حين اجتمعوا فصارت القصيدة
***************
جلستِ القصيدةُ
على ضفاف الوعي والتأمل
في المسافة الرقيقة بين يقظةٍ كاملة
وحلمٍ لم يكتمل بعد.
تنساب كما ينساب الضوء
في تلك المنطقة..
لا الأسئلة تُزعج،
ولا الإجابات تُلزم،
وكل شيءٍ محتمل
بقدر ما هو مُعلّق.
كانت القصيدة تُصغي…
تبحث عمّن أذن لها أن تكون.
************************
اقترب منها وحيُ الإلهام
خفيفًا كنسمةٍ مرسلة،
يُعرف حين يحضر.
قال لها: أنا أول الطارقين،
أنا أول من لامس جبينك
بدوني تظلين فكرة خجولة
تتردد على عتبات القلوب ولا تدخل
أنا رغم ذلك لا أُقيم،
أنا فقط أفتح نافذتي
ثم أترك للضوء حرّية الدخول.
لم أخلقكِ سيدتي
أنا فقط أوقظكِ،
ومن لم يُوقَظ
لا يعرف أنه كان حيًّا.
وشكرته القصيدة بصمتٍ عميق
***************************
ثم جاء إبداعُ الفكر،
متأنّيًا،
ممشوقاً.. متزن الخطي
يضع الأشياء في مواضعها
قال: أنا الميزان،
أنا من أهدى لك المعني
العقل الذي منعك ِ من الإنسكاب عبثاً
كي لا تصبحين خاطرةً بلا أثر
أو فيضاً بلا ضفاف
أنا من يَمنح الفكرة استقامتها
فلا تنحني أمام أول إعجاب
قالت القصيدة في سرّها:
كم يشبه العقلُ الصلاة حين يكون خاشعًا.
**********************
وانسابت أوتارُ الفن
لا صوت لها كانت ترتجف
لكن كل شيءٍ حولها صار يُصغي.
قالت: أنا ما لا يُقال،
أنا الذبذبة بين الحروف،
أنا ما يجعل القارئ
يتوقّف فجأة
دون أن يعرف لماذا
ثم يُكمل وهو مختلف..
أنا النغمة التي فيكِ
النبض السابح بين الكلمات
كي لا تصبحين فكرة.. بلا حياة
ابتسمت القصيدة،
وشعرت لأول مرة
أن لها نبضًا يُسمع.
***********************
وأقبلت بساتينُ الزهر
لا تسأل ولا تُجادل،
تجيئ جميلة
ثم تنصرف.
قالت: أنا لست ضرورة،
لكن بدوني لا شيء يبقى طويلًا.
أنا الجمال الذي لا يُفَسّر
أنا صورة تُفهَم قبل توضيح المعنى
أنا سبب أن تُحَبّي
قبل أن تُفهَمي،
وأن تُبهري العقول والقلوب
قبل أن تُفسَّري.
أبتسمت القصيدة ولم تجب
*************************
ثم دنا إرهافُ الحس
كمن يخاف أن يوقظ وجعًا نائمًا،
وقال: أنا قدرتكِ على الإصغاء لما لا يُقال،
على لمس ما لا يُرى،
أنا دمعتك التي لا تسقط
قدرتك على لمس القلوب..
دون أن تطرقي الأبواب
أنا ارتعاشة القلب
حين يمرّ الحق قريبًا
دون ضجيج.
سكتت القصيدة..
كمن أصاب قلبه سهماً..
من ذلك الرهف المتيم بالجمال
**************************
وأتى نبضُ الحياة أخيرًا،
متعبًا، صادقًا،
يحمل غبار التجربة..
وحرارة الألم
وفي صوته صدق الذين عرفوا
أن المعرفة بلا ألم
زينة فقط.
قال: أنا ما عِشتِه بصدق
أنا الجرح الذي علمك الكلام
أنا العثرة التي علّمتكِ الوقوف،
بدوني.. أنتِ جميلة لكن كاذبة
أنا الدمع الذي لم تكتبيه
لكنه كتبكِ.
****************************
حينها فقط
رفعت القصيدة رأسها
ورأت ما لم تره من قبل:
أن كل هؤلاء
أدوات الرحمة بها.
وأن الإلهام
نفحةٌ مأذونٌ لها
أن تمرّ…
من حيث شاء الله
إلى حيث شاء.
أدركت أن النور
يُستقبَل.
وأن أجمل ما فيها
تواضعها أمام المصدر.
فعرفت القصيدة
أنها لن تجد مستقَرًّا في السطور
إن لم يتصافح العقل والقلب،
ولا تجد مأوى في العقول
إن لم يسبقها الإحساس،
ولا تعبر العاطفة
إن لم يسندها صدق التجربة.
وأنها إن مشَت وحدها
تناثرت كالرمال
وإن تعالَت
انكسرت كحجر هش
وإن نُسبت لغير أصلها
ذبلت وذهبت بها الرياح
لكن…
إذا اجتمعوا حولها،
واستقرت في ظل الامتنان،
تماسكت بنيتها،
وصحّ بدنها،
وصارت نصًا
كالعطر المعتّق،
حين يحضر
يبقى طويلًا
في عمق الجمال.
******************************
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق