الأربعاء، 9 فبراير 2022

سأكونُ ذاكرتكِ الشهيّة /رانية مرعي/جريدة الوجدان الثقافية


 إلى المرأة التي سأكونها بعد قدر :

سأكونُ ذاكرتكِ الشهيّة ..
ستفخرينَ أنّي سيّجتُ مدينةَ الحبّ بكلماتي ..
ستضحكين من مشاغباتي في كلّ لقاء ..
ستروين لأحفادكِ في ليلةٍ شتوية عن ابنةِ يناير التي تكبرُ الرّبيع ..
فتاةٌ بشعرٍ قصير عكس كلّ الروايات .. تعلّمَتْ ركوبَ الخيل ..وأطلقتِ العنانَ لثورةِ الياسمين ..
وأنّها أهدت جدّتهم قصصًا تروي غليلَ كلّ نبضٍ عاشق ..
رانية مرعي

بَعْضُ شُعَرَاءِ السُّوشْيَالِ مِيْدِيَا شعر: فؤاد زاديكى

 بَعْضُ شُعَرَاءِ السُّوشْيَالِ مِيْدِيَا

شعر: فؤاد زاديكى
اِسْتُبِيْحَتْ سَاحَةُ الشِّعرِ اِنْتِهَاكَا
لمْ يَعُدْ يُغْرِي ولا يُرْضِي هَوَاكَا
---
ليسَ مِنْ شِعْرٍ بِشَيءٍ لو نَظَرْنَا
لِاخْتِبارِ الشِّعرِ قُلْنَا مَا دَهَاكَا؟
---
يَرْفَعُ المفعولَ في شَكْلٍ قَبِيحٍ
يَنْصُبُ المرفوعَ رَشًّا أو دِرَاكَا
---
بَحرُهُ نهرٌ خَلِيطٌ ليسَ وَزنٌ
(فاعِلاتنْ) (فاعلنْ) يَسْعَى حَرَاكَا
---
لو أرَدْتَ النّصَّ تَقْطِيعًا---
عَرُوضِيًّا سَتَقْضِي مِنْ أسَاكَا
---
لنْ تَرَى بَحرًا لهُ في أيِّ وَزْنٍ
ما إذا غَيّرْتَ وَزْنًا مِنْ رُؤَاكَا
---
مُفْرَدَاتٌ ما لها أصْلٌ وفَصْلٌ
صاغَها مُسْتَحْدِثًا فِيها شِبَاكَا
---
لم تَرِدْ في أصلِ قاموسٍ بَتَاتًا
مِنْ خيالٍ مُشْتَهَاه ُ الغُرُّ حَاكَا
---
لو سَعَيْتَ الفَهْمَ تَوْضِيْحًا أجابَ
مِنْ ضَرُورِيَّاتِ شِعْرٍ. لا رَعَاكَا
---
رَبُّ نَحْوٍ إنَّ هذا اِنْتِكَاسٌ
وانْتِهَاكٌ فاضِحٌ شاءَ الهَلاكَا
---
ماتَ رَبُّ الشِّعْرِ في (سُوْشْيَالِ مِدْيَا)
ليسَ نقدٌ ليسَ تصحيحٌ سَعَاكَا
---
تَنْشُرُ المَنشورَ لا تَدري لِمَاذا
يُجزَمُ المَجزومُ لا شيءٌ وَرَاكَا
---
المُهِمُّ اليومَ أنْ تَحْظَى بِنَشْرٍ
ثمّ تَوثيقٍ و لا يَدري هَوَاكَا
---
مَنْ أتى تَوثيقَ نَصٍّ لا يُرَاعِي
صِحّةَ المنشورِ حتّى لا يَرَاكَا
---
إنّهُ عَيْبٌ كَبِيْرٌ لا خَبِيْرٌ
مُدْرِكٌ مَا في نَوَاحي مُسْتَوَاكَا
---
نَقْرَأُ البَعْضَ, الذي يُخْزِي بِفِعْلٍ
شَوَّهوا شِعْرًا, أذَلُّوهُ عِرَاكَا.
Peut être une image de texte

زلزلة الأفراح/عبدالحميد دحمان/جريدة الوجدان الثقافية


 زلزلة الأفراح

ماذا أقول غير أعيش فرحا
وإن طال زمن فرحي أوقصر
وهل أصدق بعد الهجر زمنا
يأتي بعد الجفا بغيث منهمر
وفي الزوايا بقايا حزن قابعة
مالي أضحيت مبتلى بالسهر
وكأن عهد الجفا كانت سحابة
والحب بيننا أخيرا قد انتصر
مازلت أرى الحب بين قلبينا
وإن أخفيناه أمامهم بالحذر
لا تسمعي لقول حاسد لنا
غيض نفسه يغتال بالقهر
مازلت أناديك دواء روحي
وإن حرم بصري لذة النظر
جمعت بحروفي قصائدي
فكيف من أحببتها عني تدبر
أخفيت عنك نار مواجعي
حتى أرى بسماتك تظهر
إني امرؤ مغرم بك صبابة
حبي في الفؤاد لم يذر
كل الجمال أراه اليوم باديا
ذكرياتي كنار الهشيم تستعر
ثورة الدمع لقياك أطفاها
حلوه أنساني الآه والقهر
قالت عيناك أما زلت تهواني
أجابتها تنهيدتي كيف اغدر
تبدين سحرا لا أقدر عليه
يا حبيبتي يا شبيهة القمر
شلل أصاب جوارحي بعدك
كلي غدوت عاشقا للقمر
أراك في منامي و صحوي
وفي مكوثي ووقت السفر
وأغض الطرف عنهن متعمدا
وأنهي صيامي بلقياك وأفطر
كم أرجو لقى تخمد أشواقي
وأبوح لك سرا إن حبك مبهر
الأستاذ:عبدالحميد دحمان

مرايا عاكسة العالمية والفساد الأدبي بقلم : السعيد بوطاجين

 مرايا عاكسة

العالمية والفساد الأدبي
بقلم : السعيد بوطاجين
كثيرا ما يرغب بعض الكُتاب في اختراق الحُدود اللسانية والجغرافية بحثا عن الترجمة والانتشار والجوائز، أو عن الاعتراف "الدولي" بمنجزهم، بصرف النظر عن قيمته وأصالته في جغرافية الإبداع، وهم يُدركون أنّ أنظمة التقييس لها مرجعيات مخصوصة تعود إليها، لمنح هذا الاعتبار التمييزي، ولها مقاصد قد لا تكون أدبية أو فنية في المفاضلة، بقدر ما تنطلق من مقوّمات ذات علاقة بمعايير تفرضها الخيارات النفعية.
مشكلة القياس لا تتعلق فقط بالتقييم الغربي، بل بعدد من الجوائز العربية التي تبني على خلفيات لا تُولي أهمية كبيرة لفنية النص ولغته وبلاغته وفلسفته، أو لما يمنحه هيبة وديمومة. الأيديولوجيات لها حضور ضاغط في احتضان الكتاب وتثمينه والإعلاء من شأنه بتشغيل الدعاية الإعلامية والمؤسساتية تكريسا للموضوعة، وقد تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى قيمة اعتبارية موجهة . لذا لا يمكن الاحتكام إليها باستمرار لمعرفة الحقيقة الأدبية ، في ظلّ تبوأ صناعة المرجعيات، وفي ظل تراجع الأكاديميات إلى درجة أدنى.
إنّ قبول النص في خارطة الأدب العالمي يخضع لمنطق الهيمنة الاقتصادية والثقافية والفكرية، إلى الجماعات التي تقوم بإنتاج القيم البراغماتية وتدويرها، ولو كانت مُنافية للمُثُل العُليا وللفكر الإنساني، كالتنوير والتحديث على المقاس. أمّا دور النشر، في أغلبها، فليست سوى ذيول مالية منفذة للإملاءات التي تقف وراءها المنظمات والثقافات النافذة، ولمختلف التيارات التي تقنن الموضوعات والرؤى: تشجيع الكتابة الإباحية ، النزعة اللادينية، الخطاب المُضاد للنواميس، السُّخرية من الإمام والقسّ، وتدمير الأخلاق بتكريس نصوص مقلوبة يتبناها القارئ الذي عادة ما يكون ضحية للقيم الرأسمالية الاستهلاكية.
جُزءٌ مُعتبر من الكتّاب العرب والأفارقة الذين عرفوا انتشارا في الغرب يطبقون الضوابط بإملائية، وهي القوانين التي تفرضُها الوصاية، كحال الترجمة الانتقائية التي لا تهتمّ سوى بما يحفظ مصالحها من النفود الأجنبي المضاد. الأدباء التابعون أدركوا شروط القوانين الغربية ، فامتثلوا لها بحثا عن التموقع: الاندماج في نمط التفكير، الانقلاب على الدين، الأعراف، اللغة، التاريخ، الموروثات، تبني خط الناشرين، الامحاء في المركزية، المحاكاة، تكريس المنظورات بالحفظ والتحيين، تغييب الأنا، الهوية السردية والشعرية، وكلّ ما يجعل الابداع تعبيرا عن الخصوصية التي دعا إليه غوته بعد انقلابه على فكرة العالمية، بمفهومها التأسيسي الذي اشترط تطابق الآداب مع التوجهات الأوروبية في مفهمة الابداع.
الجوائز التي مُنحت لبعض الأسماء الإفريقية والعربية الجديدة لا تدلّ بالضرورة على العبقرية الحُرّة، كجوهر لأي تحديث لا يبني على الالتزام بالرؤى الغيرية في ظل الفوبيا التي تميز الدول واللوبيهات، وجزء معتبر من المجتمع المدني الغربي الذي يتحسسمن الكتابة عن المعتقد،عن التاريخ الاستعماري، عن جرائم الغرب، وعن صناعة الحروب المُهينة، وذلك من أجل تحصين الأمن الأيديولوجي، وليس الفلسفي والقيمي الذي ميز الكلاسيكيات الكبرى. هذه الموضوعات لا تؤهل للترجمة والعالمية لأنها قيم مُنافية للنمط الذي يصنف الإبداع وفق قياسات مناوئة للحضارات المختلفة، كما أشارت إلى ذلك " مدام دو ستايل" ، في كتابها "من ألمانيا"، متهمة نابليون بتسييج فرنسا الأدبية وجعلها معيارا لكل إبداع يأتي من خارج ثقافتها.
ما عاشه الروائي والشاعر " فيكتور مالو سيلفا " ، كعينة تمثيلية، جزء من الحصار المضروب على الآداب المتمردة على التقييس، بحثا عن تكريس القيم الإنسانية الخالدة. لقد كتب لي المؤلف، بعد نشر رواية " رقان حبيبتي"، يشكو المُضايقات، مثمّنا ترجمتي الرواية، وقد رأى في ذلك تحريرا لها من الاغلاق الذي عاشته في فرنسا بسبب موضوعها المستفز للنظام... الكتاب إدانة للتجارب النووية في الصحراء الجزائرية، وهو أمرٌ لا يناسب الجماعات التي تتحكم في الشأن الأدبي، ما يتفاداه كتّابنا "العالميون"، كما يتفادون الكتابة عن التعذيب والتهجير والجرائم وقتل الأرض، عن المقصلة ورمضان وفضائل القرآن الكريم ،هؤلاء يعتبرون المسجد مصنعا لإنتاج الإرهاب ..، كما يُمْلَى عليهم ، وهي موضوعات تُبْعدُهم عن العالمية.
الممارسات النقدية الغربية، في أغلبها، تقف ضد الخصوصية الدالة على الاختلاف الضروري لإنتاج المعنى، وهي لا تقبل سوى بالمنسجم مع الأوروبي، في جانبه النيّر، وفي جانبه المُنافي للتنوع وحرية المعتقد والقيم الحضارية القائمة على العدالة. القالب الذي تتحكم فيه الكيانات هو الذي يراقب ويقرر، كما حصل في الفترة الجدانوفية التي فرضت على المبدعين " التفاؤل المورّد الخدين"، بتعبير الشاعر الروسي" يافجيني يافتوشينكو "، ما جعل بعض الكتّاب يتوقفون عن التأليف، أو يعيشون في الهامش، ومنهم "ميخائيل بولغاكوف" ، ثم " سولجنتسين " الذي فرّ إلى أمريكا هربا من الأيديولوجية التي حاصر بها " ستالين " الفعل الإبداعي، مع أن ظلال " ستالين " هي التي تقرر حاليا، رغم ادعاء الانفتاح واحترام المختلف.
العالمية إذن لا تتحقق بالعبقرية وحدها، بل بمجموعة من العوامل الظهيرة، ومنها القوة الاقتصادية والثقافية للأمة التي تدعم الفنّ وتروّج له وتنشره عن طريق المجلات والإعلام والمؤسسات والجامعات والمراكز الثقافية والسفارات والهيئات، كما يحصل في أوروبا وأمريكا، وفي بعض البلدان الخليجية التي انتبهت إلى دور والفن والفكر في تحصين نفسها، فلجأت إلى تخصيص ميزانية لخدمة الثقافة. العالمية التي يرغب بعض الكتّاب العرب في الوصول إليها لا تتحقق سوى بمجموعة من التنازلات لفائدة المنظورات الغربية للإنسان والحضارة، على حساب الشخصية والهوية، كما يحصل حاليا مع أسماء انقلبت على أمتها، أو ما يمكن أن نسميهم: الأدباء "الحركى" المتحيزين للرؤية الأوروبية، ضد مجتمعاتهم التي ينظرون إليها باستعلاء، كما يفعل المستعمر والموالون له.
لن يصبح المتنبي عالميا فيظلّ احتكار أدوات القياس، ولا المعرّي أو ابن عربي. سيظل هؤلاء محليين ومغمورين، أو جزء من الأدب الصغير، كما يسميه " فرانز كافكا"، على عكس" بودلير" أو " أرتور رامبو " اللذين ينتميان إلى مجتمع يقف وراء تكريس الأنساق وصناعة القوانين التي تصنف الابداع، كما فعلت مع أغنية "الراي"، وليس مع الأغنية الملتزمة.الإنسان أيضا تحدده الضوابط الغربية، لأنّ الغرب، كقوة كبرى، يعد غربالا للأوطان والنعوت والمعتقدات والقيم والفنون، وهو الذي يقرروفق ما تراه الجماعات التي تضبط العبقرية بالأموال والأيديولوجيات، ولذلك يتمّ ترسيخ أسماء أدبية تابعة، على حساب الكفاءات.
العرب والمعربون، مفرنسو العالم الثالث، الكتّاب بالإنجليزية والداعون إلى الكتابة بالفرنسية ، بحثا عن الشهرة، يواجهون خيارين : إمّا الانضمام إلى الصف طمعا في الترجمة والعالمية كمسوخ موالية إملائيا للمنظور الغيري، ومن ثمّ الانقلاب على المقوّمات والهوية إرضاء لصنّاع القيم والمقاييس، وذاك ما يقوم به بعض الكتّاب الذين أصبحوا يمثلون هذه الأوطان بشكل مُخْزٍ. أمّا الخيار الثاني فيكمن في الكتابة للتاريخ بإغفال العالمية التي تخضع للعرض والطلب ، وفي ذلك تضحية بالشهرة لفائدة الخيال والحرية.
الخيارُ الأمثل يكمن في خلق مركزية عربية موازية لا تتأثر بالمؤسسات المالية والسياسات التي تصبّ في الفساد الأدبي الغربي.لا يمكن لبلدان لها كيانها أن تخترق التقاليد الغربية بنصوص تتناول الإسلام والأنبياء والموروثات العظيمة لأنها مُنافية للقياس. لقد مُنحت جائزة نوبل لعشرات الكتّاب من بلدان مختلفة، ومن جُغرافيات مجهرية لها حضور دولي قويّ، لكنها لم تمنح لأربعمائة وعشرين مليون عربي سوى مرة واحدة بالخطأ، مع ما اكتنفها من شكوك تتعلق بسبب الخيار، وبعلاقة نجيب محفوظ باتفاقية "كامب ديفيد" في عهد الرئيس أنور السادات، رغم أنه يستحقها ككاتب استثنائي في تاريخ الأدب العربي، كأسماء كثيرة ذهبت ضحية المركزيات.
Peut être une image de 1 personne et texte

شاخت سنونك//جريدة الوجدان الثقافية/جريدة الوجدان الثقافية


 شاخت سنونك ،،لا إلف و لا سندُ

و الغبط عنك ،،كذاك النجم يبتعدُ
لا حلم يكسر عتم الليل ،،لا أمل
يأتيك بعد ضياع الجهد ،،يجتهدُ
العين منك ،سرابا أبصرت فبكت
و الصدر يشهق و الأوصال ترتعدُ
أهدرت عمرك في سعي بلا كلل
تهدي الأنام سرورا ،،حين تتّقدُ
شعرا تقول ،،و نار أحرقت كبدا
و الحزن يعصر قلبا شابَهُ الكَبَدُ
سامية بوطابية
شاخت سنونك

شرف العائلة / قصة لـــ مصطفى الحاج حسين/جريدة الوجدان الثقافية


 /// مصطفى الحاج حسين ..

قصة : شرف العائلة .
طُرِقَ علينا الباب ، دقّات عنيفة ، سريعة ، ومتتالية بعثت الرّعبَ في أوصالنا ،وجعلتنا ننكمش على أنفسنا
حتّى أنَّ أخوتي الصّغار ، الّذينَ لا ينقطع ضجيجهم ، لاذوا بالصمتِ وهرعوا نحو أمّي ، ملتصقينَ بها بحثاً عن الحمايةِ والأمان .
اعتقدنا أنّ القادم هو «الحاج منير» صاحب
المنزل ، الذي يريد إخراجنا منه ، قبل انقضاء المدّة المتّفق عليها .
وبنظراتٍ مليئةٍ بالحيرةِ والأسى ، حدّقَ أبي
بوجهِ أمّي الشّاحب، وهمس :
- قولوا غير موجود ... لن أقابل هذا السّاقط .
انتفضت أمّي ، وأعلنت بصوتٍ مثقَلٍ بالقهرِ :
- هذا النّذل يجب وضع حدٍّ له .
وبتلعثمٍ يشي بالعجزِ ، نطقَ أبي :
- وماذا بإمكاني أن أفعل َ، وكلّ أقربائهِ يحاصرونني في سكنة هذه الحارة؟!.
واستجابةً لأمرٍ صدرَ من والدتي ،نهضتُ بتوجّس
واضطرابٍ لأفتحَ الباب .
خاطبني أبي :
- كما أوصيتكم... أنا لستُ هنا .
عندما عبرتُ من جانبِ بابِ المطبخ ، خطرَ لي أن أدخلهُ وآخذ سكّيناً ، أطعن بها «الحاج منير» ، وأريح والدي منهُ ،ومن زعيقهِ العالي، لكنّني سرعان ماجبنت
ُ وطردتُ فكرتي ، لأتقدّمَ وأفتح الباب ،الّذي كانَ برتج
ّ بفعلِ قوى الدّق المتواصل .
اندلقت المفاجأة فوقَ رأسي ، تبخّر غضبي
المستعر في شراييني ، وتلبّستني الدّهشة ، فجّرت في ثنايا أعماقي المنقبضة شلالات فرحٍ صاخبة ، فرحٍ يرغمُ حامله على البكاء ، لكنّني كظمتُ عاصفة النّحيب ، وزايلني وحلُ الخوف . ما حدثَ كانَ أكبر ممّا أتصوّر ، نعم ، نعم ، إنّهم أعمامي ، أعمامي الكُثُر رجال عائلتنا ، جاؤوا إلى زيارتنا دفعة واحدة ، لا بدَّ أنّهم سمعوا بمضايقاتِ «الحاج منير» لأبي ، أتوا ليضعوا له حدّا ً، شعرتُ بولادةِ القوّةِ ونموّها في داخلي ، نحنُ أقوياء إذن ْ، فَلِمَ يجتاحنا الهلع كلّما
قُرعَ علينا بابنا؟!
ارتبكتُ لمرآهم ،وكأنَّ لساني أوثق بحبالِ الصّدمة
في حين كانت جوارحي تهتف ُ:
- أهلاً وسهلاً... أهلاً... أهلاً .
زعقَ عمّي «الحاج قدّور» كبير عائلتنا :
- هل أبوكَ موجود يا ولد؟
صُدمتُ! واعتبرت طريقته في مخاطبتي إهانة
ًفأنا أرفض أن يقول عنّي أحد ولداً، ولو كان القائل كبير عائلتنا .
رددتُ وأنا أبذل جهداً في كظمِ غيظي، بعدأن
غادرتني ابتسامتي، التي لم تكد تستقرّ فوقَ شفتيَّ بعد، كانت كعصفورٍ حطَّ فوقَ شجرةٍ مثمرةٍ، لكنّهُ لمحَ بندقيّة الصّياد مسدّدة نحوهُ، ففزعَ ورفرفَ بجناحيهِ الصّغيرينِ، وطار :
- نعم... أبي هنا .
صاحَ عمّي «الحاج رحمو» :
- نادِ عليهِ بسرعةٍ ...
ثمّ أردفَ ضاحكاً :
- اللعنة على ذقنهِ .
تهاوى فرحي من عليائهِ، تهشّمت مرايا غبطتي على صخرةِ ضحكاتهم المقزّزة . هم نادراً ما يقومون
َ بزيارتنا، لا سيّما بهذا الجمع .
استقبلهم أبي، وعند العتبة تكدّست أحذيتهم الملمّعة، هرعتُ إلى أمي :
- أمّي... هؤلاء أعمامي .
وبفتورٍ أدهشني ، قالت :
- تشرّفنا .
رفضتُ تناول الطعام، أريد مجالستهم ، والاستماع
إلى أحاديثهم، علّهم يقرّرونَ ضربَ «الحاج منير» ، ومنعه من إزعاجنا .
احتلّوا أماكنهم فوق السّجّادة ، أحضرتُ لهم التّكايا، وبسرعةٍ حملتُ من المطبخ عدداً من منافضِ السّجائر، وكم كنتُ أتمنّى على والدي أن ينتهي من طلباتهِ .
طفتُ على الجّميع وأنا أقدّم لهم الماء ، شاعراً بالحرجِ الشّديد ، فالماء غير مثلّج ، نحنُ لا نملك ثلاجة ً، والطّقس حار . وقبل أن أتّخذَ مكاني قرب عتبة الغرفة ،أمرني أبي أن أوصي على إبريق الشّاي
... ولحظة أن أردتُ مغادرة المجلس ،خاطبني عمّي «الحاج كرمو» :
- نحن نريد قبل الشّاي، أن نتعشّى .
هتف أبي بحماسة :
- أهلاً وسهلاً... العشاء جاهز .
سمّرني ضحكهم المباغت، ضحكات ماكرة ،
ساخرة ، لئيمة ، ومن خلال ضحكته ، هتفَ عمّي «الحاج ممدوح» مخاطباً عمّي «الحاج كرمو» :
- يا رجل، أتركهُ بحاله... الجّوع قاتله وقاتل أولاده .
صاح أبي بحّدة وحرجٍ، ممّا زاد من تعرّقه :
- خسئتَ أنتَ والجّوع... الحمد لله مستورة .
تعالت ضحكاتهم المقيتة من جديد ، دون أن نشاركهم أنا وأبي بها . لكنّ «الحاج قدّور» أوقفني قبل أن أردّ الباب :
- عمّك « الحاج كرمو » يمازح أباك ... أوصِ على الشّاي .. كم كرهتهم في هذه اللحظة ، ولولا مخافة
إغضاب أبي لكنت طردتهم من منزلنا ، الآن أدركت سبب احتقار أمّي لأعمامي، فهم أغنياء متعجرفون وأبي مجرد معمارٍ لا أكثر .
رويتُ لأمّي ما حدث داخل الغرفة الخانقة ،
فقالت بغضبٍ :
- يحقُّ لهُ... أبو شدق...شدقه أكبر من فردة الصّرماية
وكانت تقصد عمّي «الحاج ممدوح» صاحب النّكتة السّمجة .
الضّحكات والإبتسامات غادرت الأوجه ، وحلّت مكانها ملامح جامدة وقاسية .
جلستُ أراقب الوجوه العابسة، فتحدّث كبير عائلتنا :
- الكلبة فضحتنا ، وجلبت لنا العار ، كلّ يوم نسمع عنها أخباراً جديدة .
هتف «الحاج صالح»، وكان العرق بتصبّب منه بغزارة :
- ذبحها صار حلالاً .
سأل أبي :
- هل أخوها «الحاج حمدو» يعرف حكايتها؟!.
تعالت الأصوات من أماكن عدّةٍ :
- إنّهُ قوّاد ، تدفع له ثمن مشروبه ، وتتكفّل بكلّ مصاريفه .
- منذ فترة اجتمعنا ، وأرسلنا في طلبه ، ولمّا جاء ، طالبناه بقتل أخته .
- قلنا له لا تخفْ، نحن لن نتخلى عنك .
- لكنّ القوّاد رفض .
- بل راح يبرّر، ويدافع عنها .
صاح عمّي «الحاج كرمو» :
- والله ذبحه حلال ، يجب ذبحه قبل ذبح أخته الفاجرة .
تبعه عمّي «الحاج ممدوح» :
- فكّرنا بطريقة لقتلها ، ولهذا جئنا إليك .
أدرك والدي أنّ الكلام موجّه إليه ، قال حائراً :
- وماذا بمقدوري أن أفعل أنا ؟!.. أنتم كما تقولون تحدّثتم مع «الحاج حمدو» ورفض قتلها. فهل سيستمع إليَّ؟! ..
أشعل «الحاج قدّور» سيكارته ، عبَّ نفثاً عميقاً ، قال :
- نحن لم نأتِ لنطلب منكَ أن تتحدّث مع أخيها.
ولأوّل مرّة يتدخّل عمي «الحاج محيو» :
- جئنا لنعرض عليك فكرة، كنّا قد توصّلنا إليها.
سأل أبي بدهشة :
- تعرضون عليَّ فكرة؟!
سعل عمّي «الحاج وضّاح» صاحب أطول أنفٍ في عائلتنا، ودمدم :
- ما رأيكَ أن يقتلها ابنك «حسين».
قفز قلبي من سُباتهِ، أحسستُ بحبلِ المشنقة يلتفّ حول عنقي ، داهمني رعب وبرد ، هل أنا من سيقوم بقتلها ؟! ولكن من هي؟ وما اسمها؟ أنا لا أعرفها ، ولا أعرف أخاها!! ثمّ ما صلة القربى بيني
وبينها؟!.
وتنبّهتُ على صوت والدي :
- ولماذا اخترتم ابني؟ وكلّكم عندكم أبناء ، وصلة القربى بينكم وبينها أكثر .
ابتسم عمّي «الحاج سلّوم» ، وهتف :
- يا ابن العم ، ابنك ترك المدرسة ، أمّا أولادنا فهم يتابعون دراستهم ، ونحن لا نريد تدمير مستقبلهم.
غلى الدّم في عروقي، أوشكت أن أعلن :
- أنا لست مستعدّاً لدخول السّجن .
لكنّ أبي وفّر عليَّ الكلام :
- ابني غالٍ علي ّ، كما أولادكم غالون عليكم . وأنا لا أفرّط به ، لكن عندي فكرة إن وافقتم عليها فأنا
جاهز .
عدد من الجالسين، تساءلوا :
- ما هي فكرتك؟! أخبرنا .
تابع أبي :
- نكتب أسماء أولادنا،كلّ من لم يتحاوزالسّن القانوني
نسجّل اسمه ، ثمّ ، نقوم بإجراء «قرعة» ، ومن تقع عليه «القرعة» يقوم بقتلها .
كان الرّفض شديداً من الجميع ، هم يدّعون
أنّ أولادهم يريدون متابعة دراستهم ، وأنا تركتُ المدرسة .
الكلّ راح يهتف ، ويصرخ ، ويزعق ، ويصيح :
- لن نتخلّى عنه .
- سنوكل له أكبر محام ..
- سنقدّم له كلّ ما يحتاجه في السّجن .
قاطعهم أبي :
- لكنّني أخرجته من المدرسة ليساعدني في حمل مسؤولية البيت .
- نحن سنساعدك .
- نشتري لك منزلاً، ونريحك من مشكلة الإيجار .
- سندفع لك راتباً شهرياً .
- ونزوج ابنك واحدة من بناتنا ، بعد أن يخرج من السجن .
وثَبَ قلبي من جديد ، أُعجبتُ بفكرتهم ، فأنا
أحبّ «انتصار» ابنة «الحاج أحمد» ، لكن لا أمل لدي
والدها غنيّ ، وأنا لم أؤدِّ خدمة العسكريّة بعد، وأمي تقول :
- «انتصار» ستتزوّج قبلك ، فهي أصغر منك بسبعة أشهر فقط ، وستنجب عدّةأطفال ، قبل أن نفكّر بزواجك .
نعم ، سأقبل بعرضهم ، أجل سأوافق. هم يقولون
أنّي لن أسجن طويلا ً، المهم أن أحقّق حلمي،وأحوز
على حبيبتي ،ثمّ أنّي سأنقذ أهلي من مشكلةالإيجار.
لكنَّ الباب فُتحَ علينا ، أطلّت أمّي بوجهٍ متجهّمٍ ، رمقت الجميع بنظرةٍ قاسيةٍ ، قالت وهي ما تزال واقفة عند الباب :
- ابنك يا «حاج محيو»، أيضاً ترك المدرسة، فلماذا لا يقتل ابنة عمّه السّاقطة؟!
احمرّ وجه «الحاج محيو»، وبعد أن تطلّع بوجوه
الجّميع، أجاب بتلعثم :
- ابني «محمد» لا يقدر أن يقتل عصفوراً .ابني لا يستطيع .
وقبل أن تردّ أمّي وهي محمرّة الوجه ، يقدح الشّرر من عينيها ، ارتفع صوت طرقٍ على الباب ، وتعالى صوت « الحاج منير » ، وهو يشتم أسرتنا وعائلتنا ، منادياً رجولة أبي للخروج إليه ، ووقف الرّجال ، تأهّبوا ، ثمّ خرجوا من الباب، غير آبهين لشتائم « الحاج منير » ، وسباب والدتي ، الذي كان
يطاردهم في الحارة .
مصطفى الحاج حسين .
حلب .