفاعمريّة عام 2022 . وأقام مشروع "أجمل اللغات" في الكتابةِ الإبداعيّة ، وعمل من أجل  تقدم ورقي  مجتمعه . وقد أهداني مجموعةً من كتبهِ التي ألّفها للأطفال ويُسعدُني جدا أن اكتبَ عن بعضٍ من أعمالِهِ وابداعاتِهِ الأدبيَّة.

  سأتناولُ في هذه المقالةِ قصةً له للأطفالِ بعنوان " ( لبلب وعنتر ) من خلال الاستعراض والتحليل.

   تقعُ هذه القصَّة في 32 صفحة من الحجم الكبير- تأليف الكاتبوالديب الأستاذ سليم  نفاع  من مدينة شفاعمرو ، إصدار : أ . دار الهدى ع . زحالقة  للطباعة والنشر - 2018 ، رسومات الفنانة التشكيلية  منار نعيرات .

 كُتِبتْ هذا القصة على ألسنةِ الحيواناتِ ( الفأر لبلب والقط عنتر).. تتحدثُ بشكل متسلسلٍ وبأسلوب جميلٍ وشائقٍ عن الفأر والقط اللذين كانا يعيشان  في منزل فلاح  نشيط ومكافح يعملُ بشكل دؤوب لإعالةِ عائلتهِ. وكانت أرضُ هذا الفلاح خصبةً وكل سنة تأتي بالبركةِ وتطفحُ بالخيرِ والمحاصيل الوافرةِ من الحبوب والثمار المتراكمة والشهيّة. وكان الفأرُ لبلب ( الاسم الذي أطلقهُ عليه كاتبُ القصَّة) مُشاغبًا وسلبيًّا بطبيعتهِ وفطرتِهِ ودائما يتجوَّلُ في جميع زوايا منزل الفلاح  ويُخرِّبُ ويَعبثُ في محتوياتهِ ويتلفُ كلَّ شيء يصادفهُ ويراهُ أمامَه، فيمزّقُ الأكياسَ المُمتلئةَ بالحبوبِ والمحاصيل المتنوعة التي يتعبُ ويشقى الفلاحُ في زرعها وحصدها وجمعها.  وكان هذا الفلاحُ النشيط يُطلقُ هذه الجملة دائما : ( من جدَّّ وجد ومن زرع حصد ) .

  وكان يعيشُ في منزلِ هذا الفلاح المكافح  قطٌّ  اسمهُ عنتر أبيض اللون  سمين ومدلَّل  يعتني به الفلاحُ جيدا فيعاملهُ أحسنَ معاملةٍ لأنهُ حارسٌ امين .  وحاولَ هذا القط المحبوب والمُقرَّب والأثير من أصحاب المنزل عدَّةَ مرات الذهاب إلى جحر الفأر لكي يصطادَه  ولكنه لم ينجحْ في هذه المهمَّةِ لأنَّ لبلبَ فأرٌ ذكيٌّ جدًّا وصاحبُ حيلةٍ ويعرفُ جيدا  كيف يتخلّصَ من القطِّ عنتر وينجو منه بسهولة.. فكان هذا الفأرُ المشاغبُ يأكلُ ثمارَ الموز والبطاطا  ويرمي قشورَها  في طريقِ عنتر لكي يتزحلقَ ولا يستطيع اللحاقَ والإمساكَ بهِ فيقع القطُّ  مرات عديدة على وجههِ غاضبا. وعند المساء كان عنتر ينامُ  قريبا من الفلاح على سجَّادةٍ  وفيرةٍ  ناعمةٍ  مفروشة في أرض الغرفةِ. وكانت فرصة مناسبة في هذا الوقت للفأر لبلب لكي يتجوَّلَ  ويسرح ويمرحَ  في جميع وزوايا وأنحاءِ المنزل ويأكل ويلتهمَ كلَّ ما يصادفهُ  ويراهُ أمامه . وكان في بعض الأحيان  يُمزّقُ الملابسَ ويفسدُ  محاصيلَ الفلاح  والمونة التي يحزنها ويتركُ وراءَه الكثيرَ من الأضرارِ والخرابِ

  وعندما  كان القط عنتر يسمعُ ضجيجَ  وقرقعةَ الأدواتِ والأواني المنزليَّة  التي يُحرّكها  لبلب أثناءَ صولاتهِ وجولاتهِ التخريبيّة في أنحاءِ المنزل يغضب وَيُحاول أن  يجري وراءَه  لكي يمسكَ به، ولكن لبلب يتحرَّكُ بخفيَّة  مثل كلِّ مرة  ويلقي بالطناجر والأواني المنزليةِ والصحونِ والأكياسِ على رأسِ  القط عنتر، وينجو من القطِّ عنتر ويختبئُ في جحرهِ.. ويرجعُ القط عنتر إلى صاحبهِ الفلاح  صفرَ اليدين وبخفيِّ حنين كما يقولُ المثل القديم وعليه ملامح  الحزنِ والألم والخيبة،  فيلاطفهُ الفلاحُ  ويشجِّعهُ  ويَدعُمهُ معنويَّا  وَيُقوِّي من معنوياتِه المُنهارة . 

   وعاشت أيضا بجانب هذا المنزل الذي يسكن فيه الفلاحُ وأسرتهُ والقط عنترعنزةٌ وادعةٌ ولطيفة اسمها "سمُّورة "، وكانت سخيّةً وتعطي أصحابَ البيت كلَّ  يوم  كميات من الحليب وافرة ولذيذة  فيصنعون من هذا الحليب اللبنَ والجبنة والبة .   وحدث وفي أحد الأيام إذ كانت زوجةُ الفلاح منهمكةً ومنشغلةً في حلبِ العنزة سَمُّورة  فيغافلها الفأرُ لبلب ويتقدَّمُ بشكل خفيٍّ

وبهدوءٍ ويبدأ  يشربُ من  إناءِ الحليب الموضوع على الطاولة  فينسكب كلُّ الحليب على الأرض .فتبدأ المرأةُ  زوجةُ الفلاح تصرخ وتصيح  بصوت عال : يا ويلي  يا ويلي  ( كما جاء في القصَّة )  فيسمعُ صوتها القط عنتر  ويسرعُ لنجدتِها وجرى وراءَ الفأر لبلب  لكي يعاقبه على فعلته وجريرتهِ النكراء فيقفز لبلب إلى أعلى خزائن الملابس.. وأطلَّ لبلب من أعلى الحزانة  ثمَّ بدأ  لبلب وعنتر يتجادلان  بصوتٍ عالٍ  وبصرخاتٍ على بعض وبعنف . ووبَّخهُ القط عنتر على فعلته وسكبه لإناءِ الحليب على الطاولة وأنه أزعجَ وأقلق راحةَ جميع أصحاب البيت، وطلبَ منه أن يخرجَ ويغرُبَ عن وجوههم ويتركهم .. فأجابهُ لبلب وقال له: إنكَ قطٌّ مُدلَّل  يا عنتر تحصلُ على كلِّ شيءٍ تُريدُه من أصحاب المنزل وأمَّا الفأر لبلب فلا أحد يُحبٌّهُ وأصحابُ المنزل يعتبرونهُ غريبا ودخيلا.. فردَّ عليه القطُّ عنتر قائلا :  إنَّكَ تُثيرُ البلبلةَ وتنشرُ الفسادَ والخرابَ وتفسدُ وتتلفُ محاصيلَ الفلاح وتثقبَ الملابسَ الثمينة . فقالَ وأكّدَ لهُ  لبلب: إنهُ لا يقصدُ تمزيق الملابس ولا إفساد وإتلاف المحاصيل، بل هو يريدُ  لقمة مُقمَّرة على الأقل  يسدُّ رمقهُ ويُطفئُ  بها جوعَهُ .  فجاوبهُ القط  عندها بلهجة ونبرةٍ فيها نوع من الترحيب: إسمعْ  يا لبلب أخي القط مرمر لقد اصطادَ الكثيرَ من  أفرادِ عائلتك الفئران  وأما أنا  فأريدُ أن أقيمَ معاهدةً دائمةً وسلاما ومحبَّة وتفاهما بيني وبينك، فجاوبه الفأرُ لبلب: وأنا أيضا بالمثل أحبُّ السلامَ ولا أريدُ أن تكونَ هناكَ خلافاتٌ وعداوةٌ بيننا. وسألَ عنتر باستغراب: هل بالإمكان أن يكون سلامٌ دائمٌ  بين جميع القطط والفئران ؟؟!!. فيجيبهُ لبلب: نعم بالإمكان  تحقيق هذا الأمر إذا توفَّرَ الطعامُ للجميع وعندما تكونُ جميعُ الأطرافِ في شبع ولا تُعاني فئة ومجموعة ما من القِلّةِ والفقر ِوالجوع ..وإذا توفّرَ الطعامُ للجميع  فعندها بالتأكيد سيحلُّ ويعمُّ السلام  الحقيقي الشامل. فأجابهُ عنتر: صدقت يا لبلب وسأترك لكَ قليلا من الطعام الذي للفلاح  لكي تأكلَ منه  ما تريد وحسب حاجتك . فأكّدَ له لبلب بعد سماع هذا الكلام من عنتر قائلا: من الآن فصاعدا ومنذ هذه اللحظة  لن أزعجَ أصحابَ هذه الدار الساكنين فيها ولن اقومَ بأيِّ عملٍ  تخريبيٍّ  يزعجُهم ولن أمزِّقَ ثيابَهم  ولا أمسّ طعامهم .

  وتنتهي القصَّةُ هنا هذه النهاية  شبه المفتوحة على غرار الكثير من قصص الأطفال الأجنبية والعالميَّة .

تحليلُ القصّة: هذه القصةُ كُتِبَتْ على ألسنةِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب) وتُستَهَلُّ بأسلوبٍ سرديّ وبعدها ينتقلُ الكاتبُ إلى الحوار الدرامي  والحديثِ المتبادل ( ديالوج ) بين أبطال القصَّة ( الفأر والقط) . 

  لقد أدخلَ الكاتبُ شخصيَّات أخرى في القصة، مثل: الفلاح  وزوجته والعنزة "سمُّورة" وبشكلٍ مُقتضب ولم يدخلهما في أيِّ حوارٍ أو حديثٍ مباشر، ومعظمُ أحداث القصَّة تدورُ بين القطِّ والفأر.

   هذه القصّةُ ليست طويلةً وكان بإمكان الكاتبِ أن يتوسعَ أكثرَ في السناريو وفي أحداثها ومشاهدها الدراميّة، وأن يضيفَ إليها بعضَ الشخصياتِ الجديدة . هو تحدَّثَ عن الفلاحِ صاحب البيت وزوجتهِ بشكلٍ سريع ولكنه لم  يدخلهما في الحوارِ ومجرى الاحداثِ  - كما ذكرَ أعلاه -، ولم يذكرْ إطلاقا  أولادَ الفلاح وزوجتهِ، ولم يضعهمْ في القصةِ، ولم يُدخلْ شخصيات أخرى أيضا مثل: الأصدقاء والأقارب  والجيران . ومن المحتملِ أنهُ فعل هذا الشيء تفاديًا من الإطالةِ ولمنع حدوثِ المللِ لدى القارئِ . وقصصُ الأطفال من المُفضَّلِ أن تكونَ قصيرةً نوعا ما حتى لا تُرهق ذهنَ الطفلِ الصغير، ولكي يستطيعَ أن يستوعبَ  مجرى أحداثِها  وجميع تفاصيلها، وخاصة إذا كُتِبَتْ وَنُسِجَتْ بلغةٍ مُبسَّطةٍ ومفهومة وغير مُمِلّة .

 وهذه القصَّةُ  ظريفة ومُمتعة وناجحة بكلِّ معنى الكلمة  وتحوي جميعَ الأسس والعناصر الهامة التي يجب ان تتوفَّرَ في كلِّ قصَّة تكتب للأطفال، وخاصّة لجيل الطفولة المبكر- سواء كانت  القصَّةُ طويلة أو قصيرة.. سردية أو حواريَّة ( ديالوج ) أو مزيح بين السرد والحوار .

    تضمُّ وتحوي هذه القصَّة عناصرَ عديدة وهامَّة، مثل:

1 - العنصرُ الفانتازي الخيالي: وهو العنصرُالأساسي والهام للأطفال وبدونه تكون القصَّة ناقصةً ومبتورة. وهذه القصة يُترعُها ويغمرُها الطابعُ الفانتازي من البداية للنهايةِ، وتدورُ معظمُ أحداثِها بين القط والفأر، ويبرز هذا الشيءُ بوضوح في الحوار المُطوَّل الذي يجري بينهما  في الفصول الأخيرة منها . والطفلُ الصغير بطبيعتهِ يُحبُّ الحيوانات وكلَّ حديث وموضوع يتعلّقُ بعالم الحيوان، وخاصة الحيوانات الأليفة  والداجنة كالقط والكلب .

2 -  عنصرُ التشويق والإثارة : يظهرُ هذا في جميع  صفحاتِ وفصول القصَّة، والقصة من بدايتها للنهاية طريفة ومسليّة  تشدُّ الطفل وتجذبهُ للاستماع إليها أو لقراءتها دونما توقّف .

3 - العنصرُ الفنِّي والجمالي : يظهرُ ويبرزُ في جميع صفحات القصة.

4 -الجانبُ التَّرفيهي: وهو أكثر جانب يهتمُّ به معظمُ الذين يكتبون ويؤلفون قصصًا  للأطفال . والقصة بأكملها هي ترفيهية ومسليَّة وممتعة للطفل الصغير وللكبير أيضا، وتذكرنا بأفلام ومسلسلات البيكيماوس (  الأفلام الكارتونيَّة) التي يحبُّ مشاهدتها الصغار والكبار أيضا .

5 - البعدُ الإنساني والاجتماعي:

 نلمسُ هذا الجانب على شكل توريةٍ في الصفحات الأخيرة من القصَّة .

6- موضوعُ المحبّةِ والسلام والتعايش السلمي مع الجميع  وخاصة عندما يتحقق هذا الأمر مع الأطرافِ المتناقضة والمتخاصمة.... ...وهذا الجانبُ إنسانيٌّ من الدرجة الأولى، وقلائل من الكُتَّابِ والادباءِ المحليين الذين كتبوا قصصا للأطفال قد تطرقوا إليه .                       وتناولَ كاتبُنا هذا الموضوع الهام عن طريقِ الحوار بين الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ).

   وهذه القصَّة تذكّرنا بكتاب "كليلة ودمنة" الذي ألِّفَ على ألسنةِ الحيواناتِ وترجَمَهُ إلى اللغةِ العربيَّة مع بعض الإضافاتِ والتعديلات الكاتبُ والأبيبُ الفارسي الكبير "عبد الله بن المقفع " .  وكان هدفُ ابنِ المقفع من تعريب وترجمةِ هذا الكتاب للعربيةِ من أجلِ انتقاد الوضع الاجتماعي والسياسي آنذاك، وانتقاد الخليفة العباسي بشكلٍ خاص عن طريق التَّورية وبشكل غر مباشر، وذلك من خلالِ قصصِ الكتاب التي تجري على ألسنة الحيوانات . ونجدُ طابع وفحوى قصَّةِ كاتِبنا القدير والمبدع الأستاذ سليم نفاع أيضا على هذا النجو تقريبا . ولقد ألّفَ قصَّتَهُ هذه للأطفال على لسانِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ) ويرمزُ من خلالِ مجرى أحداث القصة، وخاصَّة في الأحداثِ والمشاهد الأخيرة منها، ومن خلال الحوار الطريف الذي يجري  بين أبطال القصَّةِ وأهم المحاور فيها ( القط والفأر) إلى أهداف وأبعاد عديدةٍ، وأهمها : البعد الإنساني ثمّ البعد الاجتماعي والسياسي. فالفأر لبلب في هذه القصَّة يرمزُ ويشيرُ إلى عدّةِ أشياء ، مثلا : يرمز إلى الجهات والفئات الشرّيرة والمعاديَّة التي تريدُ أن تسطو وتُسيطرَ على أملاكِ  وأراضي وحقوق الغير وَتنشُرَ الفوضى والفساد . ويرمز الفأرُ أيضا للدولِ المعتديةِ والاستعمارية  التي تحاولُ أن تسيطرَ على الدولِ الأخرى الضعيفة عسكريًّا والغنيّة من ناحية الموارد الطبيعيّة، ولكي تنهبَ جميعَ خيراتها ومواردها ( البعد السياسي ونستطيع أن نقول أيضا: البُعد الاقتصادي – البيزنس).  ويرمز الفأرُ أيضا ( مع أنهُ سلبيٌّ  دائما ومثال للشرِّ والعداء ولنشر الفوضى والخراب ) إلى الإنسانِ أو الفئة والجهة الفقيرة والمسحوقة  والمقموعة التي تُعاني من الجوع والحرمانِ، وتحاولُ بشتى الوسائل أن تحصلَ على لقمة العيش لكي تبقى على قيد الحياة -( البعد الإنساني والسياسي ).

 أما الفلاحُ وزوجتهُ فيرمزون إلى الوطنِ والأرضِ وإلى أصحابِ الحقِّ الشرعي، وإلى الشعبِ الذي يعيشُ في أرضهِ ووطنهِ بأمنٍ بسلام  وتحاولُ جهاتٌ خارجيَّة شرّيرة ومعادية أن تسطو وَتُسطرَ على أرضهِ وأملاكهِ بالقوَّةِ .  وأما القط عنتر فيرمزُ إلى المواطنِ الصالح والإنسانِ الحُرِّ والأبيِّ والشجاع الذي يدافعُ عن أهله وشعبهِ، ويحاولُ أن يمنعَ كلَّ جهةٍ غريبةٍ ومعاديةٍ وشريرة أن تدخلَ إلى وطنه وتنشرَ الفسادَ والخراب.   ونستطيعُ أن نقول وبكلَّ جدارةٍ : إن هذه القصة ( لبلب وعنتر) ناجحة ومتألقة من  جميع المقاييس النقديَّةِ والذوقيّة، ويجب أن  يقرأها ويستمعَ إليها كلُّ طفلٍ لأنها تُعلمهُ أشياءً وأمورا كثيرة جوهرية وهامة كالتفاهم والمحبّة والتعايش السلمي ..وأنهُ يجبُ أن يكونَ هناكَ حوارٌ منطقيٌّ وَبنَّاءٌ ومفاوضاتٌ بين الجهاتِ والفئاتِ والأطراف المتناقضةِ والمُتخاصمةِ لكي يصلَ الجميعُ إلى حلٍّ عادلٍ ومنطقيٍّ وينعم الجمعُ بعد ذلك بالهدوءِ والاستقرارِ والأمن والأمان .  وتستحقُّ  هذه  القصَّةُ أن تكون في كل مكتبة وفي كل مدرسة وبيت وأن تُدرَّسَ للأطفال لجميعِ مراحل الطفولة.. وأن تُكتَبَ عنها الدراساتُ والمقالاتُ القيمة  والمُوَسَّعةُ من قبلِ كبارِ الكُتَّاب والنقادِ: عربيًّا وعالميًّا. وهذه القصّةُ تذكّرُنا أيضا بقصصِ الأطفالِ العالمية لكبار الكتاب الأجانب والعالميين والتي تنتهي معظمُها نهاية مفتوحة أو شبه مفتوحة. ومعظمُ قصصِ الأطفال الأجنبية والعالمية تحوي كل العناصر والأمور الهامة، وتحملُ رسالة إنسانية واجتماعية وفكرية ومبدئية وليس فقط  ترفيهيَّة ومن أجلِ التسلية وقتل الوقت والروتين والملل.  وقصةُ كاتبنا أيضا نلمس فيها نفس الشيء وهي على نفس الحذو والمسار، وتحملُ نفسَ الأهداف والتطلعات السامية والمنطلق الإبداعي المميَّز ومن أجل خدمة الادب والفكر والإبداع الحقيقي.. بالإضافة أبعادٍ أخرى ربما  قد تمَّ التطرُّقُ إليها

 في قصص الأطفال الأجنبية  كالبعد الوطني والسياسي ..وهذا الجانب موجود بشكل غير مباشر وعلى شكل تورية في قصة كاتبنا  سليم  نفاع ( لبلب وعنتر) .   

 وأريد ان أضيفَ : إنَّ الكتابةَ للطفل ليست بالأمر الهيِّنِ والبسيط  كما يعتقدُ الكثيرون ، فهي نحتاجُ إلى موهبةٍ فذَّةٍ وقدراتٍ فنية ولغويّة وأدبية وثقافة واسعةٍ وشاملة في شتّى الميادين، ويجبُ على الكاتبِ قبل كلّ شيء أن يحملَ رسالة سامية ومُقدّسة من خلالِ كتابة أيِّ عملٍ أدبيٍّ وفكري للطفل وللكبير أيضا وقبل أن يكون مُتمكّنا من أدواته الكتابيَّة.. وهذه الجملة أقولها أنا دائما عن بعض النقاد ( النُّويقدين) المحليِّين أيضا الذي لا يعرفون أصول ومناهج النقد الادبي العلمي الموضوعي والنزيه والصحيح، وهؤلاء لا يوجدُ عندهم أيُّ نوع من النزاهة  والأمانة والمصداقية في كتباتهم  وخزعبلاتهم التي يسمُّونها نقدا وتقييما أدبيا ...فهنالك كتب وقصص عديدة كُتبت للأطفالِ قد  تُسيءُ إلي الأطفالِ وتضرُّهم: نفسيا  وفكريًّا وسلوكيًّا  وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، وقد  تعقِّدُ الطفلَ وتُحطّمُ وتُدمِّرُ شخصَّيتة ، وحتى الكبير في السن أيضا - كالعديد من كتب وقصص الأطفال المحلية التي لا يوجد عليها أيُّ نوع من الرقابةِ . وهذه الكتبُ العقيمةُ التي أعنيها  لا تحملُ في طياتها أيَّةَ رسالةٍ قيِّمةٍ وهادفة، ولا يوجدُ لها أيُّ منطلقٍ وهدفٍ إيجابيِّ بنَّاء عدا مستواها الهابط والمُتدنِّي للحضيض..

  وأمَّا قصَّةُ (  لبلب وعنتر) للكاتب سليم نفاع فهي مُمَيَّزة عن الكثير من قصص الأطفال المحليَّة فهي تنتهي نهاية شبهَ مفتوحة ونهايتها جميلة وسعيدة ومترعة بالتفاؤل والبهجة، وتُدخلُ إلى الطفلِ الصَّغير الارتياحَ النفسي والاطمئنان وتُعطيهِ الفرحَ والسعادةَ والحبورَ والاملَ والتفاؤل وليس الرّعبَ والحوفَ والهلعَ  واليأسَ والاحباطَ  والاكتئاب. وتُدخلُ الطفلَ إلى أجواء جميلة مُشعَّة بالمحبةَِّ والجمال.. وتُعلّمُ الطفلَ المحبَّة والتَّسامحَ  وحبَّ الخيرِ والعطاء، وأنَّ التعايشَ السلمي يمكنُ أن  يتحقَّقَ دائما وفي كل الظروف والأوضاع  والحالات المتناقضة وعندها  سيحلُّ الرَّخاء والخير والبركة ويعمُّ الأمنُ والسلام . وتختلفُ قصَّةُ الأستاذ سليم نفاع عن قصص كثيرة محليَّة كتبت للأطفال كان مفادها  ومنطلقها  وفحواها سلبيًّا جدا حيث تُعقّدُ الطفلَ  وتشوّهُ شخصيّته وتدخلُ إليهِ الخوفَ والرّعبَ  والفكرَ العدائي واليأس والقنوط .. وقصة ( لبلب وعنتر)  لسليم نفاع لقد جاءت في زمن ووقت كثر فيه العنفُ وانتشرت بشكل كبير ورهيب ظاهرةُ القتل والفوضى  والفساد ليس هذا في مجتمعنا المحلي فقط بل في الكثير من البلدان والمجتمعات الأخرى.. فالقصَّة تعلّمُ الطفلَ كلَّ شيءٍ إيجابيّ  وكلّ ما هو جميل وجيد  وبنَّاء لهذا المجتمع الي يسرُ نحو الانحدار .

وأخيرا وليس آخرا: هذه القصةُ (عنتر ولبلب ) على مستوى أدبيٍّ فنِّيّ وجماليّ راقٍ ومن أحسن وأفضل قصص الأطفال التي كُتِبَتْ محليًّا حتى الآن، وفيها كلُّ العناصر والأسُسُ الهامة التي ذُكِرت أعلاه.  ونتمنَّى ونأملُ من الكاتبِ والأديب القدير الأستاذ سليم نفاع أن يتسمرَّ في مجالِ الكتابة والإبداع  دونما انقطاع ويتحفنا دائما بإصدارات جديدة في جميع المجالات والألوان الأدبيَّة، وخاصة في مجال  قصص الأطفال لأن هذا النوع من الأدب كان قبل أكثر من 60 سنة شبهَ معدومٍ على الصعيد المحلي والكتابة للأطفال كانت آنذاك مغامرة.

 

 

 - بقلم :  الدكتور حاتم جوعيه - جوعيه -  المغار - الجليل - 

 


☆☆ خمرة المرايا ☆☆ بقلم الشاعر احمد بياض

 ☆☆  خمرة المرايا  ☆☆

بقلم الشاعر احمد بياض 


           °°°°°°°°°°☆☆☆☆°°°°°°°°°°°


لا تتكلم

عندما يكون صوتك قبلة،

وعرسك انتظار.


لا تتكلم،

وعلى معصمك قيد وردة،

وأنت أمام باب مكسور.


كن صاعدا

كليل الشمس،

بحرا طوى السنين،

موتا على فراش اليقظة،

فيض أنامل من عين سحابة،

صفحة تدوي في عرس التكوين...


كن شاعرا

يحمل نعش السنين...


ذ بياض أحمد – المغرب



(جنة من ............. وحي الخيال) (بقلم حامد الهلالي)

 (جنة من ............. وحي الخيال)

          (بقلم حامد الهلالي)

**************************

     أحببت هدوء الخلوة في

     آخر العمر ..................

     والسلامة في حفظ ......

     اللسان وصون العبر ......

     أحببت النجاة والأبتعاد ..

     عن عيون البشر ...........

     وجعلت من صومعتي .....

     منارا للفكر ................. 

     إعتزلت الناس حتى أكون . 

     مع نفسي وأصوغ الشعر ..

     وأكتب كلمات لعلها تحضى

     بشيء من الشكر ...........

     عشقت تلك الوحدة وراحة 

     البوح من ذهن السهر ....

     في كوخ خشبي جميل ....

     بمعنى البساطة بين الشجر 

     وموقد دافيء وإبريق من .

     الشاي المعطر .............. 

     وسيجار رخيص بين ....... 

     أصابعي تارة وأخرى ....... 

     شهيق مر .................... 

     أحببت هدوء الليل حين .

     يكلم أشجاني الصامتة ....

     في همس الحبر ..........

     وعشقت تلك الوحدة .....

     الجميلة وضوء القمر ....

     الأزهار حولي زاهية مع .. 

     ندى الفجر .................. 

     وألوان من الفراشات ......

     تطوف على أنواع الثمر ... 

     هذة جنتي المخملية ......

     وخيال من وحي الحبر ...

     لاعواطف تنكد مزاجي .... 

     أو جدال مؤسف وعذر ....

     أو عقول منحدرة من ..... 

     عصرالصخر .................

     المصالح تهوى الغايات ...

     ولاتدرك معنى الفقر .......

     والناس على أشكالها ......

     محسوبة القدر .............

     طينة حرة طاهرة وأخرى

     معجونة بالشر .............

     والنجاة في حسن العاقبة 

     والحذر ......................

     دعيني أيتها الدنيا أتأمل ..

     هذة الوحدة الرتيبة ...... 

     قبل غربة القبر .............

**************************       

         (بقلم حامد الهلالي)   

  مع لوحة (الراعي الحزين) للفنان الكبير عدنان عبد القادر الرسام

     من كوردستان العراق



صدًى من حكاية بقلم الكاتبة جميلة مزرعاني

 صدًى من حكاية

جميلتي..أَيا صدًى تنادى بهِ السّمعُ،كم كانتْ تخرجُ من فيهِ كنغمةِ نايٍ مِطْواعٍ تُرْقِصُ الزّهورَ طربًا فيتمايلُ النّبض حُبورًا،كترتيلةٍِ على أوتارِ السَّحَر همسةٌ بليلةٌ تعانقُ السّكون فيستميلُ القلبَ إلى ساحات الرّوحِ الشّاسعةِ يَعْدو في رباعيّاتِ العشقِ يَعْزِفُ لحن هواهُ يشدُّ عزمَ بصرٍ يجْري خلفهُ يُراودُ دقّاتهِ يمْلأُ سلالي بحبّاتِ الفرح يشعرُني كأنّي طفلةٌ قاصرة بعمرِ الوردِ تبحثُ عن دفْءٍ يدغدغُ شِغافَ طفولةٍ يتيمة تستودعهُ عطرَها النّقيّ و شابّة في ريعانِ الحلمِ تقلّمُ براعم ساقهِ لتحصّنُ بهِ غدها الآتي تحزم السّنين وديعة ليومٍ رماديّ،جميلتي..آهٍ من كلام الحبّ الجميل! كان ذلك قبل فصل الخيبةِ بومضةِ مغيبٍ تلاهُ فصلٌ آخر استقامتْ فيه قامةُ الهوى تَفْحَمُ طابورَ الخذلان تطلّقُ الحبَّ المغلّفَ بالأوهامِ العائم على قاربِ الهجرِ يحبسُ مطرَهُ لزخّاتِ الوفاء،أقسمُ ما كان الهوى عصرًا ذهبيًّا،كلمات كورق الخريف الشّاحبة جرفهاالنّهر وأكمل المسير، هي صفْعةٌ أعادتْ تقويمَ النَّفسِ تمتلكُ زمامَ المبادرةِ ورأسَ القرار.


جميلة مزرعاني 

لبنان الجنوب 

ريحانة العرب



وتيني بقلم الكاتبة: ريم منصّر

  

وتيني

 يا ساكنا شغاف الفؤاد

وساريا في وتيني

 مددي...وتدي...سندي

 ذاك على الدوام يقيني.

 

ألقيت في الرّوح سكينة

ضَمَمْت في صدرك شجنيَ الرّصين

 لَأَمْت جرحي...أزلت تَرْحِي

 أخْرست في الصّدر أنيني.

 

 كَفَكفْت بِرَاحتك دمعي

 بَدّدت بِحُنُوّك وجعيَ الدفينِ

 رَمَّمْت باحتواءك  صَدْعِي

 لجّم بي الشّوق إليك  بمعاضدة الحنين.

 

قَلْقَلْت شكيمتي

ثَبَّطَت للمقاومة عزيمتي

 لا بقسوة بل بكلّ لينِ

أدخلتك مملكتي

سلّمتك ما للفؤاد من مقاليد

 فاضطرب بك تقويم سنيني.

 

 

حَسِبْتُك مثيلهم

 وحَسَبْتُك جميعهم

 فحَسُبْتُ بك دونهم

 أنت...يا عضُدِيَ المتين.

 

يا سُكْني وسَكَنَاتي وسَكَني

عند الخطب الشّجين

 لقَدمي بَرّي...لي وبي بِرّي

وفي قفري بُرّي

بالأمس وغدا وفي كل حينِ.

 

 يا فَتْنِي وافتتاني وفِتْنَتِي

أنت يا كلّ رجائي

 ومُنيتي وتحصيني

 عظيمة بك هي بلوتي

 في تيهي أنت جِيمٌ لكلّ سِينِ

 للدّرب...أنت أوّل وآخر العناوين

 

. قَدَمي.وقُدُمِي وقَدْمِي

 قَدِمْت كالفارس المقدام

عَزَفْت على أوتار الرّوح  أحلى نغمِ

غدوت فيها صاحب المقام المكين

وغدَا من وَجدِكَ لقصيدتي

 في المحافل جلجلة وأعلى طَنِين.

 

رُوحي ورَوحِي ورياحينِي

 يا حَلّي وحِلّي وحُلَلِي

 حَلَلْتَ فأينعت في حنايا الصّدر

 أزهار الياسمينِ

 أُقسم بالمُغَلّظ من اليمين

 أنّك نبضي...قلبي...

 أنّك يا سيّدي

 ذُؤَابَةُ الرُّوح...أنّك وتيني.

 بقلمي: ريم منصّر


 


إلى مُجَاهِدي "غَزّة" الأَبْطَال. بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.

 إلى مُجَاهِدي "غَزّة" الأَبْطَال.

مَرْحَى لَكُمْ يَا فِتْيَةً رَجَعَتْ بِهِمْ

جَبــهَــاتُـنَا مَرْفُــوعَةً بِالــهَــامِ. 

بَخٍّ لِبَذْلٍ قَــدْ أَعَادَ لَــنَا الكَـرَا

مَةَ والرُّجُولَةَ والشُّعُورَ الحَامِي.


سَتَعُــودُ أَرْضُــكُمُ بِكُـمْ مَوْفُورَةً

وسَيَنْـدَمُ الأَعْرَابُ شَــرَّ نِدَامِ

وسَيَحْفَظُ التَّارِيخُ مَجْدًا خَالِدًا

لِلصَّامِدِينَ عَلَى مَدَى الأَعْوَامِ.

وأَعَــدَّ لِلْأَعْرَابِ خِــزْيًا دَائِــمًا

فِي سَـلَّـــةٍ مِنْ طَــبْــعِ كُلِّ مُلَامِ

مَنْ هَــمُّهُ فِي الأَصْفَــرَيْنِ ودِينُهُ

فِـي الأَطْيبَيْنِ كَسَائِـرِ الأَنْـعَــامِ


تَــبًّا لِــقَوْمٍ ضَيَّــعُوا تَارِيـخَـهُـمْ

وتَـخَــاذَلُوا عَـنْ نُـصْـرَةِ الأَرْحَامِ.

حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.

خواطر : ديوان الجدّ والهزل



قراءة متعجلة في اللوحة الإبداعية للكاتبة التونسية الواعدة : الأستاذة دليلة لوحيشي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة متعجلة في اللوحة الإبداعية للكاتبة التونسية الواعدة : الأستاذة دليلة لوحيشي :

"قلبٌ يسير على قدمين: سيرة الكتابة من الخنجر..إلى المنجل"


"أكتب كي أعفّر في التّراب جبين الخيبات،

فأرواغ الحياة حينما تغرز في قلبي خنجرا وتزرع في قلبي الطّعنات،فيضحي الخنجر منجلا والطّعنات مشاتل زهر وقلبي بستانا تؤمّه كل الزّهرات..أكتب حتّى أرتق أثواب أوطان قميئة تتسوّل الكرامة وفتات حياة،وحينما يلوح لفؤادي جنديّ فقد غدرا رجلا أو يدا،أستعير معجزة عيسى فيبرأ من عاهة أهداه إيّاها وطن يحترف الوجع وييستعذب طعم المرارة في أفواه الثّكالى وقلوب الأرامل والحبيبات..

وإذا أنا اشتدّ بي قرّ السّنين  أسند رأسي على كتف حبيب من صنع روحي وكدّ فؤادي،وأمعن في قهر الوجع،وعلى ركبتيّ تغفو بنتان أسرّح شعرهما الفاحم وأغني لهما:"يا الله تنام ريما،يا الله يجيها النّوم"

 أكتب لكي أرى الدّم المهرق في محرقة الصّراعات الأسنة غيثا يسقي وطني فيينع فيه الحبّ وتكبر فيه شجرة سامقه أسميها التّسامح نتفيّأ ظلّها أنا وطفل يتأبط كسرة خبز ويبحث في شوارع القلوب عن بسمة تقيه برد الوحدة ووجع الخذلان،

أكتب حتّى تذكرني الحياة ذات رحيل بكلّ الخير،

ويتحدّث النّمّامون عنّي بأنّني فعلا كنت ساذجة، غبيّة لكن والحقّ يقال كنت قلبا يسير على قدمين.."

تعقيب :

هذه ليست كلماتٍ تُكتَب،بل هي نبضات قلب يُنزف حبرا،وصوت روح تئنُّ لتصنع من أنينها نسيما.لوحة تبدأ بانكسار الجبين على تراب الخيبات،وكأن الكاتبة تحفر بجسدها قبرا للألم، لكنها لا تدفن نفسها،بل تزرع في تلك الحفرة بذرة من جنين الشمس.

والسحر هنا: ذلك التحوّل العجيب حيث تنقلب أدوات الموت إلى شرايين حياة.الخنجر الحاد يصير منجلا يحصد نور الأمل،والطعنات النازفة تتحول إلى مشاتل،والقلب الجريح يهب روحه تربة لبستان تؤمه كل الزهرات.إنها خياطة الجروح بخيوط من نور،وتحويل العتمة إلى فسيفساء، وترجمة الصراخ إلى ترنيمة.

ثم ينتقل النص من-ذاكرة الجسد-إلى جغرافيا الوطن الجريح،من القلب الفردي إلى القلب الجماعي الذي "يُحترف الوجع" و"يُستعذب طعم المرارة"-إنها صورة مرعبة في دقتها،ترسم كيف يمكن أن يتحول الألم إلى إرث،والأسى إلى هوية. ولكن الكاتبة (الأستاذة دليلة لوحيشي) لا تستسلم، بل تستعير معجزة عيسى لتشفي ما استعصى على الأطباء،وتغسل بغيث أحلامها الدماء التي حولتها الصراعات إلى ملح.

إنها تؤمن بأن الحب ينبت حتى تحت أسنان البغضاء،وأن شجرة التسامح السامقة يمكن أن تجد ماؤها في دموع الثكالى.وفي ذروة العطاء، تأوي الروح إلى واحة الحميمية: رأس يتكئ على كتف حبيب من صنع الروح،وبنتان تغفوان على ركبتيّها،وأغنية هادئة تحتسيها الأرواح العطشى. إنها لحظة التنفس الأخير قبل الغوص مرة أخرى في محيط الألم.

ثم تأتي تلك الخاتمة التي تختزل كل دروب المعنى: "كنت قلبا يسير على قدمين". كأنها تختصر سيرة حياة: "نعم،كنت ساذجة أؤمن بالغيوم في زمن الجفاف،وغبية أبحث عن البسمة في شوارع القلوب الخاوية،لكنني-وهذا هو جوهر الأمر-لم أتخلَ أبدا عن كوني قلبا نابضا يرفض التحجر".والقلب،حتى وإن شابته ندوب الخيبات، يبقى ذلك المعمل العجيب الذي يحول مرارة الدنيا إلى رحيق للقادمين.

وهكذا،تتحول الكتابة هنا من سرد للألم إلى فعل مقاومة وجودي.مقاومة ضد انكسار الروح،وضد تحول المعاناة إلى قدر،وضد نسيان أن في كل خنجرٍ إمكانية ليكون منجلا،وفي كل قلب محطم بذرة بستان.إنها شهادة على أن الكاتب(ة) الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي ببكاء جراحه،بل ينزل إليها حاملا مصباح الكلمات،ليبحث في قاعها عن الجذور الخفية للأمل. 

لقد رسمت لنا الكاتبة التونسية-الأستاذة دليلة لوحيشي-بقلمها-الفذ-خريطة للنجاة،تذكرنا بأن أعظم البذور تنبت من أعمق الشقوق،وأن القلب الذي يحمل كل هذا العطش،هو بالضبط القلب القادر على أن يكون غيثا.فتحية لكل قلب لا يزال يسير على قدمين،حاملا بستانه في صدره،ومضيئا درب العابرين بشموع صنعها من ألمه.

فلتواصلِي المسير على هذا الدرب الوضيء،يا مبدعتنا السامقة (أ-دليلة لوحيشي).فما ينبثق من أوجاعك ليس سوى أنوار تثقب ظلام اليأس،وما يولد من رحم صبركِ يغذي الأرواح العطشى. النيران التي تشعلينها من أخشاب تجاربكِ هي شعلة هداية،لا لهيب إحراق.استمري حاملة بستان قلبك الواسع،فسيصبح فكركِ ملجأ،وصدى إبداعك علاجا لأرواح تتشظى.لقد تحوّل الألم من داء إلى مداد،وأنتِ القلم الرصين الذي يكتب سطور الأمل. وإن طالت الطريق،فخطواتك تخلِف وراءها حقلا من الورود،وعهدا من الجمال.

لست أحلم..ولكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات المخاض الإبداعي الأليم..من حسابات القلم..

والمداد..


متابعة محمد المحسن



الأحد، 1 فبراير 2026

النقد "المؤجر": أزمة الضمير..في الثقافة العربية..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 النقد "المؤجر": أزمة الضمير..في الثقافة العربية..!

تصدير:

-النقد الأدبي هو الذي يروم الكشف عن مواطن الجمال ومكامن القبح،حيث يسلط الناقد نظرته الفاحصة،وذوقَه المرهفَ على الأثر الأدبي فيسبرَ أغوارَه ويحاول أن ينفُذ إلى عمق نفس الأديب ليستخرج خباياها،بما اكتسبه من ثقافة عميقة،

وقوة حاذقة على التحليل والتفسير والموازنة والحكم المبرّأ من شوائب الهوى.(الكاتب)


لطالما حمل النقد الأدبي،عبر مسيرة الثقافة العربية والإنسانية،رسالة سامية متجذرة في أعماق التاريخ،منذ نقاد اليونان وهم يحاورون الشعراء في ساحات أثينا،وصولا إلى نقاد العصر العباسي وهم يضعون اللبنات الأولى للمعايير الجمالية والأدبية.غير أن المشهد الثقافي المعاصر يشهد تحولا مقلقا مع ظهور ما يمكن تسميته ظاهرة "النقاد للإيجار"،حيث يتحول الناقد من حارس للقيم الفكرية والجمالية إلى وسيط في سوق تبادل المصالح،مستبدلا المقياس النقدي بالمقياس المادي،والمسؤولية الأكاديمية بالمجاملة الدعائية.وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في ممارسات عدة،أبرزها صناعة النجومية الوهمية عبر تبنّي نصوص أدبية غير ناضجة لكتّاب مبتدئين ورشّها بمجاملات فارغة لتحويلها إلى ظواهر إعلامية وهمية،وذلك مقابل منفعة مادية مباشرة أو غير مباشرة.ولم تعد خافية في الأوساط الثقافية حقيقة "قوائم الأسعار" التي يضعها بعض النقاد لقراءة الأعمال،فتحدد قيمة القراءة بالمبلغ الذي يدفعه المؤلف أو الناشر وليس بالقيمة الفنية للنص،بل ويمنح بعضهم "باقات" تتراوح بين القراءة السريعة والموسومة بالمصطلحات المعقدة وفق سلم أسعار متفاوت. كما يظهر وجه آخر عبر النقد الانتقائي الموجه، الذي يحوّل النقد إلى أداة في صراعات الكتل الثقافية،فيتم مدح نصوص الحلفاء بغض النظر عن جودتها والقدح في نصوص الخصوم بغض النظر عن قيمتها،محوّلا الممارسة النقدية من فضاء فكري إلى سلاح في معارك النفوذ والوجاهة.

وتمتد جذور هذه الأزمة إلى أسباب متشابكة وعميقة،أولها الانهيار الاقتصادي للمثقف في ظل الأزمات المادية التي تجعل بعض النقاد أمام خيار قاس بين الالتزام الأخلاقي وتلبية الحاجات الأساسية.ويضاف إلى ذلك التحول في بنية الحقل الثقافي نفسه،حيث تحوّلت العديد من المؤسسات من فضاءات للتفكير إلى منصات للترويج، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق ثقافة "الإعجاب" السريع التي تستهين بالتحليل العميق وتكافئ الإطراء العابر.كما تساهم أزمة المنهج النقدي،مع تراجع المدرسة النقدية العربية الأصيلة وعدم استيعاب حقيقي للمناهج الحديثة، في ترك بعض النقاد بلا أدوات تحليل حقيقية، فيتحولون إلى مجرد مروجين.وتعمل ثقافة التكسب السريع السائدة في ظل النزعة الاستهلاكية على تعميق هذه الظاهرة،فتُرى المهنة وسيلة للكسب المادي بدلاً من كونها رسالة معرفية.

ولا تخلو هذه الممارسات من عواقب وخيمة تهدد كيان الحقل الثقافي برمته،فهي تشوّه الذوق العام بفقدان الجمهور قدرة التمييز بين الجيد والرديء، وتقتل الموهبة الحقيقية بإقناع المبدع المبتدئ بأن إنتاجه هو ذروة الإبداع فيتوقف عن السعي للتطوير.كما أنها تتسبب في تآكل مصداقية النقد ككل،ليصبح أي رأي نقدي محط شك وريبة، وتفريغ الثقافة من مضمونها لتصير سوقا للمتاجرة والعلاقات العامة بعيدا عن التأمل والإبداع. ومواجهة هذا الخطر تستدعي جهودا متكاملة، تبدأ باستعادة النقاد لوعيهم بالرسالة الأخلاقية واستحضار تراث النزاهة الذي مثّله عمالقة النقد العربي،وتمر عبر إصلاح المؤسسات بإنشاء هيئات ونقابات تحمي استقلالية الناقد المادية والمعنوية وتضع معايير للممارسة.ويجب أن يمتد الإصلاح إلى المناهج الأكاديمية لتأكيد البعد القيمي إلى جانب النظري،وإلى وسائل الإعلام الثقافية لرفض نشر المواد المشبوهة وفتح مساحات للنقد الجاد، وينتهي بتنمية وعي نقدي لدى الجمهور لتمكينه من التمييز ومقاطعة الممارسات الدعائية.

خاتمة: بين مرآة الوعي..ومطرقة الضمير

ليس النقد مجرد تعليق هامشي على النص،بل هو محك حقيقي لروح الثقافة وضميرها الحي.إن تحوّله إلى سلعة قابلة للإيجار،كما صوره الفيلسوف نيتشه،لا يعكس قوة الفكر بل يكشف عن وهنه واستسلامه لسلطان المصلحة والمال. فالنقد الحقيقي هو في جوهره موقف أخلاقي صارم،يشبه-في تقديري-مهمة الطبيب الحاذق الذي يبحث عن الداء ليداويه،لا الذي يغازل المريض طمعا في أجرته.إنه الجرأة على قول "لا" عندما يستدعي الحق جهرا بها،والالتزام بالدفاع عن الجمال الحقيقي حتى لو كان في قاع النص وحيدا.واستعادة هذه الهيبة المفقودة تتطلب أكثر من تعديل منهجي،فهي بحاجة إلى ثورة أخلاقية شاملة تعيد الاعتبار للضمير قبل المنهج،وللجرأة الأدبية قبل المجاملة الاجتماعية،وللحق في الاختلاف والإفراد بالرأي قبل الانصياع للإجماع الوهمي.فقط عندما نرفض،بوعي جماعي،أن يكون النقد أداة في سوق المقايضات،يمكن أن يعود رسالة تنير الدرب وتحفظ للثقافة نبضها الحيوي وألقها الخلاق،فيصير مرآة صافية تعكس الوجه الحقيقي للإبداع،ومطرقة تشكّله دون خوف أو محاباة.

وهنا أقول: إن الذات التي تدرك عبقرية اللغة وتشكيلها الفني والجمالي،وأنساقها التي تعكس طرائق العقل الجمعي في التفكير والتعبير والمحتوى المعجمي ودلالاتها المشحونة بالمعاني..

هذه التي تدرك ذلك،هي درب الجماعة وصوت الإنسانية،وبالتالي فإن إبداعها اللغوي الفني هو إكتشاف معرفي يأتي بعد مغامرة فيها المعاناة والمتعة مثل الرحالة الذي يخوض المحيط المتلاطم للبحث عن عوالمه الجديدة..

على أية حال،بقليل من التفاؤل وبمنآى كذلك عن التعسفية أو الإسقاطية الذاتية أقول :

إن النقد العربي الحديث قد حقّق بعض النجاحات سوى بتحويل مجموع اجتهاداته إلى “حركة من تيارات” لا مجرد التماعات فردية ،أو بإقترابه الجسور من جوهر التجربة الأدبية المحلية،أو بإلتصاقه الحميم بالطبيعة الخاصة للأدب.و مع ذلك فليست النيات-على طيبتها -هي المقياس أو الحكم في مثل هذه المسألة،بل الفعالية الإجرائية العملية في مقاربة النصوص الأدبية،وهي تتجلى في مدى اتساق المنهج البحثي وملاءمته للعمل الأدبي المتناول،و مدى إقناعه بتماسك طرحه وخصوبة نتائجه ..

و تظل المفارقة في حالة توالد مع الأصوات النقدية الجديدة التي تنحت دربها في الصخر بالأظافر،حتى أنها ” تؤسس لتحويل نقدنا العربي الحديث الى حركة قومية من ناحية وتخصصات نوعية من ناحية أخرى..الأمر الذي يشير ببطء شديد إلى إحتمالات نظرية أكثر شمولا في المدى المنظور..

و أخيرا،فإن التقصير في النقد العربي الحديث ليس خاصا بالنقاد كأفراد،بل كحركة نقدية عربية معاصرة شهدت إشراقات خلاقة على درب الإبداع،منذ فجر النهضة إلى مغيبها.وكل ما أقصده هنا،أننا غدونا نعيش في ظل متغيرات كونية كاسحة تعبق برائحة التحديات،إذ أننا على هذه الأرض في مفرق الطرق بين الإنسحاق خارج التاريخ أو الولادة الجديد في ” ثورة ثقافية ” تصحح التاريخ باشراكنا من جديد في العطاء الحضاري للعالم.وما على النقد الأدبي-كفكر و فن وعلم-الإ أن يكون في مستوى التحدي وفي طليعة هذه-الثورة الثقافية الشاملة-كي يسجّل بحضوره الفعال علامة مضيئة في طريق التحول ومنعطف الإنتقال..

وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي..!


محمد المحسن



نبضة لا تُسمّى بقلم الكاتب سلام السيد

 نبضة لا تُسمّى

إلى تمام الاندماج،

في صيرورة انفراج تشبه شهقة التأوّه،

يتشكّلان في كينونة الانصهار،

حيث يُسمّى الامتلاء انسكابًا،

لا يترك لوقع الأثر حدًّا،

ولا يسمح لصفة أو تعريف أن يستقرّ.


تيه الجوهر

ومعنى الامتداد،

قد يشعل أحدهما الآخر

في هيئة صراخ ونبض مضطرب،

يموج بلذّة الاشتهاء

عند أول انحناءة مشهودة.


أي تسمية يملكها المنطق

حين يتلاشى السؤال

في الأنا وصداه؟


قد ينهض فتيل الهوس المشتعل

إذا لمس الواقع إيقاع القبول مرة أخرى،

فتختل رعشة الحواس،

وتسقط صفة الامتياز.


فلا أنا،

ولا أنت،

بل نضحى معًا

حضورًا واحدًا.


سلام السيد



الحصار والخيانة: جداران يلتقيان على جسد المُقاوم..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الحصار والخيانة: جداران يلتقيان على جسد المُقاوم..!

تصدير:

بين ظلمة النضال ونور الخيانة،يُولد جرح لا يندمل: طعنة القريب الذي يحمل ملامح الوطن. يخرج المُناضل منهكا من مواجهة الموت،ليجد العدو وقد تسلّل إلى داخل بيته،حاملا قيد الخيانة.هذه اللحظة ليست حادثة عابرة،بل هي استعارة قاسية لمرض تاريخي: الغدر الداخلي الذي ينخر في جسد كل مشروع تحرري.

وهنا يتحول الصراع من مواجهة عدو واضح إلى حرب على الهوية والإرادة من الداخل.فجدران الخيانة في الوجدان الجمعي قد تكون أقسى من كل جدران الاحتلال.فهل نستخلص العبر،أم تظل الذاكرة تلد وجعا جديدا مع كل خيانة؟ 

هذا ما نستكشفه في السطور التالية :


بعد عامين كاملين في قبو الأرض،يخرج المقاوم من ظلمة الأنفاق منهك الجسد،مُثقلا بذاكرة الحصار والقتال.يرمق الضوء المنتظر،لا ليُبصر أفق الحرية،بل ليواجه وجها لم يكن في حسبانه: وجه فلسطيني مثله،يلوّح بسلطة مُستعارة ليُكبّله ويُذيَّله بنشوة الغالب.في هذه اللحظة الاستثنائية، تتكثّف كل مآسي الصراع.ليست قسوة المحتل الخارجي فقط هي ما يُجهز على الجسد،بل كذلك خنجر الخيانة القادم من داخل البيت.

هذه اللحظة الفاصلة،والمنفلتة من العقال،ليست مجرد حادثة،بل هي استعارة قاسية لواقع مرير: أن العدو الأول قد يكون في الداخل.!

قصة "الدهيني والعكر"،هي جرس إنذار يدق بعنف،يذكرنا أن صلاح الدين الأيوبي لم يُحرر القدس إلا بعد أن قضى على "الخونة والخائرين والمولعين بالسلطة" في الصفوف الإسلامية نفسها.

-من ظلمة النفق إلى قبضة الخائن: فصول القصة:

تبدأ الرواية تحت الأرض،حيث تتحول أنفاق غزة من مجرد ممرات للتهريب إلى خنادق للمقاومة وملاجئ للمحاصرين.في هذا العالم الموازي، يعيش المقاتلون لأشهر وسنوات.كان أدهم العكر، القائد الميداني في كتائب القسام،أحد هؤلاء الذين حوصروا في أنفاق رفح،ورفضت إسرائيل السماح لهم بالخروج.

بعد صمود يُقاس بالأشهر،خرج العكر جريحا، نحيلا إلى حدّ بعيد،منهكا بعد صراع مرير مع الجوع والعطش والمواجهات.ولكن،بدلا من أن ينتظره محرر أو منقذ،كان بانتظاره غسان الدهيني.

الدهيني ليس جنديا إسرائيليا.إنه قائد مليشيا "القوات الشعبية"،وهي قوات فلسطينية تنشط تحت الإشراف المباشر للجيش الإسرائيلي وتتعاون معه.وقد توعّد الدهيني علانية حركة حماس بمحاكم تفتيش شبيهة بتلك التي عرفتها إسبانيا.

لقطات الفيديو التي نشرتها صفحة الدهيني أظهرت هذا المشهد المأساوي: مقاوم صامد يخرج من معركة وجودية ليُقبَض عليه ويتعرّض للإذلال من قبل ابن جلدته.صورة جسده النحيل بعد صمود طويل لم تُثر إلا السخط،حيث رأى الفلسطينيون والعالم فيها تعبيرا صارخا عن الانهيار الأخلاقي لحلفاء الاحتلال،وحقدا يتجاوز حدود الصراع العسكري.

تبدو لي هذه الحادثة نموذجا مُصغرا لأخطر مرض يُهدد أي مشروع تحرري: الانقسام الداخلي والولاءات المشبوهة.وهنا أشير إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد منذ زمن بعيد على خلق وتغذية وتوظيف نُخب وقوى محلية تتوافق مع مصالحها،لاستخدامها كأداة لتفتيت الجبهة الداخلية وإدارة الصراع بالوكالة.

هذا ما يجعل التهديد الداخلي أخطر،فهو لا يأتي بوجه العدو المُعلن،بل بقناع "الشراكة" أو "السلطة" أو "الواقعية".إنه الخنجر الذي يطعن في الظهر،في لحظة يتجه فيها الجميع لمواجهة الخطر القادم من الأبواب.

في هذا السياق،أستحضر درسا من التاريخ ليُعمّق فهمنا للحاضر.فتحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي لم يكن مجرد نتيجة لانتصار عسكري في معركة حطين (1187 ) فحسب.لقد سبق ذلك مرحلة حاسمة من توحيد الصف الداخلي.إذ،لم يُحرر صلاح الدين المدينة المقدسة إلا بعد أن عمل على توحيد بلاد الشام ومصر تحت قيادته،وقضى على بؤر الخيانة والضعف داخل العالم الإسلامي آنذاك.كانت استراتيجيته تقوم على تكوين جبهة إسلامية موحدة قبل منازلة العدو.بل إن معركة حطين نفسها،التي مهّدت الطريق للتحرير،لم تكن ممكنة دون القضاء على الخونة والمتعاونين الذين كانوا يضعفون الجبهة من الداخل.لقد فهم أن الجبهة الداخلية المتماسكة هي حجر الزاوية في أي انتصار.

لا تروي قصة أدهم العكر وغسان الدهيني معاناة فرد،بل تكشف جرحا نازفا في جسد القضية الفلسطينية.إنها تذكير مرير بأن القوة العسكرية الخارجية،مهما بلغت قسوتها،يمكن للمقاومة أن تتحملها وتصمد في وجهها،كما تظهر تصريحات فصائل المقاومة عن صمودها ووحدة قرارها.ولكن الخيانة الداخلية تُضعف الروح وتُفكك النسيج المجتمعي وتسرق النصر من بين أيدي المجاهدين.

وهنا أقول : إن هذه القصة..ينبغي أن تذكرنا دوما. نعم،يجب أن تذكرنا أن طريق القدس يمر حتما عبر تطهير الداخل من "الخونة والخائرين والمولعين بالسلطة"يجب أن تذكرنا بأن التحرير الحقيقي لا يبدأ بهزيمة العدو عند الحدود فحسب، بل بتحرير الإرادة من الخوف والضعف والانتهازية داخل البيت الفلسطيني أولا.فالعدو على الأبواب قد يُهزم يوما،لكن عداوة الداخل إن استقرت،فهي الهزيمة الباقية.

على سبيل الخاتمة:


الخاتمة:

هكذا،وفي لحظة مُرّة سرقت كل بريق النجاة، ينكسر أفق التحرير على صخرة الخيانة الأكثر قسوة: تلك القادمة من الداخل.ليست ظلمة النفق هي ما يهزم البطل،بل نور النهار الذي يكشف وجه الغدر المُزيّف بوشْمة الأخوة..يسقط الجسد المنهوك،لا تحت قبضة العدو المُعلن،بل تحت نعل السلطة المُستعارة ونشوة الخائن الذي باع روحه ليكون سجانا لأبناء جلدته.

هذه ليست نهاية قصة فرد،بل هي استعارة نازفة لواقع مرير: أن الجرح الأعمق لا يتركه سيف المحتل،بل يحدثه خنجر يُطعن في الظهر،داخل البيت نفسه.إنها ذكرى صارخة بأن المأساة الكبرى ليست في وجود جدار يَفصِل عن الوطن،بل في وجود نفوس تُقيم أسوارا داخل الوجدان الجمعي.

وتظل هذه الصورة المُذلة جرس إنذار يدق في ضمير التاريخ: أن طريق القدس-كما أشرت-لا يُعبّد بالبنادق وحدها،بل بتطهير الداخل أولا من أمراض الخيانة والجَبْن والانتهازية.فالعدو على البوابة قد يُهزَم،لكن الخيانة من الداخل هي الهزيمة الباقية، والجرح الذي لا يندمل.فهل تُستخلص العبرة،أم تظل الذاكرة تلد وجعا جديدا كلما برَقتْ خيانة في ظلمة النفق؟!

 السؤال معلّق في هواءٍ ثقيل،يحمل رائحة الدم والغدر،وينتظر إجابة..


محمد المحسن