تمثال حي على المدرجات: قصة مشجع الكونغو الذي أحيا ذكرى لومومبا..وألهم قارة..!
في خضم الاحتفالات والصخب الذي يملأ ملاعب كأس أمم أفريقيا،وقف رجل واحد بثبات وصمت، محولا المدرجات إلى مسرح للذاكرة والتاريخ.
لم تكن وقفته مجرد حركة عابرة،بل كانت رسالة صامتة قوية،جسدت روح أمة واستحضرت ذكرى زعيم ضحى بحياته من أجل استقلال بلاده.
لقد نجح ميشيل كوكا مبولادينغا،المشجع الكونغولي الذي عُرف بلقب "لومومبا" أو "المشجع التمثال"،في تسليط الضوء على قصة نضال وتراث باتريس لومومبا،ليتحول من مشجع عادي إلى رمز ثقافي وإنساني ألهم الملايين خلال بطولة كأس أمم أفريقيا 2025.
عند كل صافرة بداية لمباراة منتخب الكونغو الديمقراطية،كان المشجع ميشيل كوكا مبولادينغا يتخذ موقعه فوق منصة صغيرة أحضرها خصيصاً،ليرفع ذراعه اليمنى ويبقى ساكنا كالتمثال طوال وقت المباراة،سواء أكان 90 دقيقة أو 120 دقيقة في الأشواط الإضافية.كان هذا الأداء استلهاما مباشرا لـ تمثال باتريس لومومبا التذكاري في العاصمة كينشاسا،حيث يصور التمثال الزعيم الوطني بطلة مماثلة.
ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا،إذ أوضح مبولادينغا في إحدى المقابلات أن وقفته الصامتة كانت وسيلته "لإعطاء القوة للفريق والطاقة للاعبين".وبسؤاله عن الدافع،أجاب بلهجة توحي بالوفاء العميق: "إنه (لومومبا) هو الذي منحنا الحرية للتعبير عن أنفسنا.لقد ضحى بحياته من أجلنا،ليمنحنا الحرية.لذلك فهو بطلنا،لومومبا روح لنا..وهو نموذج لنا".
ولفهم عمق الرسالة التي كان يحملها هذا المشجع الصامت،لا بد من العودة إلى الشخصية التي يجسدها: باتريس لومومبا..
كان لومومبا الناشط الوطني الذي قاد جهود إنهاء الحكم الاستعماري البلجيكي على الكونغو،ليصبح عام 1960 أول رئيس وزراء للبلاد المستقلة حديثاً.لكنه لم يستمر في السلطة سوى أشهر قليلة قبل أن يطاح به ويُقتل في عام 1961 في ظروف غامضة،وسط اتهامات بتورط جهات بلجيكية وأمريكية.وأشارت تحقيقات لاحقة إلى "مسؤولية أخلاقية" للحكومة البلجيكية عن موته.
ورغم فترة حكمه القصيرة،بقي لومومبا في وعي الشعب الكونغولي رمزاً للحرية والحلم الأفريقي وما كان يمكن أن تحققه البلاد.
-لحظة انكسار إنسانية:
بلغت دراما القصة ذروتها في مباراة دور الـ16 بين الكونغو الديمقراطية والجزائر.فبعد صمود دام أكثر من 119 دقيقة،سجل المنتخب الجزائري هدف الفوز،لتنتهي رحلة الكونغو في البطولة.
في تلك اللحظة،انكسر "التمثال الصامت".والتقطت الكاميرات مبولادينغا وهو ينهار باكيا بحرقة،في مشهد إنساني لامس مشاهدين في جميع أنحاء العالم.
وأثارت اللحظة جدلا إضافيا عندما بدا أن اللاعب الجزائري محمد العمورة قلد وقفة مبولادينغا وسقط على الأرض احتفالا بالهدف.حيث تم تفسير هذه الحركة على نطاق واسع على أنها استهزاء بالمشجع المنكسر،مما أثار موجة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي. وسرعان ما تصدى الاتحاد الجزائري لكرة القدم والألعاب للحدث،حيث دعا مبولادينغا إلى فندق الفريق،والتقى باللاعبين،واعتذر العمورة علنا، وقدم له الاتحاد قميصا جزائريا مخصصا مكتوبا على ظهره اسم "لومومبا" كبادرة مصالحة.
وبعد عودته إلى الوطن،لم ينس بلده تضحيته الرمزية.ففي لقطة أكثر من رائعة ومؤثرة،قرر وزير الرياضة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منح سيارة Jeep كهدية للمشجع الشهير لومومبا، تقديرا لإخلاصه وحبه الكبير لوطنه،وللصورة الرائعة التي نقلها عن جماهير بلاده في كأس إفريقيا.كما وجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية،مؤكدة مكانته كأحد أبرز رموز تلك الدورة.
على سبيل الخاتمة:
-عندما تتحدث الرياضة..بلغة التاريخ:
لم تكن قصة ميشيل كوكا مبولادينغا مجرد قصة مشجع غريب الأطوار.لقد كانت ظاهرة ثقافية معقدة،جمعت بين الحب الرياضي والتشجيع المتقن،الذاكرة الوطنية واستحضار التراث النضالي،والتعبير الصامت الذي قال أكثر من صيحات الآلاف.
لقد نجح هذا "التمثال الحي" في تحويل كأس الأمم،وهو حدث رياضي بحت،إلى منصة للتأمل في التاريخ الأفريقي المشترك وقيمه.وهو يذكرنا بأن المدرجات،في بعض الأحيان،يمكن أن تكون مكانا لإحياء الكرامة والهوية والصمود،بقوة تفوق أحيانا قوة اللعبة نفسها.لقد وقف مبولادينغا ليس فقط من أجل فريقه،بل من أجل فكرة أن أفريقيا تتذكر أبطالها،وأن روح لومومبا،وأمثاله من المناضلين،ما تزال حية في قلوب الناس،قادرة على الظهور في أكثر الأماكن إثارة للدهشة.
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق