قراءات_نقدية_سعيدة_بركاتي _تونس_🇹🇳
قراءة نقدية تحليلية لسيرة ذاتية تحت عنوان " بورترريه لمدينة صغيرة " للروائي و المترجم و الشاعر الكردي السوري كاميران حرسان المقيم بالسويد
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳
#القراءة :
في إجابة عن سؤال بإذاعة مونتكارلو الدولية عمَّ بقي فيه من سوريا ، قال كاميران حرسان : بقيت الطفولة و الأيام الجميلة و الشوارع الترابية و البيوت الطينية ، بقي الربيع ، الألعاب ، الأصحاب ، الأتراب ، و خسرتُ الكثير منهم واحتفظت بالكثير منهم أيضا .
فالخوض في غمار سديم الكتابة التي كانت بالنسبة إليه المتنفس الذي من خلاله جمعهم حوله في بورتريه أتقن فيه الرسم بالكلمات : أخذ من بلدته عامودا محملا و من ترابها و طينها و براريها ألوانه ، فكادت أن تكون قطعة من الجنة ،فأنجز أجمل لوحة على حوافي ذاكرة طفل و أحلامه الجميلة .
في شكل من أشكال البحث و النبش في ماضي الطفولة التي ارتبطت بالمكان تاركا بصماته العميقة الغير قابلة للمحو في ذات الكاتب و تحت عنوان" بورتريه لمدينة صغيرة" يأخذنا حرسان في رحلة على متن أشرعة لغته عبر الزمن بتقويمه البعيد و القريب جدا من وجدانه حتى نسافر في ذاكرة غربت عن النسيان .
"هل عرفتموها ؟ : إنها حاضرة مملكتي ، الفاتنة التي تقطر عسلا ،الجهة التي ترتحل كل الطرق إليها ،المرأة المغناج التي لا تشبه أحدا سواها ، انحدرت من الجبال ، إلى السهل و أسست لنفسها في القلب جبلا ، تعتصم فيه الينابيع و تنتفض البساتين فيحتلها صياح الديكة و قأقآت الدجاج ."
هذا المكان الساكن فيه ، كان حافزا للإفصاح عن تجربته الغنية و الزاخرة بالصور المأخوذة من واقع حياته الخاصة ، فلامست وجدان القارئ بأسلوب سلس يتهادى فيه الوصف بثبات ، يتخلله الحوار أحيانا داخل لغة بارعة في نقل الأحداث ما ساهم في خلق تجربة قرائية ممتعة و مؤثرة فينا كقراء ، فيبتسم الواحد منا و يضحك ثم ما تلبث أن تدمع عيناه لاحقا في مكان آخر.
" بورتريه لمدينة صغيرة " ، باقة زهر انتقاها كاميران حرسان من حدائق نفسه ، النامية على تخوم طفولته السابحة في أمواه ذاكرة صافية إذ اقطتفها من أفنان شجرة التوت الراسخة في المجتمع الكردي، باقة كانت بتلاتها ملونة بذكريات لم يرخي الزمن قبضته عليها و هو يسير بفتنتها إلى الأذهان لمسات الآباء و الاجداد الحانية ، فضلا عن حضور الأقارب و الأصدقاء ، حبات ثمارها الناضجة كانت مواقفُ صادقة لا مجال لتدخل الخيال بأساطيره في واقعها الحقيقي ، ما ميز سيرته عن السير الذاتية الأخرى .
عناوين الفصول لم تخلو من لمسة المرح و المزاح التي عودنا عليها الكاتب في متونه ولو كان المشهد فائض الحزن : " كاميرانان و مصطو واحد ، ثلاثة أطفال و بيسيكليت واحد ،إنه الثور من فعل ذلك ..."
في استعارته لعنوان" ليلى و الذئب" نهاية مغايرة للقصة المعروفة لكننا وجدنا أنفسنا في زقاق من الذاكرة مع
ليلى الفتاة التي لا يحلو لها اللعب الا مع الصبية حد التفوق و الفوز عليهم ، ملوحة بعيدا بطابوهات الأنوثة ، كانت تلعب و تشتم و تصارع و كأن جلدها دُبغ فأصبح متينا و قاسيا لا يبالي بالضربات التي تتلقاها من أخوها حين يجرها خلفه إلى البيت و هي تنوح و تبكي .
مثلما كان الحب عميقا في حياة الأسر الكردية كانت العقوبة أيضا حاضرة بضحالتها و بضيق أفقها
في لحظة ضعف طفولية حينما أراد الطفل أن يأكل من
البندورة دون أن ينتقص من عددها حبة واحدة ، لم يستطع مقاومة شيطان لعابه و لم يشأ التهام ثمرة كاملة ، راسما على خدودها بأسنانه الصغيرة لوحة تشكيلية كان عقابها استعارة حمرة لونها و طلْيِه على خده بيد تتقن فن الرسم : " تلقفتني يد غضبها الذي كان خاطفا و عنيفا ، كانت النتيجة أنني لم اشعر بشيء سوى الخوف قبل أن أصحو من إغفاءتي القصيرة لأرى محيا أمي مرصعا بعينين دامعتين و انفعالات تنضج دمعا ."
عديدة هي زوايا الذاكرة عند الكاتب ،لم يغفل شغف الأطفال باللعبة الأولى عالميا ، من يملك كرة فهو الملك المتوج على عرشها ، لكن هذا الزقاق ما كان ليخلو من بهارات الكبار حين يمرون مرورا سمجا و مرحا في آن باللعبة ، هناك من يشارك الصبية برمية أو قذفة رأس يسترجع بها هو الآخر المكان و الأتراب .. أما التجربة مع " الحاج أحمد حسو" فكانت مريرة و معتلة :" كان يلاحقنا و يشتم أمهاتنا فلو صادف أن رآنا و هو في طريقه إلى المقهى نلعب ينزل بلا سلم من سقف وقاره إذ يحاول كهر هرم اصطياد الكرة ".
ريشة البورتريه لونت الرحلة بألوان زاهية تشبه براءة الطفولة و أحلامها الوردية ، نبشت إلى عمق مخيلتنا فأبدعت في رسم الذكريات مع عمه الذي تعود الإنصات الى الأخبار عبر موجات المذياع و مشاهدتها على شاشة التلفاز في آن واحد .
مع البورتريه الرحلة لا تُمل رفقة الطفل الذي أراد أن يمسي رجلا يقوم بكسب شيء من المال مختبرا ذلك مع أترابه : "على الرصيف المنخور قبالة الحانوت الذي انطلقنا منه صباحا كرشقة من فوهة مدفع إلى فضاء مهرجان تجارتنا ،عدنا كفوارغ القذائف محملين بأكياس متسخة و متعبة " .
كاميران حرسان لم يكن ساردا عاديا لأحداث خاصة بحياته فحسب بل استدعى من ذاكرته البعيدة القريبة كل من كان يحيط به في مجتمعه الضيق و الموسع ،انطلاقا من أسرته و أترابه في الحي و زملاء المدرسة و شخوصا آخرين خارج عامودا ،فشكل لنا لوحة فسيفسائية دقيقة للمجتمع الكردي مزخرفة بأحاسيس من الطفولة و فيض من أحلام الزمن الغابر .
في" بورتريه لمدينة صغيرة " تشارك الحيوان على غرار الانسان في نسج خيوط لوحاتها القصصية كالقط لاغي ،بأطرافه الثلاثة و شخصيته المهيمنة و المثيرة دوما للعراك مستفزة الانسان و الحيوان على حد السواء مخيفة لدرجة أن خالة كاميران لم تكن تخلد إلى النوم إلا و القطيط المولود حديثا ذو الوبر الأسود الطويل يقاسمها وسادتها ،رغم هذا الحرص و الحذر وصل إليه لاغي في هزيع الليل الأخير محيلا بركة مياه الحلم العذبة الى كابوس أحمر من الدم .
هكذا كانت الحياة في حضرة الطفولة كما رسمها الكاتب حالمة و عابسة ، رحلة متهادية على دروب سيرة ذاتية نقشها بأزاميل ذاكرة على لوح الحاضر كرقيم من عهد آبد . من نقطة ابتعاده عن والدته التي كانت في رحلة علاج طويلة و استقراره في جنبات فردوس جده و جدته بعامودا.
الإبداع في الوصف يجعل من المتلقي يعيش مشاهد السيرة كأنها أحداث سمعية بصرية تمر أمامه كشريط سينيمائي مديد من حياة واقعية ، سيرة لو أدركتها يد سيناريست لأضحت سلسلة ممتعة من أحداث شيقة .
حين يقتفي القارئ أثر الكلمات على دروب المتعة التي يقدمها الكاتب داخل لوحات المحتوى المتنوعة في
صدق يستشعره كل من يقرأ طبائع هذا السرد وصف عميق يجعل المتلقي المستلقي على شواطئ الكلمات سباحا يغوص في مفاتنها ، في علاقة وجودية بين ذات الكاتب وطبيعة المجتمع التي كانت حاضنة لذاته ، فالذات لا يتحقق اكتمال وجودها الا بهيبات من المجتمع .
في هذه السيرة كان
للأسلوب و اللغة موطئ قدم طبعه بحرفية و اتقان قلم الكاتب بمداد الحقائق المرسومة بين ثناياها كآثار لا تخطؤها عيون القيافئ متتبعا الفتنة و البهاء ،
نصوص حركت داخل المتلقي الإعجاب و الدهشة مذ كان المحتوى يعكس في مرآته صورَ ما يجول في نفسه و عقله لامسا بهدوء عواطفَ مخبأة ، سؤال لا مناص من تجاهله : كيف لطفل في ربيعه الثالث أو الرابع أن تمسك قبضة ذاكرته الصغيرة بهذا الكم من المشاهد المفعمة بالحياة ؟
" بورتريه لمدينة صغيرة " قادمة من ماض مزخرف بألوان الطيف حين يحلو للطفل أن يحلم مع طائرته الورقية و هي تحلق في سماء مدينته ، برع كاميران حرسان بأسلوبه الشاعري و الشائق الذي شد به المتلقي إلى عوالم سحرية من طفولة سالفة ، متنقلا بفصوله بين سرد و آخر يجر بحباءله انتباه القارئ حتى يغمره بهالة من نور لا واقعي من الحقائق المدهشة التي تجرد المتلقي من رغبة في هجرة هذا الفضاء ، فتخاله قد دون به ميثاق سيرة أخرى بينه و بين قراءه حتى يولد سؤال ملح مفاده هل من أجزاء أخرى تلوح في الأفق ؟ ملمحا في خاتمة كتابه إلى أمر يشير أن للسيرة بقية ...
" وصلنا إلى البلاد التي كنا نراها في الصور و نشتم رائحة عبقها من شذى الكلمات حتى وطئنا أرضها النائية فعرفنا البرد فيها بلغنا بنهاية رحلتنا بداية أخرى . "
بقلمي سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق