السبت، 27 سبتمبر 2025

كسر الصمت بقلم الكاتبة‏ياسمين عبد السلام هرموش

 كسر الصمت 


أفصحتِ اللوحةُ عن صمتها،

‏وخرجتِ المرأةُ من إطارٍ ضاقَ بأنفاسها،

‏كأنّ الألوانَ ملتْ سكونها،

‏فتناثرَ رمادُها بين الضوء والظل،

‏وكانت ملامحًا غارقةً في الغياب،

‏وروحًا مُعلّقةً على جدارٍ أصم،

‏تمشي كطيفٍ لا يُدركه النظر.

‏رأيتُها تميلُ بوجهها نحو خليلها وتقول:

‏سنواتٌ وأنا حبيسةُ هذا السكون،

‏مجرّد ملامح ضائعة في الغبار،

‏حتى مررتَ أمامي كنورٍ يوقظُ جمرة،

‏تأملتَ وجهي الذي لم يكتمل،

‏وغصتَ في عروقي المرتجفة،

‏فخفق نبضي، وصرتُ حيّة،

‏وتفتّحتُ كربيعٍ يُولد من رُكام.

‏هل تعلم أني قبل أن ألقاك

‏كنتُ الغريبةَ الميتةَ الأشواق؟

‏لوني رمادٌ بين بياضٍ حالكٍ

‏وسوادِ ليلٍ مطبقٍ غسّاق

‏حتى أتيتَ، ففاض فجرٌ باسم

‏يسقي جفاف الروح بالأحداق

‏أيقظتَ فيّ امرأةً منسيّة

‏ضلّت سنينًا بين تيهٍ شاق

‏وتفتّحت أزهارُ عشقٍ بائدٍ

‏بعد الجمود، كخضرة الأوراق

‏أحببتُك الحبَّ الذي لا ينتهي

‏كالنجمِ لا يخبو مع الإشراق

‏ما عاد قلبي يُبصر الدنيا سوى

‏عينيك، رغم النوى ورغم الفراق

‏ورغم عيونِ الحاسدين وغيرتِهم

‏أبقى على العهدِ الجميل أُلاك

‏أنا حرفٌ يذوبُ إذا مررتَ،

‏وريحٌ تهدأُ إن مسَّها نداكَ.

‏كأنَّ عمري قبلكَ كان سرابًا،

‏فجئتَ لتمنحني صدقَ هواكَ.

‏فخذني، فما لي بعدكَ وطن،

‏وما لي مأوى سوى حضنِ ثراكَ.

‏كأنني ما خُلِقتُ إلّا لأكونَ لكْ،

‏وما سكنتُ الحياةَ إلّا بسكنِ هواكْ.

‏ياسمين عبد السلام هرموش 🇱🇧



جذبة السكون بقلم الكاتب سلام السيد

 جذبة السكون


هدهدة الليل كأنغام المجذوب،

بصدى الأرواح، لذكره يصحو وقع الرنة،

اشتياقًا لمحرقته،

فلا الحضور يمنعه إن شاء 

بقوس الصعود عروجًا،

ولا في غياب الكل عنه وحشة.


أول الحب بين كفتي بسملته،

وختامها السر، حضوره.


سلام السيد



قداس الهطول بقلم الكاتبة سعيدة شباح

 قداس الهطول

أيها الورد الذي أضناه الذبول 

شاحبا صرت على مر الفصول

مثل قلب شاخ من قبل الأوان 

لم يعد للملذات يميل

أيها الورد الذي كنت أسقيه بدمعي

فإذا جفت دموعي و شكا القلب العليل 

ذبل الحلم و صار في لون الرماد

و بكى الورد من ظلم و هول

أيها الورد تمهل و أنتظر 

 أوبة الشمس و قداس الهطول 

أنتظر صحوة الروح تعود للحياة 

ياسمينا و أشجار نخيل 

إنتظر قطرة ماء تجيء تكشف

ما حسبناه ذات يوم مستحيل 

إنتظر زفة الفجر و عمرا يولد 

لا ضياء يأتي إلا بعد ليل


سعيدة شباح



قبلات الأمل بقلم الكاتب مصطفى سريتي

 قبلات الأمل

قبلات الشباب قد ضاعت و تلاشى الأمل


وحلت وداعات القلوب جهارا عوض القبل


فتعالت لغاة الخديعة غلابا بفستان الحيل 


أضحى لزوما تشييد جسور يعتليها الفشل


زمن عمت فيه الخبائث فكثرت فيه العلل


فتوارى الإصطبار فينا وانقضى عنه الأجل 


ضرير كنت أجاريك صبرا ولا أطيق العجل


كفيف عفيف أنا عذب اللسان غزير الخجل


جواد حر صبور سمح الفؤاد أخشى الكسل


أبيت من على هذب الورود نديا مثل الطلل


و أصحوا بشوشا بوجه مليح كزرقاء المقل


فإن تهت عنه يوما يقينا قد أصابني الحول


سأجوب جل الميادين عنه بحثا و دون كلل


فأزحف على ركبي مغلوبا ولو صار بهما شلل


هذا حال قلبي دوما صعب المران كثير العلل


فكيف لمغلوب سيبقى عاشقا لها مهمى حصل


فلولى آجالي لقيل عني مثل ذاك المصاب الجلل


وكل هذا ليس بعيب لداتي و لا بالوباء و لا الخلل


و لكن بالصبر كأيوب يكفيني لأعيش إلى الأزل.


مصطفى سريتي


 المغرب



مرت السنوات بقلم صالح مادو

 مرت السنوات

بقلمي: صالح مادو


مرت السنوات

وجُبتُ مُدنًا عديدة

هربًا... وخوفًا

كي أُحقق

ما في خيالي

من أحلامٍ حلوة.


رحلتُ...

ولم أتصور

أن الأولى...

لن تكون الأخيرة.


جُبتُ مدنًا وبلدانًا،

وشاهدتُ

السهول والجبال

والبحار...


لكن لم أُدرك

أن ما أطمح إليه

كان قريبًا،

فوق سنبلة قمحٍ أمامي في السهل،

وفي شجرة تينٍ

فوق الجبل المنيع


عندما يتخطى الرسام حدود الإبداع بقلم الكاتب طه دخل الله عبد الرحمن

 عندما يتخطى الرسام حدود الإبداع

هُوَ ذَا الْفَنُّ الْخَالِدُ.. لَيْسَ رَسْمًا يَتَعَلَّقُ بِالْقِمَشَةِ وَالأَلْوَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَفَسٌ سَاجِدٌ بَيْنَ يَدَيِ الْجَمَالِ الأَعْظَمِ. يَأْخُذُ الرَّسَّامُ الْقَلَمَ، لَكِنَّ الْيَدَ تَرْتَعِشُ فَالرُّوحُ قَدْ سَبَقَتْهَا إِلَى الْعَالَمِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ.

يَبْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ بِخَطٍّ أَوْ بُقْعَةِ ضَوْءٍ. ثُمَّ تَأْتِي اللَّحْظَةُ الْمُقَدَّسَةُ، حِينَ يَسْكُتُ الْعَقْلُ، وَتَتَنَحَّى الْحِكْمَةُ الْبَشَرِيَّةُ جَانِبًا. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَا يَكُونُ الْفَنَّانُ سَيِّدَ الْعَمَلِيَّةِ، بَلْ أَدَاةً طَيِّعَةً بِيَدِ سِرٍّ عَظِيمٍ. تَتَحَوَّلُ الْفُرْشَاةُ إِلَى جَنَاحِ مَلَكٍ، يَنْقُلُهُ بَيْنَ عَوَالِمَ لَا تُرَى. يُصْبِحُ اللَّوْحُ مِرْآةً لِرُوحِ الْكَائِنَاتِ، وَالنَّقْشُ عَلَيْهَا هُوَ تَرْجَمَةٌ لِهَمْسِ الأَنْفُاسِ وَصَمْتِ الأَحْلَامِ.

عِنْدَهَا.. لَا يَرْسُمُ بِالأَلْوَانِ، وَإِنَّمَا يَسْكُبُ عَلَى الْقِمَشَةِ ضِيَاءَ الْفَجْرِ، وَعُصَارَةَ اللَّيْلِ، وَحَنِينَ الْقُلُوبِ الْعَطِشَةِ. يَرْسُمُ صَمْتَ الْوَحْدَةِ وَضَجِيجَ الْوِجْدَانِ. يَرْسُمُ الْوَقْتَ وَهُوَ يَتَجَمَّدُ فِي لَحْظَةِ خُلُودٍ.

فَإِذَا بِاللَّوْحَةِ تَتَحَدَّى الْوُجُودَ نَفْسَهُ، لَيْسَتْ صُورَةً لِشَجَرٍ وَسَمَاءٍ، بَلْ هِيَ ذَلِكَ الشَّجَرُ وَتِلْكَ السَّمَاءُ قَدْ وُلِدَتْ مَرَّةً أُخْرَى، بِنَسِيجٍ مِنَ الْغَيْبِ. الْحَبَّةُ فِيهَا تَنْبُضُ، وَالنَّهْرُ يَجْرِي حَقًّا بَيْنَ أَزْهَارِهَا، وَالْعُيُونُ الْمَرْسُومَةُ تَنْظُرُ إِلَى نَفْسِكَ بِعُمْقٍ يُزْعِجُ الرُّوحَ.

هَذَا هُوَ تَخَطِّي حُدُودِ الإِبْدَاعِ.. أَنْ تَخْرُجَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِحَاكَةِ وَالتَّقْلِيدِ، إِلَى فَضَاءِ الْخَلْقِ الْجَدِيدِ. أَنْ تَمَسَحَ الْحُدُودَ بَيْنَ الْحُلْمِ وَالْحَقِيقَةِ، حَتَّى يَصِيرَ الْخَيَالُ هُوَ الْأَصْلَ، وَالْمَرْئِيُّ هُوَ الظِّلُّ. هُوَ أَنْ تَصْنَعَ مِنَ الْجَمَالِ دِينًا، وَمِنَ اللَّوْحَةِ مَعْبَدًا يَسْجُدُ فِيهِ كُلُّ مُشْتَاقٍ إِلَى نُقْطَةِ النُّورِ الَّتِي وُلد مِنْهَا الْكَوْنُ.

فَإِذَا مَا اكْتَمَلَتِ اللَّوْحَةُ، وَوَضَعَ الْفَنَّانُ فُرْشَاتَهُ أَخِيرًا، يَقِفُ خَاشِعًا كَطِفْلٍ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِوَقَارٍ وَخُضُوعٍ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِوَى قِنِّيْنٍ أَمِينٍ، نَقَلَ رِسَالَةً مِنَ الْعَالَمِ الْأَعْلَى، لَمْ تَكُنْ مِنْ صُنْعِ يَدِهِ، وَإِنَّمَا مِنْ هِبَةِ رُوحِهِ.

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل

27/09/2025



صوت القصائد بقلم الكاتب نصيف علي وهيب

 صوت القصائد

.. 

لا تكتبُ العنادل 

قصائدها

نسمعها تغريدا

كذلك الورود

تتمايل ألوانا

وإلى الأنفاس

تتطايرُ عطرا

نحن من نكتب

والروح

على بغداد

تحلق

... 

نصيف علي وهيب 

العراق



عند الفقد بقلم الكاتب سعيد إبراهيم زعلوك

 عند الفقد


عندَ الفَقدْ،

يَثقلُ الوقتُ حتى يَكادْ،

ويَغدو كَصَخرٍ يَجرحُ صدرَ الجَوادْ،

ويَزحفُ فينا كأوجاعِ صَمتٍ طِوالْ،

ويُوقِظُ فينا الحَنينْ.


عندَ الفَقدْ،

لا يَغيبُ الأحبّةُ كُلّهمُ،

ففي زَوايا البيوتِ يَنامون،

في رائحةِ الكُتبِ العَتيقةِ يُقيمون،

وفي فِنجانِ قهوةٍ لم يَبرُدْ بعدُ،

وفي نَجمةٍ لا تَغيبْ.


عندَ الفَقدْ،

نَعلمُ أنَّ الغيابَ خِداعْ،

وأنَّ الأرواحَ لا تَعرفُ البُعدَ،

تَجيءُ إلينا كحُلمٍ رَقيقْ،

وتَضحكُ فينا كصَوتِ الصدى،

وتَسكُنُ بينَ الضُّلوعْ.


✍  سعيد إبراهيم زعلوك



مشتاقون بقلم د. محفوظ فرج المدلل

 مشتاقون 


مشتاقون

قالتْها وتوارتْ عَنّي

فرَوَتْ لي العصفورةُ 

أنَّ تواريها عن قصدٍ

كي توقظَ فيكَ الشجنَ الضاربَ

في الأعماقِ

تَدعْكَ تَذَكَّرُ كلَّ لقاءٍ 

كنتَ تغازلتَ بهِ معها

تَتَذكَّرُ حسنَ مُحَيّاها 

حينَ يرفرفُ قلبُكَ

كالطائرِ وهو يحومُ 

على هالاتِه

تحضرُ قدّامَك الحاظٌ

 من عينينِ هما أحلى من لونِ عسَل 

النحلِ 

به حرقةِ لونٍ أسودَ كنتَ تدقِّقُ

في إيِّ عوالمَ ترحلُ فيكَ

لا تدري الا بعد تَبسُّمِها

يرسو مركبُكَ الغاطسُ على

أطرافِ الهدْبِ

رَوتْ لي العصفورةِ

أنَّ تواريها 

من بعدِ ال(مشتاقونَ )

سيورثُ فيضاً من أحرفِكَ المحمومةِ

تلهجُ  فيها مثل المجنونةِ

تمسكُ أعماقُ مخارجِها 

 أطرافَ الأرْدانِ وتغطسُ 

في عَبقِ اليسمينِ النائمِ 

يبن الثوبِ وبين بياضِ الساعدِ

أتَذَكَّرُ أنّا منذُ تلاقيْنا 

في بَريّة سامراء

عَرَفَتْ روحانا أنّا من عهدِ سلالةِ أكدٍ

نعشقُ بعضَيْنا 

وبقينا متَّحديْنِ 

إلى أنْ زحفَ الرومانُ 

طغاةُ القرنِ الواحدِ والعشرين

فَتفرَّقْنا 

وشعرتُ على كِبَرٍ أنّي أبحثُ عنّي

في زحمةِ أشتاتٍ أودى فيها

الخَرّاصون وجمعُ المرتزقة

لكنْ ظَلَّتْ قامتُكِ الحنطيّةُ

باسقةً كنخيلِ البصرةِ 

تَمْثُلُ لي في الحاراتِ المأسورةِ

حتى العودةِ للبريّةِ  لا يمكنُنِي رؤيتها !

وُضِعَتْ أسلاكٌ شائكةٌ 

تَمتدُّ على طولِ الدربِ إليها

أين أراكِ ؟

 وحلبُ الشهباءُ عليها سورٌ فولاذي 

في شحّات ؟

وشحاتُ تمادى فيها

من لا يعرفُ طيبةَ أهليها 

لن ألقاكِ إلى أنْ يرتَدَّ 

المندسونَ يجرّونَ ذيولَ الخيبة


د. محفوظ فرج المدلل



امنيات عم فتحي لمحمد مطر عامية مصرية

 امنيات عم فتحي

لمحمدمطر 

عامية مصرية


سألت عمي فتحي إيه احلى الاماني قال لي عاوز أفطر حبتين فول مدمس هي دي أقصى الاماني


وكمان اتغدى حتتين لحمةفي الحلة بدمعةحمرة وشوية رز مفلفل من بتاع زمان  وأعزم اي حد جاني


أنا مش عاوز شاوزمة ولا باتيه ولا برام حتى اورمه هي اللحمة بدمعة دي  مكفياني


انا مش عاوز البتاع اللي بيقولوا عليه فليتو ولانيفة ولا حتى ريشة  من كبش ضاني


هي ياعم اللحمة بقت بكام النهاردة 

اصلي من زمان من زمان الميزانية عنها مبعداني


نفسي يكون عندي ديك يكركر لما الفجر يحضر ولوجاني ضيف ادبحه واحطه مكتف عالصواني


عاوز أحطب ومراتي تزرغت لما ابني يتجوز الحلوة بنت جارنا ويكون بالجوازة الاولاني


نفسي في حبايةغلة من صلب ضهر غيطنا ومتكونش جاية من عند اللي بيسموه مستر فولاني


وعاوز اشرب شوية ميه حلوة في قلة من بتاع زمان ومش عاوز من الدنيا حاجه تاني


عاوز لما اروح لجارنا يعزم علي بقلب

وملاقيش حالته زفت زيي وكمان  عمال  يعاني


نفسي لما أمشي في الشارع ارفع دماغي لفوق وكاني مش من الديانة ماشي جاني


ونفسي اسدد ديوني اللي مخلياني اطاطي راسي بين الناس لو مشيت لوشي مسوداني


وعاوز اروح اصلي وانا بالي مع الله  ومش مشغول لما يرفع المؤذن ليه في صوت أداني


نفسي أكل نفسي اشبع نفسي ما أوفر لقمة لابني لان الأكلة دي مش

مكفياني


ونفسي لما اقف احاسب ما اعد  فلوسي اصلي خارج وعامل حسابي ولقيت السعر تاني


ونفسي ونفسي ونفسي لكن الظرف الزفت مش هي اللي مخلياني


نفسي لما أمشي اعوج طاقيتي وأبين قصتي ويقولوا مش ده عمي فتحي المعجباني


نفسي اضحك نفسي اكرر لما مصلحي جارنا يقولي نكتة وتكون في ضحكي مسخسخاني


قلت له والله ياعم فتحي انازيك ظروفي هباب والحياة على نومي حتى مش مهنياني


سلام ياعم فتحي والزمن ياعم فتحي داس علينا هو اللي أندلس عليه يصحى تاني


سلام ياعم فتحي


محمد مطر


عويل الذئاب.. بقلم:حميد النكادي.

 عويل الذئاب..

بقلم:حميد النكادي..

 

سُمِع عويل 

الذئاب بوادينا

صاح الديك فجرا 

يوقظ اهالينا

هلموا قبل

 أن تَنهش

أنيابهم مواشينا 

أم استسلمتم 

 للنوم وقلتم 

ليس ذاك

 في وادينا

من فيكم 

يخرج يوافينا 

بخير يقين من 

شرهم ينجينا؟

الذئاب الجائعة 

إن طافت بنا

فسلام على 

ابينا واخينا

ذئاب فوق 

الربوة هناك 

تتحين اللحظة 

تنقض لتفنينا 

يا أمة النعاج

أليس فينا 

من يحمينا ؟

تبولوا علينا

ولا تحرك راعينا...

فرنسا 27/09/2025


 


تحليل القصيدة بالتفصيل، مع التركيز على الاستعارات والمعاني الرمزية: ​تحليل قصيدة "عويل الذئاب" ​تدور القصيدة حول صراع وجودي بين جماعة ضعيفة مهددة (يرمز إليها بـ النعاج والأهالي) وبين خطر داهم وقاتل (يرمز إليه بـ الذئاب الجائعة). إنها صرخة غضب واستنهاض تنتقد بشدة الخمول والجبن وفشل القيادة. ​1. الإحساس بالخطر والإنذار (الذئاب والديك) ​الذئاب الجائعة ({عويل الذئاب بوادينا}): هي الرمز الأساسي للخطر المحدق، الجشع، والقوة العدوانية التي لا ترحم. كلمة "عويل" تُضفي جواً من الرعب والتهديد القريب. كما أن وصفها بـ "الجائعة" يؤكد أن هدفها هو الاستهلاك والفناء. ​صياح الديك ({صاح الديك فجرا يوقظ أهالينا}): يمثل النداء العاجل للوعي والتحرك. الديك هنا هو ناقوس الخطر الذي يدعو إلى ترك سبات الغفلة قبل فوات الأوان. ​الهدف الواضح للذئاب {أن تَنهش أنيابهم مواشينا}): يؤكد على أن الخطر موجه ضد مقدراتهم وأمنهم المعيشي (المواشي)، مما يهدد بقاءهم. ​2. نقد التخاذل والتهرب (الأهالي) ​دعوة الاستنهاض ({هلموا قبل أن تنهش...}): نداء يائس للمواجهة والتحرك الجماعي. ​الاستسلام والنكران ({أم استسلمتم للنوم وقلتم ليس ذاك في وادينا}): هنا ينتقل الشاعر من وصف الخطر إلى نقد ردة الفعل الباردة للجماعة. يُهاجم الإنكار والتسليم السلبي للقدر، وكأنهم يختارون الموت وهم نائمون. ​البحث عن القائد ({من فيكم يخرج يوافينا بخير يقين من شرهم ينجينا؟}): يكشف هذا البيت عن غياب القائد الفعلي أو عن الشعور باليأس من القدرة على المواجهة الذاتية، فيبحثون عن "بشير" أو مُنقذ. ​3. ذروة الغضب والمرارة (أمة النعاج والراعي) ​الذئاب في وضع الاستعداد ({ذئاب فوق الربوة هناك تتحين اللحظة تنقض لتفنينا}): يصور هذا المشهد الخطر كأنه مُتربص ومُخطط، ينتظر اللحظة المثالية للانقضاض النهائي ({لتفنينا}). ​وصف المجتمع بـ "أمة النعاج" ({يا أمة النعاج أليس فينا من يحمينا؟}): هذا هو أقوى وأقسى رمز في القصيدة. النعاج هي رمز الضعف، الخنوع، وعدم القدرة على الدفاع عن النفس، التي تُقاد نحو مصيرها. الشاعر هنا يصف الجماعة بأسلوب تحقيري لشدة غضبه من خمولهم. ​فشل الراعي (القيادة) ({تبولوا علينا ولا تحرك راعينا}): يُعد هذا البيت بمثابة خاتمة صادمة ومؤلمة لتصوير العجز. ​عبارة "تبولوا علينا" هي تعبير عامي عن قمة الإهانة والتحقير من قبل الأعداء. ​"ولا تحرك راعينا" يوجه الاتهام المباشر إلى القيادة أو المسؤول (الراعي) الذي فشل فشلاً ذريعاً في حماية رعيته، وبقي ساكناً ومتبلداً أمام هذا الإذلال المُطلق. ​الخلاصة ​القصيدة هي صرخة شاعر يشعر بالخطر الداهم وبأن الكرامة الوطنية أو الجماعية قد دُنست، وأن السبب الرئيسي لهذه الكارثة هو تخاذل الشعب (النعاج) وفشل قيادته (الراعي) في القيام بواجبهما. إنها دعوة مُرّة للانتباه قبل أن يصبح البقاء مجرد "سلام على أبينا وأخينا".


تجربة مريرة بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا

 تجربة مريرة


قضيت ليلة ليست هادئة ولا هي هانئة في فندق كذا نجمة تحت الصفر - لم أعد أذكر اسم ذاك الفندق و أظنه كان في ساحة المرجة بدمشق -


و في صبيحة اليوم الثاني من ذلكم التاريخ لملمت أشلائي [ أشلائي ولا أقصد أشيائي ] من الفندق متوجها نحو مركز انطلاق الباصات في العباسيين و هناك صعدت باصا متوجها نحو حمص و أعلمت المعاون أن وجهتي هي النبك فقط و طلبت منه إعلامي حالة وصولنا إلى هناك لأنني لست أعرفها


كان الباص قد تخطى منطقة النبك بما يقرب من خمسمائة متر حين سألني السائق المعاون قائلا: ألست الذي وجهتك النبك؟ قلت: بلى. قال ها نحن قد تجاوزنا النبك، ثم التفت إلى السائق و طلب منه التوقف، الذي ما لبث أن تمهل بعد مئة أخرى و من غير أن يتوقف تماما رأيتني أندفع للنزول و هذا ما جعلني أسقط أرضا، فتراكض ركاب الباص نحو النوافذ لمعرفة ما جرى لي، لكنني تمالكت نفسي و استقمت واقفا و أشرت للباص أن ينطلق و انطلق الباص، و شعرت بعدها أن شيئا ما يسيل من جبيني، تحسسته بيدي فكان دما نازفا


كم أنا تعيس اليوم ؟ هذا ما قلته في نفسي و أنا أمسح بيدي ذاك الدم النازف و أنا أسير ببطئ عائدا نحو مركز تجمع النبك الذي كنت قد ابتعدت عنه أكثر من ستمائة متر بحكم عدم معرفتي بأبجديات سفري هذا


كانت الساعة قد تخطت الواحدة ظهرا و الشمس قد أحرقتني حين وصلت إلى الباب الرئيسي الذي ضم بضع عناصر من الشرطة العسكرية، اقتربت من أحدهما مترددا، سألته 

عما يتوجب علي القيام به من إجراءات باعتباري أحمل مهمة الالتحاق بمركز التجمع، أجابني بجلف و بطريقة لم أكن اعتدت عليها من قبل و طلب مني أن أتوجه إلى الذاتية على يمين الطريق بعد مئة متر و هناك أسلم مهمتي و أستلم لباسا عسكريا و ما يتبع ذلك من مهمات


و بالفعل انطلقت نحو الجهة التي أشار علي بها ذاك العنصر من الشرطة العسكرية، و انتهي بي الأمر إلى مجند وضع كرسيا خارج غرفة لا تشبه الغرف التي يسكنها أبناء المدينة و كان هذا المجند قد حمل بيده منقاشا و مرآة فهو يقتلع بضع شعرات من حاجبيه !! [ كان ذاك العمل عند أهل المدينة هو من الأعمال المعيبة بالنسبة للرجال ]


و من غير أن ينظر إلي ذاك المجند، سألني دونما مبالاة منه بي، قائلا: نعم ؟


- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 


إشراقة شمس 76


كم مضى من العمر..وجع يتلألأ في تسابيح العيون..؟! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 كم مضى من العمر..وجع يتلألأ في تسابيح العيون..؟!

الإهداء:.إلى..تلك المنبجسة من اختلاجات العزلة ..والمطلة على مهجة القلب..من خلف نوافذ الرّوح


عتمات الغروب،لها صمتها،يفيض به الصبر

حين يحطّ على ليل 

أوجاعنا..

فنبلّل المدى بالصلاة..نعلن عشقنا للرّيح

والإنتماء..

ونردّد لغة لم تبح بسرّها

كلّ المرايا..

***

ها هنا،يمتشق الوجد..

غيمة للهدى

ويرسي على ضفاف المدامع..

                       فتمضي بنا

على غير عادتها..

الأغنيات

آه من الرّيح تنوء بأوجاعنا المبكيات..

وتسأل الغيم..عسى يغسل 

رغبتها..بالندى..

عسى ينتشي البدر،ويعزف أغنية

يبتغيها..الصدى

فيضيء الصمتُ البيوتَ..

كي ننام عل ليل أوجاعنا..

نبكي الحصار..

       وما أفرزته الخطايا

وما لم تقله المساءات للرّيح..

        ووما وعدته الرؤى

برغيف،لم ينله الحصار..

كم لبثنا هنا..! 

لست أدري..؟!

وكم أهملتنا الدروب

وتهنا في أقاصي التشرّد

وكم مضى من العمر..

وجع يتلألأ في تسابيح العيون..

وكم ألقت علينا المواجع من كفن..

كي نعود إلى اللّه 

وفي يدينا حبّة من..تراب

وطين يشتعل في ضلوعنا..

      وزززولا يعترينا العويل..

***

آه من زهرة أهملتها الحقول..

وضاع عطرها

           ويتضوّع بين الثنايا..

كما لو ترى،العنادلَ تمضي لغير أوكارها..

في المساء

تهدهد البحر كي ينام على سرّه

كي تنام النوارس 

على كفّه

قبل أن يجمع أفلاكه للرحيل..

***

  وها هنا في هدأة الليل

       نلهث خلف الرغيف

نعانق الصّوت 

والصّمت..

ويمضي بنا الشوق

والأمنيات تمضي..

   إلى لجّة الرّوح

كي لا يتوهّج الجوع فينا..

لماذا أهملتنا البيادر

 ووهبت قمحها للرّيح..؟!

لمَ لمْ تجيء الفصول بما وعدتنا به

وظللنا كما الطفل نبكي-حصار المرارة-

-حصار الرغيف-

        وووألغتنا المسافات من وجدها..

حتى احترقنا

وضاع اخضرار العشق من دمنا

فافترقنا..

تركنا زرعنا..

في اليباب

تركنا الرفاق..

ربّما يستمرّ الفراق

 طويلا

وربّما يعصرنا الحزن والجوع

والمبكيات..

ألا أيّتها الأرض..اطمئني..

     سينبجس من ضلعك

النّور.. 

والنّار

ونعمّق عشقنا في التراب..

فيا أيّها الطير..

يا طائر الخبز تمهّل

ولا تسقط الرّيش 

            من سماء الأماني

سنبقى هنا..نسكن الحرفَ..

نقتل الخوفَ..

ونبحث فينا عن الشّعر..

ونبلّل قمحنا

بالعناق

ونرى اللهَ 

                            في اخضرار الدروب

فكم رعشة أجّجتها المواجع

 في الضلوع

وهجعت على غير عادتها..

الأمسيات...؟!


محمد المحسن



ما ضام مقدام بقلم الشاعر منصور العيش

 ما ضام مقدام

أين الكروم و العناقيد الصحباء 

يا رب و أين الخيرات و الثراء 


و أين السواقي  الناشد خريرها 

و أين البساتين و الغلال النعماء 


و أين الولدان  و صخب مرحهم

و أين العرائش و ظلالها الرحباء 


لا الآبار أضحت متدفقة وديانها 

و لا الأرض  أينع زرعها المعطاء 


أرض ما خاب حارثها و ساقيها 

و من نيران العدى ترى قحطاء 


جنى على البقاع قصف شنيع و

هو للعدو ضغائن و غلائل شنعاء 


قد توهج  لهيب قصفه من عل 

فصاحبه تلف  و تهجير و جلاء 


ساعات العسر قد توالت أعواما 

فجفت المآقي  و ما  خف الفداء 


الأكباد مكلومة و الضمائر ثائرة 

و العود للديار ما فقد منه رجاء 


صامد هو النضال الضاري  على

وطن للذود عن بقائه وجب الوفاء 


أنتركه يضيع منا و نحن عصب 

إن وحدت غايتها ما هضم لها بقاء 


الزعامات تفوهاتها  قد احتشمت 

مذ خانتها الأنفة و العزة و البلاء 


التوعد إن لم تعضضد العزائم 

أدركته مذلة و زوال  و إمحاء 


لولا نخوة تواكبها روح الجهاد 

ما انبرى للصد حماة شداد أكفاء 


الجذور إن من مغارسها استلت 

أصابها تلف يقين و يباس و فناء 


ها مجازر شعوب الهنود لها عود 

في الشرق و الأعين عنها عمياء 


و إبادة أهل البوسنا غير بعيدة 

أوما منها تؤخذ العبر يا أشقاء ؟


المنية إن حصحص أوانها قلادة 

لكل ابي  التحرير  غايته الشماء 


       منصور العيش 

       إستبونا

              20 - 09 - 25


*(( قِصَّة قَصيرَة )):* *((دَهالِيزُ كُشْكِ الأُدَباء))* بقلم الكاتب (مصطفى الحاج حسين).

 *(( قِصَّة قَصيرَة )):*

*((دَهالِيزُ كُشْكِ الأُدَباء))*


(مصطفى الحاج حسين). 


*الدَّهْلِيزُ الأَوَّلُ.*


أَنا تَعرَّضتُ لِلسَّرِقَةِ، لِلأسَفِ الشَّدِيدِ، وَلا أستَطِيعُ أَنْ أَتَّهِمَ أَحَدًا مِنكُمْ.. لأنَّكُمْ أَحِبَّتِي، وَأَنَا أَثِقُ بِكُمْ جِدًّا.. لا أَحَدَ مِنكُمْ غَرِيبٌ عَنِّي، فَأَنتُمْ إِخوَتِي وَأَصدِقَائِي،  

وَأَعرِفُ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَنِي، وَلا يُمكِنُ لِأَحَدٍ مِنكُمْ أَنْ يَغْدِرَ بِي، وَيُطاوِعَهُ قَلبُهُ عَلَى تَحطِيمِي، وَالتَّسَبُّبِ بِدُخُولِي السِّجنَ بِتُهمَةِ النَّصبِ وَالاحتيَالِ، وَيُسِيءَ لِسُمعَتِي أَمَامَ النَّاسِ، وَخُصُوصًا أَمَامَ رِفَاقِي فِي الوَسَطِ الأَدَبِيِّ الَّذِي أَنتَمِي إِلَيهِ.. وَأَنتُم تَعرِفُونَ أَنَّ رَأسَ المَالِ الَّذِي أَعمَلُ بِهِ، لَيسَ لِي.. فَهُوَ أَمَانَةٌ عِندِي، أَعطَانِي الدُّكتُورُ نُقُودَهُ بِهَدَفِ التَّشغِيلِ، فَهُوَ يَستَفِيدُ، وَأَنَا أَستَفِيدُ، وَأَنَا بِدَورِي أَمَّنتُ لَكُم فُرصَةَ عَمَلٍ مُرِيحَةٍ، بِأُجُورٍ جَيِّدَةٍ.. الآنَ، مَاذَا يُمكِنُنِي أَنْ أَفعَلَ؟!.. كَيفَ سَأُوَاجِهُ الدُّكتُورَ؟!.. كَيفَ أُقابِلُهُ؟!.. وَماذا أقولُ لَهُ؟!.. هَلْ أُخبِرُهُ أَنِّي سُرِقْتُ؟!.. وَهَلْ سَيُصَدِّقُنِي؟!.. وَطَبعاً سَيَسألُنِي:*


*- مَنِ الَّذِي سَرَقَكَ؟!*


ماذا سَأُجيبُهُ؟!.. وَأَنتُم كُلُّكُم مَحسوبُونَ عَلَيَّ، أَي أَنتُم جَميعُكُم مِن طَرَفِي.. هُوَ لَمْ يَخْتَرْ أَيَّ واحِدٍ مِنكُم.. بَلْ هُوَ لا يَعرِفُكُم، وَلا يَتَعرَّفُ عَلى أَيِّ واحِدٍ مِنكُم.. هُوَ يَعرِفُنِي أَنا فَقَط.. أَعطى نُقودَهُ لِي.. لِأَنَّهُ كانَ يَثِقُ بِي، وَيُرِيدُ لِي الخَيرَ.. فَقَدْ سَحَبَ مِنَ البَنكِ ما كانَ قَدْ أَودَعَهُ، وَهِيَ حَصِيلَةُ شَقَاءِ عُمرِهِ، فِي التَّدريسِ بِالجّامِعَةِ، وَتَأليفِهِ الكُتُبَ، وَنَشاطِهِ الثَّقافِيِّ الكَبيرِ.


كُنتُ مُمَيَّزاً عِندَهُ، كانَ بِمَثابَةِ الأَبِ لِي.. شَجَّعَنِي عَلى الكِتابَةِ، مَدَّ يَدَ العَونِ لِي.. سَلَّطَ عَلى مَوهِبَتِي الأَضواءَ.. مَنَحَنِي الجَوائِزَ القَيِّمَةَ.. قَرَّبَنِي مِنهُ، وَأَنا الَّذِي لا يَحمِلُ الوَثِيقَةَ الإِبتِدائِيَّةَ.


بَلِ الْمِئَاتُ مِمَّنْ يَحْمِلُونَ الشَّهَادَاتِ الْجَامِعِيَّةَ،  

وَالْمَاجِسْتِيرَ، وَالدُّكْتُورَاه.


كُنْتُ مَحْسُودًا مِنْ قِبَلِ أَغْلَبِيَّتِهِمْ، بِسَبَبِ اهْتِمَامِهِ وَرِعَايَتِهِ وَحُبِّهِ لِي.


فَمَاذَا أَقُولُ لَهُ الآنَ؟!..  

وَأَنَا عَلَيَّ، فِي كُلِّ مَطْلَعِ شَهْرٍ، أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَيْتِهِ،  

وَأَدْفَعَ لَهُ أَرْبَاحَهُ.. فَإِنْ أَخْبَرْتُهُ، سَيَقُولُ:


- أَنْتَ وَحْدَكَ الْمَسْؤُولُ عَنْ عُمَّالِكَ، فَهُمْ جَاءُوا مِنْ قِبَلِكَ، وَهُمْ إِخْوَانُكَ، وَأَقْرِبَاؤُكَ، وَأَصْدِقَاؤُكَ..  

وَلَا دَخْلَ لِي بِهِمْ.. أَنَا أَعْرِفُكَ أَنْتَ، وَسَنَدُ الْأَمَانَةِ

، أَنْتَ مَنْ وَقَّعَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُحَامِي.


وَرُبَّمَا يَسْأَلُنِي:


- بِمَنْ تَشُكُّ؟!


فَبِمَاذَا أُجِيبُهُ؟!


أَنَا لَا أَشُكُّ بِأَحَدٍ مِنْكُمْ..  

مُسْتَحِيلٌ أَنْ أُفَكِّرَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.. فَأَنْتُمْ أَعِزَّاءُ، وَجَدِيرُونَ بِثِقَتِي.. وَلَكِنْ، كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْهِ؟!


سَتَكُونُ فُرْصَةً عَظِيمَةً لِمَنْ يَحْسُدُونَنِي  

لِيَتَحَدَّثُوا عَنِّي، خَاصَّةً لِمَنْ لَمْ يُحَالِفْهُ الْحَظُّ،  

وَلَمْ يَفُزْ بِالْجَائِزَةِ الْعَرَبِيَّةِ

الَّتِي نِلْتُهَا أَنَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.. فَقَدْ جَعَلَتْ كَرَاهِيَتَهُمْ لِي تَزْدَادُ وَتَتَفَاقَمُ.. وَالآنَ، صَارَ لَهُمْ مُمْسِكٌ عَلَيَّ، سَوْفَ يُلَطِّخُونَ اسْمِي الَّذِي تَعِبْتُ عَلَيْهِ كَثِيرًا،  

وَيَنْسِبُونَ لِي أَقْذَرَ الصِّفَاتِ وَأَبْشَعَهَا.. خاصة (الشعرور أبو طاهر)،

ومِنْهُمْ مَنْ سَيَجْعَلُ مِنِّي (زِيرَ نِسَاءٍ)، وَبَعْضُهُمْ سَيُؤَكِّدُ بِأَنَّنِي أَلْعَبُ الْقِمَارَ،  

وَأَتَعَاطَى الْخَمْرَ، أَوْ رُبَّمَا الْمُخَدِّرَاتِ.. أَوْ أَنَّنِي قُمْتُ بِإِخْفَاءِ النُّقُودِ، ثُمَّ ادَّعَيْتُ خَسَارَتَهَا.


وَأَنَا لَيْسَ بِمَقْدُورِي الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِي.. وَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُوَجِّهَ تُهْمَةَ السَّرِقَةِ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ، لِأَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى سَرِقَتِي، كَانَ حَتْمًا شَدِيدَ الذَّكَاءِ، وَلَئِيمًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ،  

وَقَادِرٌ عَلَى دَفْعِ التُّهْمَةِ

عَنْه.


*(دَهْلِيزٌ خَفِيّ).*


زَوْجَةُ صَدِيقِي (صَلَاحِ) تَكْرَهُنِي، وَلَا تُطِيقُ ذِكْرَ اسْمِي أَمَامَهَا، وَقَدْ فَعَلَتِ الْمُسْتَحِيلَ لِإِبْعَادِي عَنْ زَوْجِهَا..  وَأَنَا أُحِبُّهُ.. وَأَعْتَبِرُهُ مِنْ أَفْضَلِ أَصْدِقَائِي.. لِهَذَا بَذَلْتُ جُهُودًا كَبِيرَةً، وَكَثِيرَةً،  

حَتَّى أَسْتَطِيعَ إِرْجَاعَ صَدَاقَتِنَا، عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ سَابِقًا، وَلَكِنَّنِي عَجَزْتُ.. لَقَدْ خَسِرْتُهُ..  

وَأَنَا، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فِي حَالَةِ أَلَمٍ، وَحُزْنٍ شَدِيدَيْنِ.


هِيَ تَعْرِفُ مَدَى مَتَانَةِ، وَقُوَّةِ صَدَاقَتِنَا، فَنَحْنُ الاثْنَانِ، أَكْثَرُ مِنَ الإِخْوَةِ،  

نَكَادُ لَا نَفْتَرِقُ، رَغْمَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ، بَيْنَ بَيْتِي وَبَيْتِهِ

.. تَفْصِلُنَا مَسَافَةٌ، تَحْتَاجُ إِلَى (حَافِلَتَيْنِ)، لِنَجْتَازَهَا..  

هُوَ فِي شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا فِي غَرْبِهَا.. وَكُنَّا، لِكَيْ نَلْتَقِيَ، نَسْتَقِلُّ بَاصَيْنِ،  

أَوْ نَرْكَبُ تَكْسِي أُجْرَةٍ،  

يَوْمَ نَتَأَخَّرُ فِي سَهَرَاتِنَا، وَيَكُونُ مَعَنَا نُقُودٌ تَكْفِي..  

وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، يَوْمَ نَكُونُ مُفْلِسِينَ،  

كُنَّا نَمْشِي سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ، بِمِقْدَارِ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.. كَانَ الْمُهِمُّ أَنْ نَلْتَقِي.


أَهْلِي يُحِبُّونَهُ جِدًّا،  

وَأَنَا، بِدَوْرِي، كُنْتُ أَلْقَى مِنْ أَهْلِهِ، الْمَحَبَّةَ وَالتَّقْدِيرَ.


صَدَاقَتِي مَعَهُ، بَدَأَتْ قَبْلَ تَعَرُّفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ،  

بِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ،  

حَدَّثَنِي عَنْهَا كَثِيرًا، حِينَ تَعَارَفَا، وَصَارَحَنِي بِإِعْجَابِهِ الشَّدِيدِ بِهَا،  

قَبْلَ أَنْ يُصَارِحَهَا،  

وَكُنْتُ، أَنَا بِدَوْرِي، أُشَجِّعُهُ عَلَى حُبِّهَا، وَالِارْتِبَاطِ بِهَا،  

لِأَنَّهَا بَدَتْ لِي، أَنَّهَا تَحْمِلُ صِفَاتٍ جَيِّدَةً، وَهِيَ ابْنَةُ نَاسٍ طَيِّبُونَ.


وَبَعْدَ زَوَاجِهِ مِنْهَا، عَرَّفْتُ زَوْجَتِي عَلَيْهَا، وَنَشَبَتْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ مَتِينَةٌ..  

فَأَخَذْنَا نَتَبَادَلُ الزِّيَارَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، فِي الْمُنَاسَبَاتِ، وَالْأَعْيَادِ، وَأَوْقَاتِ الْفَرَاغِ، وَغَيْرِهَا.


وَكَثِيرًا مَا كُنَّا نَحْضُرُ الأَمَاسِيَ الأَدَبِيَّةَ مَعًا،  

سَوَاءٌ كُنَّا، أَنَا وَ(صَلَاحِ)، مُشَارِكَيْنِ فِي الأُمْسِيَةِ،  

أَوْ كُنَّا مُجَرَّدَ حُضُورٍ، لِأُدَبَاءِ غَيْرِنَا.. وَكَذَلِكَ كُنَّا نَحْضُرُ، بَعْضَ أَفْلَامِ السِّينَمَا مَعًا.


أَقْصِدُ.. كَانَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَنَا، رَائِعَةً، وَمَتِينَةً، وَعَلَى خَيْرِ مَا يُرَامُ.


وَعِنْدَمَا الْتَحَقَ (صَلَاحِ) بِخِدْمَةِ الْعَلَمِ الإلْزَامِيَّةِ، وَكَانَ بِحَاجَةٍ لِلنُّقُودِ..

لِتَغْطِيَ مَصْرُوفَهُ.. عَرَضَ عَلَيَّ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْهُ، مَكْتَبَتَهُ الأَدَبِيَّةَ.. فَقَدْ كَانَ يَمْلِكُ مَكْتَبَةً غَنِيَّةً، تَحْتَوِي عَلَى رَوَائِعِ الْكُتُبِ وَالْمَجَلَّاتِ الأَدَبِيَّةِ..  

وَأَنَا كُنْتُ مُسْتَأْجِرًا، (كُشْكَ الأُدَبَاءِ)، الْوَاقِعَ فِي سَاحَةِ (سَعْدِ اللَّهِ الْجَابِرِيِّ)، أَمَامَ (نَادِي الضُّبَّاطِ).. وَكُنْتُ أَشْتَرِي الْكُتُبَ وَالْمَجَلَّاتِ الْمُسْتَعْمَلَةَ بِالْجُمْلَةِ، وَأَقُومُ بِبَيْعِهَا بِالْمُفَرَّقِ.


ذَهَبْتُ إِلَى بَيْتِهِ.. تَأَمَّلْتُ الْكُتُبَ الَّتِي أَعْرِفُهَا جَيِّدًا..  

وَالَّتِي كُنْتُ أَسْتَعِيرُ بَعْضَهَا

.. وَسَأَلْتُهُ:


ــ كَمْ تُرِيدُ ثَمَنَهَا؟.


قَالَ:


ــ لا أَعْرِفُ.. أَنْتَ قَيِّمْ لِي ثَمَنَهَا؟.


قُلْتُ:


ــ بِثَمَانِيَةِ آلَافِ لِيرَةٍ..  

وَلَوْ عَرَضَهَا عَلَيَّ غَيْرُكَ..  

لَدَفَعْتُ لَهُ بِهَا (سِتَّةَ آلَافِ لِيرَةٍ).


قَالَ، وَهُوَ خَجُولٌ فِي الأُمُورِ الْمَادِّيَّةِ:


ــ أَنْتَ تَعْرِفُ كَمْ هِيَ غَالِيَةٌ عَلَيَّ.. وَلَكِنَّهَا الْحَاجَةُ يَا صَدِيقِي.. لِذَلِكَ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُعْطِيَنِي ثَمَنَهَا عَشَرَةَ آلَافِ لِيرَةٍ.


وَلَمَّا كَانَ صَدِيقِي (صَلَاحِ)

، غَالِيًا عَلَى قَلْبِي، وَأَنَا أَتَمَنَّى مُسَاعَدَتَهُ وَخِدْمَتَهُ..  

بَرَقَتْ فِي ذِهْنِي فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ.. فَقُلْتُ:


ــ اِسْمَعْ يَا (صَلَاحِ).. أَنَا سَأَخْدِمُكَ، فِي بَيْعِ مَكْتَبَتِكَ.


سَأَلَنِي بِلَهْفَةٍ:


ــ كَيْفَ؟!.. اِشْرَحْ لِي.


ــ سَأَبِيعُ لَكَ الْمَكْتَبَةَ بِالْمُفَرَّقِ، وَلَنْ أَشْتَرِيَهَا مِنْكَ بِالْجُمْلَةِ.


ثُمَّ أَخَذْتُ أُوَضِّحُ لَهُ، وَأَشْرَحُ فِكْرَتِي، الَّتِي لَمْ يَكُنْ، قَدِ اسْتَوْعَبَهَا بَعْدُ.  

قُلْتُ:


ــ اُكْتُبْ لِي قَائِمَةً، بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالْمَجَلَّاتِ، الَّتِي عِنْدَكَ.. وَاكْتُبْ عَلَى كُلِّ غِلَافٍ خَارِجِيٍّ مِنْهَا، ثَمَنَ النُّسْخَةِ، بِطَرِيقَةٍ لا يَفْهَمُهَا الْمُشْتَرِي.


قَالَ مُبْتَسِمًا:


ــ لَمْ أَفْهَمْ.. كَيْفَ؟!.. وَضِّحْ لِي أَكْثَرَ.


أَجَبْتُهُ:


ــ أَنْتَ قَدِّرْ ثَمَنَ الْكِتَابِ..  

وَاكْتُبْ عَلَيْهِ السِّعْرَ الَّذِي تُرِيدُهُ، بَعْدَ أَنْ تُضِيفَ عَلَى الرَّقْمِ الْمَطْلُوبِ.. (مِئَةٌ وَخَمْسَةٌ).. يَعْنِي:  

إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بَيْعَ النُّسْخَةِ بِعِشْرِينَ لِيرَةً،  

فَاكْتُبْ عَلَى غِلَافِ النُّسْخَةِ، الرَّقْمَ: (مِئَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ).  

وَعِنْدَ الْبَيْعِ، نَطْرَحُ مِنَ الرَّقْمِ (الْمِئَة)، وَالْخَمْسَةُ، تَكُونُ قَابِلَةً لِلْمُسَاوَمَةِ، وَلِلْمُرَاعَاةِ، إِنْ قَامَ الْمُشْتَرِي بِالْمُسَاوَمَةِ، فَنَبِيعُهُ النُّسْخَةَ بِـ (عِشْرِينَ).


دَائِمًا نَزِيدُ عَلَى الثَّمَنِ: (مِئَةٌ وَخَمْسَةٌ)،  

وَعِنْدَ إِسْقَاطِهَا، تَبْقَى التَّسْعِيرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلنُّسْخَةِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَعْرِفَ السِّرَّ أَحَدٌ.


وَأَنَا بِدَوْرِي، سَوْفَ آخُذُ مِنْكَ (بِالْمِئَةِ عَشَرَةً)،  

مِنْ سِعْرِ الْمَبِيعِ، وَهَكَذَا يَصِلُ إِلَيْكَ مَبْلَغٌ جَيِّدٌ،  

بَدَلَ أَنْ تَبِيعَهَا بِالْجُمْلَةِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً.


كَانَ بِإِمْكَانِي أَنْ أَرْبَحَ أَكْثَرَ، فِي بَيْعِ الْمَكْتَبَةِ،  

لَكِنَّهُ (صَلَاحِ)، الَّذِي أُحِبُّهُ..  

صَدِيقُ عُمْرِي.. فَأَنَا لَا أَطْمَعُ بِرِبْحٍ، مِنْ خِلَالِهِ،  

بَلْ كُلُّ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَحْصُلَ عَلَيْهِ، هُوَ تَعْوِيضُ بَعْضِ نَفَقَاتِي.. فَأَنَا أَدْفَعُ أُجْرَةَ (الْبَرَّاكَةِ) الشَّهْرِيَّةَ، إِلَى جَانِبِ أُجُورِ الْعَامِلِينَ.. مَعِي فِيهَا.. وَثَمَنُ فَوَاتِيرِ الْكَهْرَبَاءِ، وَالْمُوَاصَلَاتِ،  

وَالْغَرَامَاتِ الْكَثِيرَةِ،لِشُرْطَةِ (الْبَلَدِيَّةِ)،  وَإِلَى شُرْطَةِ (الْمُكَافَحَةِ)، وَإِلَى عَنَاصِرِ أَمْنِ (الْجِنَائِيِّ)،  

وَعَنَاصِرِ أَمْنِ (الدَّوْلَةِ)، وَعَنَاصِرِ أَمْنِ (السِّيَاسِيِّ)،  

وَعَنَاصِرِ أَمْنِ (الْعَسْكَرِيِّ)، وَعَنَاصِرِ أَمْنِ (الْجَوِّيِّ)،  

وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُصَادَرَاتِ، وَالضِّيَافَاتِ، وَالسَّرِقَاتِ،  

وَالنَّصْبِ وَالِاحْتِيَالِ، وَالدُّيُونِ الْمَيِّتَةِ، الَّتِي لَنْ تُدْفَعَ لِي.


كَانَ (صَلَاحٌ) سَعِيدًا، بِمُسَاعَدَتِي لَهُ، وَلَقَدْ قَدَّمَ لِي الشُّكْرَ، وَأَعْرَبَ عَنْ امْتِنَانِهِ مِنِّي، وَأَمْسَكَ بِيَدِي، وَضَغَطَ عَلَى أَصَابِعِي.


وَأَخَذْنَا أَنَا وَهُوَ، بِتَسْعِيرِ بَعْضِ الْكُتُبِ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اقْتَرَحْتُهَا..  

ثُمَّ حَمَلْنَا قِسْمًا مِنْهَا فِي حَقَائِبَ، وَأَتَيْنَا بِهَا إِلَى (الْبَرَّاكَةِ).. وَبَدَأْنَا عَرْضَهَا، عَلَى بَسْطَةٍ، جَانِبَ

(الْبَرَّاكَةِ)، مِنْ طَرَفِ بَابِهَا.


وَسُرْعَانَ مَا لَفَتَتْ انْتِبَاهَ الْكُتَّابِ وَالْأُدَبَاءِ، وَالْفَنَّانِينَ وَالْمُثَقَّفِينَ.. الّذينَ يتردَّدون، وبشكلٍ دائم، على (بَرّاكَتي) الصّغيرة، الّتي أطلقوا عليها اسم (كُشك الأدباء).. فقد كانوا هُنا، وعلى الرّصيف العريض، مكانَ تَجمّعِهِم، ولقائِهم، ومواعيدِهم، قبل أن ينطلقوا إلى مبنى (البريد)، أو إلى إحدى المقاهي المُنتشِرة، أو إلى فرع (اتّحاد الكُتّاب العرب).


وعلى مدارِ أيّامٍ عديدة، كان (صَلاح)، وبِمساعدةِ أخويْه، يأتون إلى

(البَرّاكَة)، حاملين رُبَطاتِ الكُتب والمجلّات، مع قائمةٍ بعددِها، وعناوينِها، وأسعارِها.


وكانت الأيدي تَخطَفُها، وتنتظرُ وُصولَها، فهي غنيّةٌ، وذاتُ قيمةٍ هامّة، ونادرةُ التَّواجُد، وبأسعارٍ رَخيصة.


كان هناك من يشتريها دَيْنًا، وهناك من يأخذُ أعدادًا منها، ثمَّ يُساوِمُني على الشّراء بالجُملة، لا بالمُفرّق، وبالتالي عليَّ أن أُراعيَهُ في السّعر.

 

وكان هناك من يقول لي:


- لا أَملِكُ إِلّا هذا المَبلَغَ.


ويكونُ مَبلَغُه ناقصًا عن السِّعرِ... أيضًا، كان هناك مَن يُخفي بعضَ الكُتبِ بينَ الجرائدِ والمجلّاتِ التي يَحمِلُها، ويقومُ تحتَ سِتارِها بالسّرقةِ، ولا يَدفَعُ لي ثمنَها.


وكان هناك مَن يُشغِلُني، أو يُشاغِلُ أحدَ إخوتي، بعدَ انتهاءِ دَوامي وبِدءِ دَوامِه. لصوصُ الكُتُبِ بارعون، وهذا معروفٌ عنهم في كلِّ بُلدانِ العالَمِ؛ فهم أذكياءُ، ومثقَّفون، ومخادِعون... لا أحدَ يَقدِرُ عليهم.


بِعتُ الكُتُب، وفي تَقديري، بعدَ تَعبي... كنتُ خاسِرًا.


(صلاح) سيُحاسبُني بموجبِ القوائمِ التي كَتبَها، وهو يَحتفظُ بنسخةٍ منها لديه، عن كلِّ كتابٍ ومجلّة.


حاولتُ أن أشرحَ له المشكلةَ، فقامَ بالتّنازلِ عن مبلغِ (ألفِ ليرةٍ)، لكي لا أتحمَّلَ المسؤوليّةَ

وَحدي.


وَلَكِنَّ بِتَقديري، كانت خَسارتي أَكبَرَ مِن هذا الرَّقمِ بِكَثيرٍ.. ولَم أستَطِعْ أن أَتَكَلَّمَ أَكثَر.. صَمَتُّ.  

وكانَ عَلَيَّ أن أَدفَعَ لـ(صلاحٍ) مَبلَغًا قِيمتُهُ (سَبعةٌ وأَربعونَ ألفَ ليرةٍ).. المَكتبةُ الّتي قَدَّرتُ ثَمنَها (بِثمانيةِ آلافِ ليرةٍ)، طَلَبَ (صلاحٌ) مِنّي دَفعَ (عَشَرةِ آلافِ ليرةٍ)، بِحُجّةِ أَنَّها غالِيةٌ عليه، ثُمَّ لَمَّحَ لي بِصُعوبةِ وَضعِهِ الماديِّ السَّيِّئ. فدَفَعَني، بِدافعِ المَحبّةِ والمُروءةِ، أن أَعرِضَ عليهِ أن أَبيعَها لهُ بِالمُفَرَّقِ.. وَبِهذِهِ الطَّريقةِ، الّتي لَم أَحسِبْ أَبعادَها.. رَبِحَ (صلاحٌ)، وَتَضَرَّرتُ أنا.


أنا لا أَفهَمُ، وَلا أُصلِحُ، لِلتِّجارةِ.. لَستُ بِالرَّجُلِ الماديِّ.. أَتَحرَّجُ، وَأَخجَلُ، وَلا أُساوِمُ، أَو أُبازِرُ، أَو أُفاصِلُ، أَو أَغُشُّ، أَو أَتلاعَبُ، أَو أَخدَعُ، أَو أَكذِبُ، أَو أَخُونُ، أَو أَغدِرُ، أَو أَستَغِلُّ، أَو أَحتَكِرُ، أَو أَنكُصُ، أَو أَتَقَلَّبُ، أَو أَهرُبُ، أَو أَظلِمُ.


وكلُّ هذا أدواتٌ للتّاجرِ النّاجحِ، والمتفوّقِ، والرّابحِ، والمتوسّعِ، والشّاطرِ، والحاذقِ.


ومع هذا، طلبتُ من (صلاحٍ) أن يُعطيني (ثلاثةَ آلافِ ليرةٍ)، فيُصبحَ له عندي مبلغُ (خمسينَ ألفِ ليرةٍ)، أُشغِّلُها له عندي، ريثما يُسرَّحُ من الجيش، مقابلَ أن أدفعَ له، (ألفًا وخمسمائةَ ليرةٍ) شهريًّا، على سبيلِ الأرباح.  

فوافق، وجلبَ لي المبلغَ من راتبِ زوجتِه، ووقّعتُ له على سندِ أمانةٍ، ليطمئنَّ هو وزوجتُه، حيث كنتُ في ضائقةٍ ماليّة، بعد أن صادرت لي شرطةُ (المكافحة) كمّيّةً كبيرةً من الدّخانِ المُهرَّب.  

وصار في مطلعِ كلّ شهرٍ، يأتي إلى (البرّاكة)، ويأخذ منّي المبلغَ المُتَّفقَ عليه.


سنتانِ وأكثرُ، ونحن على هذا الحالِ، وبعد أن سُرِّحَ من خدمةِ (العَلَمِ)، طلب منّي نقودَه، فاتّفقتُ معه أن أُرَدِّها له بعد شهرين.


لم تكن ظروفي الماليّةُ بالجيّدةِ، كنتُ أتراجعُ، وأخسرُ، في (البرّاكة)..  

فأستدينُ، وألجأُ إلى تشغيلِ الأموالِ، من أصدقائي ومعارفي، على أملِ تعويضِ الخسائرِ، رافضًا أن أعترفَ بالهزيمةِ

، والفشلِ.

  

دائمًا كنتُ أبحثُ عن المُبرّراتِ، والحُججِ، والأعذارِ، ومُتخيّلًا نفسي بأنّني سأعوّضُ خسائري، وأربحُ الكثيرَ، وأُصبحُ غنيًّا، تفتخرُ بي زوجتي، وتتباهى أمام الجميع.


أنا: كتابةُ الشِّعرِ، والقصّةِ، والقراءةِ، ومتابعةُ الأمسياتِ والمهرجاناتِ الأدبيّةِ، وانخراطي في الوسطِ الأدبي، ومشاركاتي في المسابقاتِ الأدبيّةِ، التي يُعلَنُ عنها في سوريّةَ وسائرِ الأقطارِ العربيّة، وتردّدي على المقاهي، والحاناتِ، ومُعاشرتي للأدباءِ، ومُنافستهم، وتحدّيهم، وتعرّفي على فتياتٍ عوانسَ، يَدّعينَ الكتابة... وحُبُّهُنَّ للقراءةِ والمطالعةِ، وإعجابُهُنَّ بكتاباتي، ومصاريفي الكبيرةُ، كانتِ السَّببَ في تردّي وضعي المادّيِّ هذا.


حُصولي على عدَّةِ جوائزَ أدبيّةٍ، في حلب، وسوريّة، وبعضِ الدّول العربيّة، في زمنٍ قصير، شغَلَني، وجعلَ منّي حالِمًا بالمجدِ، والشُّهرةِ، والثّراء.. وهذا ما جعلني أُهملُ مُتابعتي للبَرّاكَةِ، التي كانت مُربِحةً لمن يَهتمُّ بها.


مرّةً أُخرى، وبعدَ انقضاءِ شَهرين، وكُنّا نجلسُ في مقهى (الموعد)، أنا و(صلاح)، وصديقٌ عزيزٌ آخر، اسمُه (طلال)، وكان صديقُنا هذا، يعملُ في التّرجمة، وهو من أعظمِ مُتذوّقي الأدب، في الشِّعرِ، والقصّةِ القصيرةِ، والرّوايةِ، والنّقد.. فهو واسعُ الثّقافةِ، يُجيدُ لُغاتٍ عديدة، ومُطّلعٌ على رَوائعِ الأدبِ العالمي.


حينها، طالَبَني (صلاح) بنقودِه، ونحنُ في الجلسةِ هذه، وذكّرني بالمَوعدِ الذي كُنتُ أنا مَن حدَّدتُهُ، منذ شَهرين، لتسديدِ المبلغ.


اِنْتابني بعضُ الصَّمْتِ.. وفكَّرتُ أن أعرضَ فكرتي على (صلاحِ)، بوجودِ صديقِنا (طلال)، فهو محبٌّ لنا، أنا و(صلاحِ).. ومؤكَّدٌ أنّه سيساعدُنا على إيجادِ حلٍّ، ولن يترُكنا نختلف.


قلتُ:


- (صلاحِ).. أنا أُعاني من وضعٍ مادّيٍّ صعب، ولا أُريدُ أن أقولَ لك:


- لا نُقودَ عندي.


تغيَّرتْ قسماتُ وجهِ (صلاحِ).. وجهُهُ الأبيضُ الجميلُ، تحوَّلَ إلى الاِحمرار، وأُصيبَ بالوجوم.. وأخذتْ عيناُهُ العَسَلِيّتانِ تَرْمِشانِ بسرعةٍ أكثر، إلى جانبِ ارتباكِ حدقتَيْهِ.


وانكمشتِ ابتسامةُ (طلال)، فوقَ شَفَتَيْهِ الرَّقيقتَيْن، والحادّتَيْن.. نظرَ إلينا، وسأل:


- ما بكُما؟!.. عن ماذا تتحدّثان؟!


أرادَ (صلاحِ) أن يتكلّمَ، وكان صوتُهُ مشحونًا بالضِّيقِ والانفعال، لكنّي سبَقْتُه، وقطعتُ عليهِ الطّريق:


- ولكن... لديّ فكرةٌ، وفيها فائدةٌ لك ولي، إنْ أنتَ وافقتَ عليها.


قال (طلال):  

- يا جماعة، أنا لم أفهم، عن ماذا تتحدّثان؟


أخذ (صلاحِ) يشرح لـ(طلال) الأمر، بينما كنتُ أُراجعُ فكرتي، وأدرسُها بشكلٍ جيّد.


وسألني (طلال)، وكان الاستغرابُ بادياً عليه:

 

- (مصطفى)، أنا عملتُ معك في (كشك الأدباء) لأكثر من سنة، وكانت مبيعاتك ممتازة...  

صار في جوارك مركزُ انطلاقِ سفريّات (النّحاستور)، وإنّ إقامةَ الأعراسِ في نادي (الضّباط)، الواقعِ أمام (برّاكَتك)... كذلك النّاسُ دائمًا منتشرونَ في ساحة (سعد الله الجابري)، القريبةِ منك... فلماذا أنتَ في ضائقة؟! وأحوالُك في تراجع؟!، لا بدَّ أنّ هناكَ من يقومُ بسرقتك!!


وتدخّل (صلاحِ) في الحديث:


- يا رجل... بيعُ الدّخانِ المهرَّبِ عندك، كافٍ لأن يُغنيكَ، وكذلك المشروبات

(كازوز)، و(مندرين)، و(كولا)، ومياهٌ (معدنيّة)، إلى جانبِ بيعك لـ (الموالح)، وأنواعٍ لا تُحصى من (الشّوكولا)، و(البسكويت)، و(البوظة)

... ويبقى الأهمُّ عندك، وهو بيعُك للكتب، والجرائد، والمجلّات.


قال (طلال):  

- أنتَ تشتغلُ في أهمِّ منطقةٍ في حلب... هنا مركزُ المدينة، وساحةُ (سعد الله الجابري)، و(نادي الضّباط)، ومركزُ (البريد)، و(المقاهي) العديدة، و(المطاعم) المتنوّعة، و(الاستراحات) الجميلة، و(الحديقة العامّة)، والمركز (الثّقافي)، والمكتبة (الوطنيّة)، و(اتّحاد الكتّاب العرب)، و(نادي التّمثيل العربي)، و(النّادي العربي الفلسطيني)، و(جمعيّة العاديات)، ونقابة (الفنّانين)...

وَالْمَسْرَحُ (الْقَوْمِيُّ)، وَمَعْهَدُ (الْفُنُونِ التَّشْكِيلِيَّةِ)، وَ(الْمُتْحَفُ الْوَطَنِيُّ)، وَجَرِيدَةُ (الْجَمَاهِيرِ)، وَالْفُنْدُقُ (السِّيَاحِيُّ)، وَ(الْمَكْتَبَاتُ الْعَامَّةُ)، وَمَرَاكِزُ (السَّرْفِيسِ)، وَمَوْقِفُ (بَاصِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ)، وَ(مَحَطَّةُ بَغْدَادَ لِلْقِطَارَاتِ)، وَشَلَّالَاتُ (نَهْرِ قُوَيْقٍ)، وَمَصَارِفُ (التَّسْلِيفِ الشَّعْبِيِّ)، وَ(وَالْبُنُوكُ الْمَرْكَزِيَّةُ)، وَمَرْكَزُ (حَجْزِ الطَّيَرَانِ)، وَمِنْطَقَةُ (الْجُمَيْلِيَّةِ)، وَمِنْطَقَةُ (بَابِ جَنِينَ)، وَمِنْطَقَةُ (السَّبْعِ بُحَيْرَاتٍ)، وَمِنْطَقَةُ (التِّلِّلِ)، مَرْكَزُ بَيْعِ الْأَلْبِسَةِ الْجَاهِزَةِ، وَمَحَلَّاتُ بَيْعِ الْأَحْذِيَةِ، وَ(مُنْشِيَّةُ الْبَاصَاتِ)، وَمَرَاكِزُ فُرُوعِ (الْأَمْنِ) الْمُتَعَدِّدَةِ، الْأَمْنُ (الْجِنَائِيُّ)، وَأَمْنُ (الدَّوْلَةِ) وَالْأَمْنُ (السِّيَاسِيُّ)، وَالْأَمْنُ (الْعَسْكَرِيُّ) وَفَرْعُ (حِزْبِ الْبَعْثِ الْعَرَبِيِّ الْاِشْتِرَاكِيِّ)، وَ(الشَّعْبِ الْحِزْبِيَّةِ) وَ(مُدِيرِيَّةِ التَّرْبِيَةِ)، وَفَرْعُ (الشَّبِيبَةِ)، وَ(نِقَابَاتِ الْعُمَّالِ) وَ(حَنَاتِ الْخَمْرِ)، وَمُشْفَى (الْقَسِيسِ) لِلْوِلَادَةِ.


وهنا التفتَ إليّ صديقي (صلاح)، وأخذَ يُقسمُ لي:


- أقسمُ بالله يا (مصطفى)

، إنْ لم تستغلَّ وجودَك في هذه (البرّاكة)، وتجمعْ ثروةً تُؤمِّنُ بها مستقبلك، فسأقولُ عنك: غبيّ، وفاشل، وأحمق.


وأكّد الصديقُ (طلال) على كلامه، بقوله:


- نعم، أنا أتّفقُ مع (صلاح) في قوله هذا.


تابعه (صلاح)، موجّهًا اتّهامَه لي:


- يا أخي، أنتَ مصروفُك كبير، لقد شكا لي منك أخوك (سامي).


ثم راح يشرح لـ (طلال):


- إنّه يصرفُ بلا حساب، على صاحباتِه.. كلُّ ساعةٍ تأتي لعنده واحدة، فيأخذُها ويذهب.. ثمّ إنّه لا يزالُ محافظًا على عاداتِه الرّيفيّة.. عندما نكون في المقهى، يدفعُ الحسابَ عن جميعِ من يجلسُ معنا على الطّاولة!

وكذلكَ يطلبُ الشّايَ والقهوةَ، في الجلسةِ الواحدة، أكثرَ من مرّة.. وكأنّه جالسٌ في بيتِه!


وتراهُ في اليومِ الواحد، ينتقلُ من مكانٍ إلى آخر.. ساعةً تجدهُ في مقهى (الموعد)، وساعةً في مقهى (رمسيس)، وأخرى في منتدى (الشّام)، وبعدها في صالة فندق (السّياحي)، ويذهبُ أيضاً إلى (بوفيه) الحديقة العامّة، وإلى استراحة (النّخيل)، ثمّ ينتقلُ إلى حانة (حنّا كعدة)، أو مطعم ومقصف (المنشيّة)

، وفي المساءِ، يُصاحبُ الشّاعر (محمود علي السّعيد) إلى مقصف (نادي الضّباط).


ومطلوبٌ منه أن يصرفَ، ويدفعَ، ويركبَ(التّكاسي)

، ويدورَ من مكانٍ إلى مكان، ومن شلّةٍ أدبيّة، إلى شلّةٍ أخرى!


سألني (طلال)، وهو يضحك:


- ومتى تذهبُ إلى بيتك؟!.. وكيف تحتملُكَ زوجتُكَ؟!

  

قلتُ بتحرُّجٍ:

 

- آهٍ يا أصدقائي... أنتم تُغالون، ولا تعرفون صعوبةَ ظروفي.


صاح (طلال): 


- اصمتْ يا (مَنيك)! لقد شكا لي منك، أخوك (سامي) أيضاً... قال:


-إنك لا تأتي إلى (البرّاكة)، إلّا لتأخذَ ما جمعوه من (غلّة)... تضعُ النّقودَ في جيبك، وتغيبُ. والله... لوْلا وجودُ أخيك (سامي)، لتدمّرتَ أنتَ، وتحطّمتْ تجارتُك.


قلتُ بنزقٍ:

 

- (سامي) أخي... أكثر من يعرفُ ما أنا أُعانيه من مشاكلَ في (البرّاكة)... أنا لا أنكرُ كلامكم... نعم، أنا (مُبذِّر)... ولا أنكر هذا، لكنْ على مُوجبِ حساباتي وتقديري... أنا أربحُ في كلِّ يومٍ ما يُقارب أو يتجاوز (الألفي ليرة)، وإن كنتُ أُنفِقُ في اليومِ الواحد (ألفَ ليرة)، فهذا يعني أنني أُوفّر (الألف) الثانية، في كلّ يوم! فأين تذهبُ هذه النّقود إذًا؟!  أنا مُفلِسٌ يا جماعة... تراكمتْ عليّ الدّيون، وإلى جهاتٍ عدّة... أكاد أَجُنّ... أنا لا أنام!

  

تابعتُ كلامي، مخاطبًا (صلاح): 


- أنتَ يا (صلاح)، ستأخذُ منِّي نقودكَ، لتُضيفها على ثمنِ الذّهبِ الذي بعتهُ لزوجتكَ، وأودعتَه عند (الرّواس)، بقصدِ تشغيلِ النّقود، وهو يدفعُ لكَ، على (المئةِ ألفٍ)، (ثلاثةَ آلافِ) ليرةٍ في الشّهر... وأنا كنتُ أفعلُ معكَ هذا، أدفعُ لك (ألفًا وخمسمائة) ليرة، على مبلغكَ (الخمسين ألفًا)... والآن، ما الفرقُ عندكَ، بين أنْ تودِعهم عند (الرّواس)؟ أو أن تأخذهم منّي على أقساطٍ؟ بعد أن أضيفَ لكَ عليهم (عشرةَ آلافٍ) ليرة؟!..  

وهكذا، أنتَ تربحُ (العشرةَ آلافٍ)، وأنا بدوري أوفّر (عشرةَ آلافٍ).


ردَّ (صلاح)، وعلاماتُ الحيرةِ باديةٌ عليه:

 

- لا أنكر... إنّها فكرةٌ جميلة... ولكن، أليس هذا حرامًا؟


(صلاح)... أكثرُ واحدٍ في شلّتنا تديُّنًا، ولكنّه يريدُ مالًا، فهو فقير، ويسكنُ في غرفةٍ ضيّقةٍ عند أهله.

 

لذلك يعملُ هو وزوجتُه، طمعًا أنْ ينالا الاستقلالَ عن العائلة، ويكونَ لهما بيتُهما الخاصّ.  

قلتُ له:


- هل عند (الرّواس) حلالٌ، وعندي حرامٌ؟!


أراد أن يتابعَ نقاشَه، فنظرَ إلينا حائرًا، وقال:


- ولكن...


وهنا قاطعه (طلال)، وقال له بنزق:


- حبيبي (المْنيك) (صلاح)... هذه الطّريقةُ تُزعجني فيك... إنْ كان حرامًا، إذًا خذْ نقودك دون أرباح!.. أصلًا (مصطفى) له الفضلُ أن يصبحَ عندكَ هذا المبلغ!.. كان بإمكانه أن يشتريَ منك مكتبتك بسعرٍ ضئيل، لكنّه أراد أن يخدمك!.. لم يتشاطرْ عليك، ويربحْ منك!.. وأنتَ عليك أن تُحدّد... إنْ كان هذا حلالًا، أو حرامًا.


وهكذا، وبمساعدة (طلال)... تمّ الاتّفاق، وأنا التزمتُ معه بجميعِ الأقساط... وكان (صلاح)، في مطلعِ كلّ شهرٍ، يأخذُ منّي (خمسةَ آلافٍ)،  

قسطُهُ المُستحقُّ، ويضعُ فوقَ هذا المبلغ، ما تيسّرَ له ولزوجته، من نقودٍ ومدّخراتِهما، من راتبَيْهِما، فيذهبُ (صلاح) إلى مكتبِ (الرّوّاس)، ليُضيفَ على وديعتِهِ، لتكبرَ... وتزدادَ أرباحُه، وتَنمو.


كان اسمُ (الرّوّاس)، يدورُ على كلِّ فمٍ، ولسانٍ، وطامعٍ، وحالِمٍ، ومرتشٍ، وسارِقٍ، وحراميٍّ، وبخيلٍ، ومُتقاعدٍ، وعامِلٍ،وموظّفٍ

، ورجلِ دينٍ، وضابِطٍ، ومسؤولٍ، وأرامِلَ، ومُطلّقاتٍ، وعوانِسَ، وراقصاتٍ، وبائعاتِ هوى، وفنّانين.


ويحدثُ هذا... على كاملِ الأراضي السّوريّة... المسألةُ لا تخصُّ (حلب) وحدَها، بل صار، كلُّ مَن عندَه نقودٌ أو مدّخراتٌ، أو ذهبٌ، أو عقاراتٌ، أو أراضٍ، أو محلّاتٌ، أو دكاكينُ، أو عماراتٌ، أو منازلُ، أو سيّاراتٌ، أو مزارعُ، أو مطاعمُ... صار أكثرُهُم يبيعُ ما يَملك، ويهرعُ إلى مكتبِ (الرّوّاس)، لتشغيلِ أموالِه... طامعًا بما يُعطيهِ من أرباحٍ كثيرةٍ.


فجأةً... دَوّى خبرٌ فظيعٌ، في سائرِ أنحاءِ (سوريّة)

... نعم... لقد أَشهرَ (الرّوّاسُ) إفلاسَهُ، وهربَ من البلاد.


صُعِقَ الناسُ... ضَجّوا... تجمّعوا عندَ مكتبِهِ، كَسَّروا، زَعَقوا، حطَّموا... هدّدوا، وتوعّدوا... وطالبوا الحكومةَ بالتدخّل، للقبضِ على النّصّاب، الذي سرقَ لهم "تَحويشةَ" العُمر.


رِجالُ الدّينِ، خجلوا أن يَكشفوا عن أنفُسِهم... فلاذوا بالصّمتِ... فهم يَتعامَلون (بالرِّبا)، في السِّر، دونَ أن يُخبِروا حتّى أقربَ الناسِ إليهم، خَشيةً على مكانتِهِم... فماتَ منهم، عن طريقِ الانتحار، أو شدّةِ القهرِ، والغيظِ، أعدادٌ غفيرة... وهناكَ من أُصيبَ (بالشَّلل)، أو (بالجَلطة).


أمّا السُّرّاقُ، والمُرتَشون، من طبقةِ المسؤولينَ في الدّوائرِ الحكوميّة، فحالُهم كان كحالِ رجالِ الدّين... لقد أُجبِروا على أن يَصمتوا... خَوفًا من أن يُوجَّهَ إليهم، من (الرّقابةِ والتّفتيش)، سؤالٌ:


- (مِنْ أَيْنَ لَكَ هذَا)؟!


وَهُنَاكَ بَعْضُ النِّسَاءِ.. مِنْ أَرَامِلٍ، وَعَجَائِزَ، وَمُطَلَّقَاتٍ، وَعَوَانِسَ.. وَبَائِعَاتِ هَوَى فِي السِّرِّ.. وَكُنَّ وَضَعْنَ أَمْوَالَهُنَّ عِنْدَ (الرَّوَّاسِ)، فِي السِّرِّ، دُونَ عِلْمِ عَائِلَاتِهِنَّ، أَوْ رِجَالِهِنَّ، أَوْ أَوْلَادِهِنَّ.. ظَلَلْنَ صَامِتَاتٍ، يَبْكِينَ فِي الْخَفَاءِ.. وَلَكِنَّ كَانَ لَا يَخْلُو الْأَمْرُ مِنْ نِسَاءِ، صَرَخْنَ، وَمَزَّقْنَ ثِيَابَهُنَّ، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِنَّ، وَارْتَكَمْنَ عَلَى الْأَرْضِ، فَوْقَ الرَّصِيفِ الضَّيِّقِ، قُرْبَ الْمَكْتَبِ الْمَشْؤُومِ.


وَانْتَشَرَتِ الشَّائِعَاتُ.. عَنْ مَسْؤُولِينَ، أَصْحَابِ مَنَاصِبَ كَبِيرَةٍ، عِنْدَ الْحُكُومَةِ، بِأَنَّهُمْ سَاعَدُوا الْمَدْعُوَّ (الرَّوَّاسَ)، عَلَى الْهَرَبِ، وَتَهْرِيبِ الْأَمْوَالِ، الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، مُقَابِلَ أَنْ أَخَذُوا، حُصَصَهُمْ مِنَ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ.


كَوارِثُ كَثِيرَةٌ حَصَلَتْ، مَعَ بَعْضِ النَّاسِ، بِسَبَبِ هُرُوبِ (الرَّوَّاسِ)،بِأَمْوَالِهِمْ.


وتقريبًا، شُلَّت الحياةُ الاقتصاديّةُ والتّجاريّةُ، وتفاقمتِ البطالةُ، وعَشَّشَ الهَمُّ، والحُزنُ، والكَربُ، في قلوبِ أهلِ البلد.


وكانَ صديقي (صلاحٌ)، واحدًا من هؤلاءِ الذين أُفْلِسوا... فقد ذهبت نقودُه، وكلُّ أرباحِهِ، معَ الرِّيح، مثلُهُ مثلَ البقيّةِ تمامًا.


كانتِ الصّدمةُ عنيفةً، وقاسيةً، ومؤلمةً، عليهِ، وعلى زوجتِهِ؛ فقد ضاعَ منهما حلمُهما، بالاستقلالِ في بيتٍ لوحدِهِما، حينَ فَقَدَا كلَّ ما جمعاه، من مُدَّخراتٍ، من راتبَيْهِما، وأُجورِ ساعاتِ الدّروسِ الخصوصيّة، التي يُعطيانِها للطّلبة... وثمنِ المصاغِ الذّهبيّ، وأيضًا ثمنِ المكتبةِ العظيمةِ، التي لا تُعوَّض، مع كافّةِ الأرباح.


ذهبنا إليه، في بيتِ أهلِه... أنا، وصديقُنا المشترك (فائز عبدان)، الذي كنتُ أَعتمدُ عليهِ، في تأمينِ البضاعةِ، التي أبيعُها، عندي في (كشكِ الأدباء).. فقد كان يذهبُ إلى (تركيا)، في كلِّ أُسبوعٍ، مرَّةً أو مرَّتين، لإحضارِ ما يلزمُ، ويُطلَبُ، ويُباع.


قال له (فائزٌ)، بعد أن جلَسْنا على الأرائكِ، ولاحظْنا مدى الحُزنِ والكآبةِ الباديتينِ بوضوحٍ على وجهِ (صلاح):


- كم مرَّةً نصحتُكَ، يا صديقي، بسحبِ نقودِكَ من عندِ هذا (النّصّاب)؟!


ردَّ (صلاح)، بعد أن هزَّ رأسَه، بصوتٍ خفيضٍ ومُتكسِّر:


- وجدتُ الجميعَ يَثقُ به، ففعلتُ مِثلَهم.


قلتُ له:


- كان عليكَ أن تُودِعَ نقودَكَ في البنك، ثمَّ تشتري بيتًا بالتّقسيط.. لكنّك طمِعتَ بالأرباح.


وهنا جاءنا، من خلفِ البابِ المُغلق، صوتُ زوجته، حادًّا وعاتبًا:


- أَلَسْتَ أنتَ السّببَ، يا سيّد (مصطفى)؟!.. سامحكَ الله.. لو كنتَ دفعتَ لنا المبلغَ دُفعةً واحدة، ما كُنَّا أعطيناه نقودَنا، وتركناهُ ينصبُ علينا!


صاحَ بها (صلاح)، بنزقٍ وحدّة:


- اِسْكُتي أنتِ.. ولا تتدخّلي بيننا!


صُعِقْتُ من قولِها هذا!.. دُهِشْتُ من تحميلي السّبب!.. أنا الّذي كنتُ أظنُّ أنّني قدَّمتُ خدمةً لصديقي!!


صِحتُ بألمٍ، واستنكارٍ، ودهشة، وأنا أنظرُ إلى (صلاح)، الّذي بدا عليهِ الخجلُ والارتباك:


- أنا؟!.. أنا السّببُ بما حصل معكم؟!


قالَ (صلاح)، مع حركةٍ من يدِه:


- اتركها.. لا تردّ عليها.. هي تقولُ هذا من شدّةِ ألمِها.


ومنذُ ذلك اليوم، تغيّرتْ علاقتي بـ (صلاح).. ولم أعدْ ألتقيهِ كما كنّا سابقًا.. وجدتُه يبتعدُ عنّي.. انقطعَ عن زيارتي.. سواءٌ في البيت، أو مرورِه على (برّاكتي).. حتّى إنّه صار نادرًا ما يأتي إلى مقهى (الموعد)، وكلّما سألته:


- أين أنتَ يا رجل؟!


يتذرّعُ بالظّروف، ودُروسِه الخصوصيّة، الّتي يُعطيها لطلّابِه.


صِرْتُ أذهبُ لِعِندِهِ، في بيتِهِ، فلا أجدُه، أو لا يخرجُ إليَّ.. وأنا كنتُ أقرأُ عليهِ ما أكتُبُه، سواءٌ أكانت قصَّةً، أو قصيدةً، وأسمعُ رأيَه، أوَّلَ الناسِ.


وكان، حينَ نحضرُ أمسيةً أدبيّةً، يجلسُ بعيدًا عن مقعدي، في حينِ كنَّا سابقًا، لا نحضرُ أو نجلسُ، إلّا صحبةً مع بعض.


وعندَ حضورِه إلى المقهى، بدأَ يجلسُ في الطّابقِ الأرضي، في حين كنّا لا نجلسُ إلّا في الطّابقِ الأوَّل، مع شلّتنا المعتادةِ من الأدباء.


قامَ بتغييرِ جلسائه، صادقَ مَن كنتُ أنفِرُ من مجالستِهم، أو مَن كنتُ أُعاديهم، أو لا أتحدَّثُ معهم، خاصَّةً الشّاعرَ المزعوم (أبو طاهر).


أنا لا أتصوَّرُ أنَّ في الدُّنيا شاعرًا اسمه (أبو طاهر)!!  

هو مُصمِّمٌ على مناداتِه بهذا الاسم!!.. يُقدِّمونَه في الأماسي التي يُشارِكُ بها، هكذا.


وكذلكَ ينشرُ قصائدَه، باسمِه الخلّابِ هذا: (أبو طاهر)، وكأنَّهُ وُلِدَ بلا اسم، أو ربّما هو يريدُ أنْ يُنادَوْه، على غرارِ: *(أبو الطيّب المتنبّي)، أو (أبو فراس الحمداني)، أو (أبو العلاء المعري).. لكنّه لا يملكُ موهبةً، مثلَ موهبةِ هؤلاءِ الشُّعراءِ العظماءِ.


فهو يكتبُ بطريقةٍ ميّتةٍ، عديمةِ النّبضِ، والرّوحِ، والطّعم.. كلماتٌ ذهنيّةٌ، بلا حَراكٍ، أو حرارةٍ، أو رائحةٍ. يكتبُها على أطرافِ الجرائدِ، في كلِّ يومٍ، سطرينِ أو ثلاثة..  

وعلى مدارِ أسبوعينِ، أو شهرٍ، يجمعُ جملَهُ هذه، ويُسمّيها قصيدة!


ثمّ يُعجبُ بها، مَن يدفعُ عنهم ثمنَ ما شربوهُ في المقهى، أو من كانوا قدِ استدانوا منهُ بعضَ النّقود

، أو من قدّمَ لهم هدايا.


فيُحدِّقُ بعينيهِ الجاحظتين، منتصبًا بصدرِه البارز، بكتلةٍ حمراءَ مُخيفةٍ، أسفلَ عنقِه، وفوقَ ثديَيه.. وَيَأْخُذُ بِإِلْقَاءِ مُعَلَّقَتِهِ القَاتِلَةِ.. بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، بِالرَّعْشَةِ، وَالتَّأَتْأَةِ، وَالاِصْفِرَارِ.


صَارَ يُفَضِّلُ مُجَالَسَةَ، هَذَا (الشِّعْرُورِ)، عَن مُجَالَسَتِي

.. وَكُنَّا سَابِقًا، نَتَقَزَّزُ مِنْ كَلِمَاتِهِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يُنَمِّقُهَا.


وَلَمَّا سَأَلْتُهُ..عِنْدَمَا صَادَفْتُهُ

، عِنْدَ مَدْخَلِ الْمَقْهَى:


- أَرَاكَ صِرْتَ مُعْجَبًا، (بِالشِّعْرُورِ) الْكَبِيرِ، (أَبُو طَاهِر)؟!. قَالَ:


- السَّيِّدُ (أَبُو طَاهِر)، شِعْرُهُ مُمتَلِئٌ بِالْفِكْرِ، وَالْفَلْسَفَةِ، وَالْحِكْمَةِ، وَالتَّأَمُّلِ، وَالْبَصِيرَةِ.*


مُصْطَفَى الْحَاجِّ حُسَيْن.



ابتغي تمزيق قبري بقلم الكاتب عبدالحليم الطيطي

 ابتغي تمزيق قبري

.....

ضوء عيني فرَّ قَبلي

فرّ ذئبي،،من عيوني ،،،راح يجري

صار يصرخ في الحياة ،،فذاك صوتي.......

طار صوتي فوق دربي ،، ،،،

ألْفُ أَصرخُ ،،،غايتي تجتاز عمري ...!

غايتي قبلي وبعدي ........

غايتي تمتدّ أميالا ،،ولا أمشي كنفسي

لا أُباريها وكُلّي حثّ حسّي ...........

كلّ ركضي ......ليس يمشي،،،،فرّ صوتي

فرّ منّي ذئب نفسي

أقلعت مني طيوري الجارحات ....وكلّ خيلي

كُلّ نفسي في الحياة تناثرت ،،دوني وخلفي ......

تلك كُلّ عيون نفسي

تلك اشواقي تجوس الأفق ،، أَتبعُها بحسّي

.......هذا ليلي هذا بَدري ...........في الخيال أشدّ شَعري ..!!

أبتغي تمزيق قبري ...........................................!

صوت ذئب ،، أوحشته البيْد نفسي

ظِلّ خيْلٍ مع صهيلٍ .........................لا عَبَت في الّليل شمعي !

،، سِربُ طير ..............مَرّ في آفاق عيني

ألفُ بحر جاز قلبي ،،،،،شِبْرُ عمري هل يسعني ..............!!

.

.

.

عبدالحليم الطيطي


ربّ إني مظلوم فانتصر بقلم الشاعر محمد علقم

 ربّ إني مظلوم فانتصر

...................................

ربّ إنـي مظلـوم . فــانتصـرْ

لم يعـد القلب يحتمل الصبرْ

عربـان الامة باعوا.. موطني

والأمـر للعـدو.. والكل يأتمـرْ

سـاســة ابتلــى القــوم بهـم

كلهم أنذال وأفضلهم مُحتقرْ

سـوّلـت لهم النفـس تدميرنا

حـروب تُفتعل. ونـار تستعرْ

أين هـم من أولـى القبلتيـن

ما حـلّ من تدنيس لا يغتفرْ

أيـن هـم مـن مصيبـة شعب

أرضه. مـن النهر.. إلى البحرْ

تُهـدى وتُعطـى لعــدو لئيــم

يذبح الطفل ويقتلع الشجـرْ

جيء بهـم مـن كـل النواحي

شذاذ آفــاق وأسـوء البشــرْ

يا بجيرا ما قلته إثـم عظيم

نحـــن قــــوم بـالله ننتصــرْ

شعبنا لم يعرف اليأس يوما

قـاوم الأعـداء. طـول العمـرْ

ابق للغـرب صـديقـا وعميلا

أنـت منهـم لا يعنيــك الامـرْ

ابق بالحانات وبيوت الرذيلة

أنت فيها سيد إن حلّ السهرْ

إنمـا الاخـلاق للمـرء.. فضيلة

بيعهـــا.  مــن عبــد. لا يضــرْ

نحــن شعــب. نحمـي حمانـا

لاحـاجـة لنـا.. بـرعـديـد مَكـرْ

هذه فلسطين قدسهـا ستبقى

شـوكـة. في حلـق خـائن ذكرْ

لـن نسـاوم سنقــاوم التطبيع

فــي الخفــاء.. كــان أم ظهـرْ

كلنـا للــردى.. نعشـق ونتمنى

طفلنـا حينما يولـد يولـد حـرْ

بينمــا أنتــم.. للغــرب عبيـــد

أنّــى للعبــد.. يـومــا أنْ يكــرْ

محمد علقم/26/9/2017


الجمعة، 26 سبتمبر 2025

" أنا وحضانة الأطفال" بقلم الكاتب طارق غريب

 " أنا وحضانة الأطفال"

قاعة حضانة غارقة بالألوان. 

أصوات ضحك بريئة تتناثر في الهواء. 

طارق يدخل متردداً، 

كأنه عابر إلى عالم لا يشبه ما تركه خلف الباب. 

سلمى ترافقه بهدوء، 

وصوته الداخلي يهمس في أعماقه.

طارق (متأملًا، بنبرة شاعرية) :

أي أرض هذه؟ جنة صغيرة ،أم محكمة تحاكم قسوتي ، بضحكات لا تعرف الزيف؟

 كل خطوة أخطوها كأنني أخلع حذاء الغربة من قدمي.

الصوت الداخلي:

لا تخف. أنت هنا لست معلماً ولا غريباً. 

أنت متعلم من جديد ،

 تلميذ أمام بساطة الحياة.

سلمى تبتسم :

هنا لا يُطلب منك أن تمنح، بل أن ترى ،

أن تعود كما كنت قبل أن يثقل قلبك.

(الأطفال يقتربون من طارق،

 واحدًا تلو الآخر، 

يحملون ما صنعته أيديهم الصغيرة)

طفلة ترفع رسماً ملوّناً : 

هذه شمس رسمتها لك، 

أكبر من نافذتنا ، لتعرف أن الضوء لا يحده جدار.

طفل يحمل طائرة ورقية من ورق مقوى : 

ستطير عاليًا ، مثل قلبك حين يبتسم.

طفلة تمسك بعقد من الخرز : 

عقد صنعته بيدي ، أردته لأمي، لكنه لك،

 لتتذكر أن الفرح يمكن أن يُنسج بخيط واحد.

طفل آخر يحمل صندوقاً من الكرتون : 

هنا أسراري ، لكنها صارت لك، 

لأنك تبدو حارساً أميناً.

(ضحكات الأطفال تملأ القاعة.

 يتحلقون حول طارق، 

يرفعون أعمالهم نحو السقف ، 

كأنهم يزرعون نجومًا جديدة في فضاء الغرفة.

 الضوء ينعكس في وجوههم،

 وكأن الفرح يخلق مجرته الخاصة)

طارق يبتسم والدمعة في عينيه :

أيمكن أن يصنع الكون كل هذا النور من ورقة،

 من خرزة، من صندوق صغير؟ 

أكنت غافلاً عن أن الجمال يولد من أبسط الأشياء؟

الأطفال بحماس جماعي :

احكِ لنا قصة يا عم طارق! 

نريد حكاية من قلبك!

(صمت لحظة.

 طارق يتردد، يضع يده على صدره ،

وكأنه يبحث عن الكلمات. 

سلمى تبتسم له بتشجيع، 

والصوت الداخلي يهمس)

الصوت الداخلي :

لا تبحث عن حكاية بعيدة، 

 فقط احكِ ما يسكنك الآن.

طارق يجلس بينهم، بصوت دافئ، يشرع في الحكاية :

كان يا ما كان

 رجلٌ يحمل قلبًا ثقيلاً كصخرة. 

سار في الطرقات يبحث عن الفرح. 

ظنّه فوق الجبال، فتسلق حتى أرهقته الصخور. 

وظنّه في البحار، فركب الموج حتى كاد يغرق.

 واعتقد أن المدن تخبئه، 

فغاص في زحامها حتى اختنق. 

كلما مدّ يده للفرح ، تبخر كأنه سراب.

(الأطفال ينصتون في دهشة،

 بعضهم يفتح عينيه بدهشة حقيقية)

طارق يتابع، صوته يرتعش بالصدق :

وفي ليلة باردة، 

جلس الرجل وحيدًا تحت شجرة يابسة،

 وقال : لقد انتهيت ، لا مكان للفرح في قلبي.

 لكن فجأة،  ظهر أمامه طفل صغير، 

يحمل ورقة بيضاء،

 ورسم عليها شمسًا بابتسامة واسعة. 

قال له: "الفرح ليس بعيدًا ، 

 إنه هنا، في قلبك، 

فقط كنت قد نسيته".

(الأطفال يتنفسون بفرح،

 يتهامسون بينهم : الشمس! الورقة! 

القصة كأنها قصتهم)

طارق تعلو نبرته :

ومنذ تلك اللحظة،

 فهم الرجل أن الفرح لا يُشترى ولا يُصاد في البحار ،

بل يُزرع في البساطة،

 في ضحكة، في لعبة صغيرة، 

في قلب طفل. 

وحين عاد ينظر حوله،

 وجد الكون كلّه يبتسم له.

(الأطفال يصفقون ويضحكون بفرح، 

بعضهم يقفز في مكانه،

 وبعضهم يتسلق على ركبتي طارق، 

وكأنهم أصبحوا أبطال الحكاية)

سلمى بصوت متهدج :

أرأيت؟ لقد صرت أنت الرجل في قصتك ،

 وها هم الأطفال شمسك الجديدة.

الصوت الداخلي بهدوء عميق :

الحكاية لم تكن لهم فقط ،

كانت لك أنت أولاً.

طارق ينهض بينهم، صوته يرتجف لكنه قوي :

اليوم ولدت من جديد ،

 لقد حكم عليّ هؤلاء الصغار بالبراءة،

 وأطلقوا في داخلي حياة لا سلطان عليها إلا النور.

(الأطفال يغنون أغنية جماعية عفوية،

 يلوحون بأعمالهم في الهواء. 

المشهد يشتعل بطاقة من الفرح،

 كأن المكان كله يتحول إلى كوكب صغير ينبض بالحياة. 

ظلام تدريجي على صوت ضحكاتهم الممتزجة بنبض قلب طارق).

طارق غريب



ذكرى العشق المؤجل . بقلم الكاتبة... أوهام جياد الخزرجي

 ذكرى العشق المؤجل

.... أوهام جياد الخزرجي


تقتربُ الأرضُ فلا تغترب،فالقمرُ تركَ ظلَّهُ، والحروفُ مترنحةٌ 

تدورُ ثملةً مِنْ دارٍ لدارٍ، ودوارُ البحرِ هو الجنونُ عندَ الشاطئِ، واللحظةُ موجعةٌ كالموتِ، في لقاءٍ آثمٍ، والبحرُ طرقَ ابوابَهُ، 

أيُّها البحرُ  صلَِ لجثتي، فالروحُ باقيةٌ تأبى العذابَ، فقفْ عندَ قلبي وأسألَ الشجنَ، على  وجهٍ أتعبَهُ المسيرُ  بثيابٍ متهرِّئةٍ، في ضياعٍ كالمدى، أو كفضاءٍ يطبقُ أنفاسَهُ، على روحٍ شريدةٍ تأبى الرجوعَ، فذكرى العشقِ المؤجَّلِ باتَ صريعاً، ونوارسي تتصارخُ لهطولِ المطرِ، أينَ أنا، 

فأنا في القلبِ أغنيةٌ، أنا في البحرِ ضياع .

25\9\2015



الشهقة العالقة بقلم الكاتب سلام السيد

 الشهقة العالقة


أرتق خيوطَ التصبر،

وسرّك المدفون يلتف حولي،

يلتحف بألمٍ متصدع.

الصمت يحتضر عند قرص المغيب؛

أسأل: كيف ومتى؟

اغتسلت صورتك بالحقيقة،

واستندت إلى ظلك المكسور فيّ.

ركام البعد يتشظى؛

تنهش ألوان التيه الهش

بنفخة الغياب،

ولا يهدأ الاشتياق

وسط ضجيج الفراق،

ولا تنبض تحت وطأة الأسى

جمرة اللقاء.

تأخذني إلى أقصى ضوء،

وتتركني بلا عين ترى.

سلام السيد



نرجعُ من جديد بقلم الكاتبة زهيدة ابشر سعيد

 نرجعُ من جديد

زهيدة ابشر سعيد 


ها نحنُ نرجعُ من جديد


لطاولةِ التحاورِ


والتداورِ


يسبقنا الحنينُ


والشوقُ الشديدُ


وبقايا مواعيدٍ


ومشاعرٍ ملونةٍ


مفعمةٍ بالأناشيدِ


ها نحنُ نعودُ لنُكمِلَ مابدأناهُ


من كلامٍ


أصغي نحو  أريجكٓ


يا نسام


حيثُ كنتَ أمليَ المنشودَ


وماحيَ ضبابي


ولليلي الموعودِ


برغمِ تأخرِّنا  وتوقِفنا


في السفنِ المختلفةِ في الأرصفةِ البعيدةِ


و هويتِها المفقودةِ


 الآن قد عبرنا  بعواطِفنا


مدنَ الأحلامِ


وأرَّخنا ميلاداً جديداً


ليس فيه خوفٌ ولاأحزانٌ


فلتكن أنتَ لي  الوطنُ


والسكنُ


لتعودَ عيناي لنومٍ عميقٍ


 لا أستفيق منه


مللتُ الأرقَ والسهادَ 


والأحلامَ المفزعةَ


نرجعُ من جديد


بدايةُ عهدٍ قويٍّ


نفرغُ أنفاسَ السهدِ


ثم نتنفَّسُ في هدوءٍ


نبرحُ  أماكنَ الآهِ


وعمقَ المتاهةِ


إلى لليلكَ الشجيِّ


نجومُه تتغنّى  بشذا


ويخطنُ أستارَ الليلِ مني

 ها قد وجدتُكَ


وأنتَ ترجعُ من جديد


تزيلُ ماعلِقَ بقلبي من صدأ


وتراكمتِ الذكرى الحزينةُ


فوق أنفاسِ السنينِ


وأنت تنظرُ عبرَ المدى


لترى كيفَ يمكنُ أن ألتقيكَ


هل احتويك؟


واجتبيك؟


أولا أنظرُ إليكَ لأنَّ نارَك موقدة

زهيدة 

السودان الخرطوم


تفاعل الناقدين: صالح مورو ( تونس) وخالد الصلعي ( المغرب) مع قصيدة الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن: من يطهرني..من دنس الركض ؟!

 تفاعل الصديقين الناقدين: صالح مورو ( تونس) وخالد الصلعي ( المغرب) مع قصيدتي : من يطهرني..من دنس الركض ؟!

*صالح مورو  :صديقي العزيز "خالد الصلعي"... وأنا أقرأ هذه القصيدة،داهمتني أفكار وأحاسيس أوحشتْ كياني،وزرعتني ذهولا استعصى عليّ تحديد مداه،فتراءى لي عن بعد خيالك وأنتَ تنزل الدّرج الافتراضيَّ المعتاد،بخطوة الواثق من قدمه على السّطح، والنّاظر إلى المُقبل بارتياح وترحاب..مع ابتسامة تكادُ تُخفيها ولا تُخفيها... هكذا تراءى ليَ الأمر، ففكّرتُ في وضع القصيدة على جداركَ..ولا أدري لماذا..؟!

 اِقرأها إذا،أو ضَعْهَا وراء الجدار...


«مــَن..يطهّرني من دنس الركض؟»


كنتُ كما كان جدّي نبضا..يخاف السقوط

بفوهة المستحيل

ويخشى سهاما تصيب من الخلف..من ألف خلف

تخدش الرّوح

تطيح بأضلعنا... في منعطف للثنايا

وترسلنا إلى الموت في موعد غامض..

وكان أبي مثل جدّي تماما..أصفى من قمرين معا

يحبّ الرحيل..إلى أيّ شيء

يحبّ بلادا ويرحل عنها

لكنّي أراه يكفكف دمعا

كلّما رأى برعما غضّا يتهاوى

أو كوكبا مستفيضا..يتشظى

ثم يستحيل في هدأة الفجر

شظايا..منثورة في الفضاء

..ههنا الآن وحدي على مقعد لست فيه

أهذي لأسمع نفسي

أتحسّس درب اليمام على سطح قلبي

أستعيد ولادة عمري

أدافع عن زهرة لوز

تضوّع عطرها بين الثنايا

* * *

ههنا جالس حيث يعرفني الغرباء

أرنو إلى وطن.. كلّما قلت أنسلّ من عشقه

أفرد للنوايا بساطا..وحمّلني وجعا مبهما

لا..ما عدت أستطيع التحمّل

كأنّ عطر الفتوّة قد تلاشى

كأنّي جئت من زمن آخر كي أكون هنا

لحظة أو أقلّ

كأنّ وشم أمّي لم يزل يطاردني في المرايا..

كأنّ الرفاق الذين عاشوا في ضوئهم..قد مضَوا

أو تواروا في الغبش وراء الغيوم

ماتوا من ضوئهم..

وأنا..ها أنا أجلس خلف جدار العمر أراقب طيفهم

غدا ربّما أسعى إليهم

وأحمل حنيني على كتفي

أقول غدا ربّما...ربّما

أمضي في الغيم بين ثنايا المدى

علّني أستردّ ما نهشته الجوارح من مضغة القلب

وأصيخ السّمع مع الرّيح،إلى جهة المستحيل

فقد- كفّت-الكأس-عن فعلها فيّ مما تداويت

واستبدّت بأوردة القلب مملكة للمواجع-

تنهش الرّوح

توغل في التشظّي

وتؤجج خلف الشغاف

جمر العشايا..

وما ظلّ في خاطري الآن إلاّ حنين

يتذاكى،ويحملني دون إذن،على مركب اللّيل

كأنّي مع النوارس على موعد للرحيل

-لا مركب للغريب سوى شوقه-

لا رفيق له غيره

أو نجمة بين الضلوع،تضيء وتخبو ويرتفع الشوق

من فوق أضلاعها إلى...

تُرى؟

هل يبرق الصّبح شفرته عبر هذا الظلام الكثيف

فأنا في فيض العواصف،دون كفّ

لأدفع عنّي الأذى..

أراني أركض بين تهليلة الطين والماء

وما زلت أعدو

طليقا ومرتهنا بما

خلّفته الوصايا..

فمن،يطهّر الرّوح من دنس الركض

بين النفايات

ويعيد-لكهل الأربعين-

ألق الصّبح..وأريجه

المشتهى..؟!


محمد  المحسن


*خالد الصلعي:

ألف ألف شكر ومحبة وتقدير لهذا الاختيار والانتقاء الجميل ، كأنّك تسكن دواخلي وتمتحن إجابتي ، نعم هو ذاك بعض أنا ، قصيدة ذكرتني بقصائد الكبار الذين يمشون على الشعر هونا فتنقاد لهم العبارات وتمرن بين أحاسيسهم الصياغة ، فجاءت قصيدة يبدو عليها الكثير من العفوية والانسيابية ، كانت قصيدة تحمل من الارتجال ما يوحي باختمار شاعرها في قربة القريض ، ففاض على ظهر الراحل شعرها وشذراتها ، ...أبلغ الشاعر محمد المُحسن تحياتي وتقديري ، هو شاعر مقتدر وخبير ...ولك كل قوافل محبة وأمداء التقدير أخي وصديقي الذي أفتقده كثيرا...صلاح مورو..



فلسطين — العشق الأبدي بقلم طاهر مشي

فلسطين — العشق الأبدي

ااااااااااااااااا ااااااااااااااااا 


فلسطين ليست رقعةً على خارطةٍ فقط، بل قصةُ إنسانٍ مكتوبةٌ على وجه الأرض بحبر التاريخ ودموع الأمهات. حضورها في القلوب أسبق من أيّ حدودٍ رسمت بأقلام البشر؛ هيَ كلّ صباحٍ يوقظ ذاكرةَ العشّاق ويُذكِّرنا بأن للتراب ذاكرةً أيضاً، تحنّ إلى من سار عليه، وأقامه، وزار قبور أجداده.


في هذا الوجود البشري الذي فرّقته الحدود واختلفت عليه الأعراق واللغات، تبقى فلسطينُ رباطًا بين النفوس، تجمعُ المشترك الإنساني الذي لا تقهره سياسات، ولا تُخمده حدود. إنما الإنسانُ ينتسب إلى طوائفٍ متجانسةٍ وأخرى متصارعةٍ وبقدر ما تتباعد المدن، يزداد حنينُ القلوب إلى أرضٍ احتضنت أنبياءً وثقافاتٍ وحكايا لا تموت.


الإيمانُ، كما أراد ربّنا، رابطٌ للقلوب ومِعولٌ للبناء إن تسلح بالرحمة والتسامح. يقول تعالى:

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (التغابن: 2).

فالحكمةُ في الاختلافِ أن يتعارف الناسُ ويتآلفوا، لا أن يكون الاختلاف سببًا للظلم والقسوة. ومع ذلك، فإن بقعةً من هذا العالم تعيش أوجاعاً متكررةً؛ وقد كان لفلسطين نصيبٌ من النكبات، والرحيل، والحنين الذي لا ينطفئ.


لكن فلسطين أيضاً قصيدةٌ عن الثبات. في كل حجرٍ وزيتونةٍ، في أسوارها وترابها، صدى مقاومة ليست فقط صرخة غضب، بل إعلانُ وجودٍ وعشقٍ لا يلين. هذا الحبّ ليس عاطفةً عابرة، بل عهدٌ مع التاريخ والذاكرة؛ عهدٌ أن لا تُنسى القصصُ التي غرستها أمهاتٌ ورجالٌ وأطفالٌ على ساحتها، وأن لا تُمحى أسماءُ الشهداء من دفاتر الزمن.

وقد تعددت صور العشق الأبدي لفلسطين

حيث تجسّد عشق فلسطين في لوحات إنسانية وثقافية نادرة، سطّرها التاريخ بمدادٍ من كرامة، وكتبها الضمير العربي بالحبر والدم معًا.


1. المقاومة: عشق في وجه الرصاص

العشق لفلسطين تجسَّد في المقاومة الشريفة، التي لم تكن حبًا للعنف، بل حبًا للحياة الكريمة. رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ، واجهوا المحتل بأجسادهم، وبصدورهم المكشوفة، ليقولوا: نحن هنا، لن نرحل.


2. الأمهات: صلاة من نار

من أقسى صور العشق وأشدّها صدقاً، تلك التي رسمتها أم الشهيد. دموعها ليست ضعفاً، بل صلاةً من نار، تروي بها أرضًا عطشى للعدالة. لقد زفّت فلذة كبدها وهي تهمس: فلسطين أولاً.


3. اللاجئ: وطن في الذاكرة

في خيمةٍ بالية، عاش اللاجئ الفلسطيني على أمل العودة. كل مفتاح، كل صورة على جدار الخيمة، كل حكاية يرويها للجيل الجديد، ليست إلا تجلّيًا لعشق لا يموت، لوطن لم يُغادر قلبه قط.


4. الطفل: يرسم علم الوطن

في رسومات الأطفال، حيث يرسمون بيتًا صغيرًا وعلمًا يرفرف، تتجلّى براءة العشق. هؤلاء الصغار، رغم القصف والدمار، يرسمون فلسطين بألوان الفرح، لأنهم يؤمنون أن الاحتلال مؤقت، والوطن دائم.


5. المثقف: الكلمة مقاومة

لقد تجلّى العشق لفلسطين في قلم الكاتب، وريشة الفنان، وصوت الشاعر. محمود درويش، غسان كنفاني، سميح القاسم، ناجي العلي، وغيرهم، كتبوا لفلسطين بمداد قلوبهم. جعلوا من الحرف صرخةً ضد النسيان، ومن الفن ذاكرة مقاومة.


6. التضامن الإنساني: فلسطين ليست وحدها

من المغرب إلى إندونيسيا، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب إفريقيا، خرجت الأصوات تهتف: الحرية لفلسطين. عشقها لم يكن حكرًا على أبنائها، بل صار عنوانًا لكل ضمير حي.


المثقف العربي... عاشقٌ لا يهدأ

في قلب هذا العشق، كان للمثقف العربي دورٌ محوري وتاريخي. لم يكن المثقف مجرّد راصدٍ للأحداث، بل كان جزءًا من مقاومةٍ ثقافية شكلت الوعي، وواجهت محاولات الطمس.


التعبير عن فلسطين في الأدب والفن

من القصيدة إلى الرواية، من المقال إلى المسرحية، كانت فلسطين حاضرة في كل بيت من بيوت الإبداع العربي. لم تكن مجرد "موضوع"، بل وطنًا يُكتب ويُنشد ويُرسم.


رفض التطبيع الثقافي

واجه المثقف العربي محاولات اختراق الوعي، ورفض كل أشكال التطبيع مع الاحتلال، مؤمنًا أن الكلمة قد تُقاوم كما تقاوم البندقية.


تشكيل الوعي وحفظ الذاكرة

كتب المثقفون عن النكبة، عن التهجير، عن المجازر، عن الحياة اليومية تحت الاحتلال. كانوا مؤرخين بالرؤية، وصنّاع رأي، وحماة سردية لا تقبل التزوير.


في كل محنة... كان المثقف حاضراً

في الانتفاضات، في الحروب، في كل نكسة، كان صوت المثقف يعلو بالحقّ، ويصوغ الوجدان العربي بما يتجاوز الانفعال اللحظي إلى الوعي العميق.


خاتمة: فلسطين، القصيدة التي لا تنتهي

الوقوف إلى جانب فلسطين ليس ترفًا شعوريًا، بل واجبٌ أخلاقي وإنساني. إنها قضية تختبر ضمير الإنسان، وتُعرّف موقعه من العدالة والحقّ.


فلسطين — العشق الأبدي — تعلمنا أن الذاكرة أقوى من الظلم، وأن المحبة حين تكون صادقة، تتحول إلى التزام، وإيمان، ورسالة لا تنطفئ.


فليكن عشقنا لفلسطين نورًا يُضيء، لا شعارًا يُنسى. ففلسطين لا تنتظر العواطف العابرة، بل تنتظر فعلًا يستحق اسمها... يستحق حريتها.

ااااااااااااااااا ااااااااااااااااا 

بقلم: طاهر مشي 

ااااااااااااااااا ااااااااا 

مراجع ومصادر:


درويش، محمود. ذاكرة للنسيان. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 1995،

.


القاسم، سميح. ديوان سميح القاسم. بيروت: دار الآداب، ط4، 2004.


العلي، ناجي. فلسطين في الكاريكاتير. بيروت: منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1987.


ناعوت، فاطمة. "المثقف والموقف من فلسطين". مجلة الثقافة الجديدة، عدد 238، القاهرة، 2012.


هنية، باسم. "دور الثقافة في مواجهة التطبيع". مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2020.


القرآن الكريم – سورة التغابن، الآية (2).


تقرير "المثقف العربي والقضية الفلسطينية"، مؤسسة الفكر العربي، بيروت،2018 .



يموت الربيع شعر الهادي العثماني/تونس

 يموت الربيع

            

شعر الهادي العثماني/تونس


يموت الربيع

على ضفة من فصول الأماني

فتذوي الورود، ويهوي الورق

وأرفع قبل الصباح شراعا

اذا طال ليلي وشط الأرق

تركت البلاد التي قد تركت

وقد دمرتني مواجع عمري،    ولم انعتق

فرحت اهيييييييم

وبي قلق لا يزول، مقيم

فيشتد بيني وبيني الصراع

وتمتد خلف الظلام ذراع

تضم الأفق

بقلبي صرااااااااع

وفي الروح شب لظى الالتياع

ليفتح جرح الأسى المنغلق

       *     *      *

 إلى أين أمضي؟

وأين أروح؟

وفي النفس سر به لا أبوح

ركبت سروج الفصول العجاف

ولست أخاف

وأوغلت خلف ليالي الغسق

وأسرجت ناري تضيء الأفق

وأحضرت نايي لأعزف لحنا

فتاهت خطاي ببعض الطرق...

وكنت تنامين في الجرح جرحا

وحزنا وفرحا

وصمتا وبوحا

ونورا بصدر الظلام انبثق

وأنت حكايات عشقي نزيفا

وشوقا عنيفا

شتاء وصيفا

على راحتيك الشذا يحترق

خذيني اليك،

دعيني بذورا على راحتيك

نسيما شفيفا كهمس الفلق

فاني أحبك حد التلاشي

وأقسم أني أنا من صدق


الخميس، 25 سبتمبر 2025

"عشقتك" بقلم الشاعر عبدالسلام بوكردوغة

 "عشقتك"


عشقتكِ بين حروف الليل،  

بين أنفاس القمر،  

وأنا أكتب في دفتري،  

قصائد حب لا تنتهي.


عشقتكِ حين ناداني،  

صوتكِ كنسيم الصباح،  

يوقظ في قلبي الأمل،  

ويحملني لأقصى سماك.


عشقتكِ في عيونكِ،  

عالمٌ من الأحلام،  

كلما نظرت إليكِ،  

أرى قلبي في سلام.


عشقتكِ في ابتسامتكِ،  

كأنها شمس تشرق،  

تضيء لي دربي،  

وتشفي جراحي العميقة.


فأنتِ نجمة في سمائي،  

وأنا أسير في حبكِ،  

أكتب لكِ كل يوم،  

قصائد عشقٍ لا تنتهي


        الشاعر

عبدالسلام بوكردوغة

  القطار قفصة



أصداء الغياب بقلم الكاتب سَعيد إِبْرَاهِيم زَعْلُوك

 أصداء الغياب


لا تُنادِ…

فالصمت يمتصُّ كل صوت،

والأبوابُ غائبةٌ،

والصوتُ رمادٌ يتطاير في الريح.


رحل القريبُ،

رحل الحبيبُ،

وانطفأت أنوار الدرب الذي كنتَ تظنُّه لا يخون،

وبقيتَ وحدكَ،

تحرس الليل الجريح،

تستودع الدمعَ على أكتاف الغروب،

وتسأل قلبكَ: هل في الركون خلاص؟ أم في النداء جنون؟


لا تُجيب…

فالهواءُ يعيد لك وهم الرحيل،

والنجوم التي كنتَ ترجُوها،

تحولت إلى رماد بارد،

يغلق أبوابه في السماء.


لا قريب…

كل وجوه الأمس تبخرت،

وانسلت من حضنك كالماءِ بين أصابع العطشان،

وسوى الدموع تُنقّط الليل كنجوم حائرة،

وسوى وجعٍ يُقيم في ضلوعكَ

يفتح جرحًا فوق جرح،

ويردد: «من يضمّدني إن لم يكن القريب؟»


لا حبيب…

مَن أضاء ليلكَ بالوفاء أطفأه الغياب،

وترَكَكَ معلّقًا بين ذكرى تستهلكك،

وقلبٍ يقاوم الانكسار،

تمد يديكَ للهواء فتعود فارغة،

كأنك تجمع الرماد وتحسبه جناحًا للطيران.


لا غريب…

فالطرقات صامتة،

والوجوه متشابهة كالأقنعة في مسرح بالٍ،

تمشي بين الجموع فلا ترى إلا فراغًا يتحرك،

تبتسم الشفاه،

لكن العيون تُخفي ركامها،

والقلوب حجارة تدحرجت في صدر الزمان.


لا نجاة…

كل المرافئ أغلقت أبوابها،

كل السفن غادرت الشواطئ،

والموج يبتلع ما تبقى من حلم المسافرين،

وكل الطعون أغرقتكَ،

ولم تعد تعرف:

أأنت تسير على قدميك؟ أم تُجرّكَ خُطاك إلى هاوية لا نهاية لها؟


لا فناء…

فالظلام، وإن طال، ينحني للفجر،

والأرض، وإن جفت، تتفجر بالزهور،

والقلب، وإن انكسر، يلمّمه الحلم فيزهر مجددًا.

في ركام الوجع يولد اليقين،

وفي صمت العتمة تُضيء نجوم الرجاء،

ومن بين أنقاض كل غياب يولد حضور أبهى.


ومادامت الروح تشهق لله،

ومادام فيكَ نبض يهتف:

«سيجيء صبحٌ،

وتضحك الأرواح بعد طول بكاء».


 سَعيد إِبْرَاهِيم زَعْلُوك