صوتٌ يعانق الصمت: فيروز بين رمزية الأمل..ووجع الأمومة..
- أيا فيروز..في جلال صمتك عن المصاب الجلل..تتشقق جدران القلوب..وينهمر الدمع من المآقي نزيفا.. بحجم الوجع.. ( الكاتب)
-إذا أردتَ ألا تخشى الموت، فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه” (snénèque)
-فيروز،كالشجرة التي غنّت لها،تظلّ صامدةً رغم العواصف.حزنها جزء من أسطورتها الإنسانية،وهو يُذكّرنا بأنّ الفنّانين العظماء،مهما ارتفعوا،يحملون نفس المشاعر التي تلمسنا جميعًا..( الكاتب)
تتجاوز قصة فيروز المرحلة الفنية إلى حقيقة إنسانية عميقة.لطالما كانت "جارة القمر" صوتا يرفرف على قلوب الملايين،ناقلا لهم من خلال ألحانها نبض الحب،وحنين الوطن،وبراءة الطفولة، فكانت ملاذا روحيا لأجيال عربية كاملة..
أما اليوم،فقد واجهت هذه السيدة التي أثرت العالم بموسيقاها أقسى أنواع المواجهات: مواجهة الصمت الداخلي في حضرة الفقد.فبعد رحيل ابنها هلي الرحباني،وجدت نفسها في موقف تتعذر فيه سلطة الكلمة والنغمة على تهدئة وجع الغياب.
تعيش فيروز محنة الأم الثكلى بعيدا عن الأضواء، محافظة على صمتها المعهود وهدوئها العميق، تاركة الصلوات والدعاء لغة وحيدة للحوار مع جرحها.إنها الصورة الإنسانية الخالصة لرمز عظيم، يذكّرنا بأن وراء الإبداع الخالد،يخفق قلب بشري يفرح ويتألم.
في هذه اللحظة بالذات،حيث يلتقي الحزن الشخصي بالألم الجماعي،وتتجلى قسوة المفارقة وألمها،ينبجس سؤال من شقوق المواجع : كيف لصوتٍ عُهِدَ إليه أن يكون شفاء للروح،أن يعجز عن مداواة جراح صاحبه؟!
ها هي الأم التي غنّت للقمر والياسمين،تواجه عتمة لا ينفذ إليها ضوء النغم.إنها مسيرة إنسانة منحت العالم تعويذة الجمال،لتكتشف في المحطة الأخيرة أن هناك أوجاً لا تبلغه الموسيقى،وأن هناك فجوة في النفس لا يسدّها إلا الصبر والإيمان الصامت.
رحيل الابن ليس مجرد فقدان عزيز،إنه زلزال يهزّ أركان الذاكرة،ويحوّل الماضي الجميل إلى شظايا حنين مؤلمة.في هذا المشهد،لا يملك المحبون سوى أن يحيطوها بهدوئهم،مرددين بأفئدتهم ما علمتهم إياه من خلال أغانيها:أن الحب يبقى،
والذكرى تخلد،وأن "بعدك على بالي".
وعلى الرغم من هذا الألم الجارف،والجرح السافر،تظل فيروز منارة للصفاء والنقاء.إنها مثال على الكبرياء الهادئ الذي يواجه المحن بإيمان لا يهتز،ويوكل التعبير إلى إرث فني خالد ينطق عما تعجز عنه المشاعر.
واليوم..!
يجتمع-اليوم-حولها الجمهور ليس بالهتاف،بل بالصمت الموّحد،وبالدعاء الخالص،مقدمين لها بعضا من العزاء الذي زودتهم به على مدار عقود. فهي،في النهاية،تذكرنا بأن العظماء،مهما علت قامتهم الإبداعية،يشاركوننا إنسانيتهم الهشة، وأوجاعهم العميقة،مما يجعل من تضامننا معهم في محنتهم آخر دروس الوفاء وأجملها.
في تلك اللحظات الصامتة والمنفلتة من عقال الزمن،كان الحزن يخترق أعماق أسطورة اعتدنا أن نراها منارة للفرح والجمال.ففي غضون أشهر قليلة،ودّعت فيروز ابنَين: زياد الرحباني في جويلية/يوليو 2025،ثم ابنها الأصغر هلي الرحباني في جانفي/يناير 2026،لتكتمل مأساة أمٍّ فقدت قبل ذلك زوجها عاصي وابنتها ليال.إنها الأم التي غنّت "أنا الأم الحزينة"، وكأنها تُنبئ بمصير اختبر صبرها بقسوة.!
خلف "جارة القمر" التي أضاءت قلوب الملايين، كانت أمّا اختارت،بعناد حنون،أن تكرس أكثر من ستة عقود من عمرها للعناية بهلي،ابنها الذي أصيب بمرض السحايا في طفولته وترك له إعاقات صعبة.رفضت أن تُودعه في مصحة، وتحدّت توقعات الأطباء،وظلت ترافقه وتشرف على أدق تفاصيل حياته بنفسها،حتى بعد أن تجاوزت الثمانين من عمرها.لقد قدمت درسا صامتا في الأمومة التي لا تكلّ،وربما كانت تلك الهمسات التي تتردد في البيت هي ما تحوّل إلى أغنية "سلم لي عليه" التي غنتها لابنها.
واليوم..
بينما تحتضنها الجماهير بصمتها الموّحد،فإنها لا تُعزّي أسطورة فنية فحسب،بل تُحيي إنسانة عظيمة حملت أحزان العالم في أغانيها،ثم حملت في صدرها ثقل أحزانها الخاصة بصبر جميل،يزيدها عظمة وقُربا من قلوبنا جميعا.
هي ذي فيروز،كالشجرة التي غنّت لها،تظلّ صامدة رغم العواصف.حزنها جزء من أسطورتها الإنسانية،وهو يُذكّرنا بأنّ الفنّانين العظماء،مهما ارتفعوا،يحملون نفس المشاعر التي تلمسنا جميعا.
صبرا جميلا..يا رمز الأمل..ووجع الأمومة..
يا أيقونة الوجدان العربي..في زمن مفروش بالرحيل..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق