في الذكرى الثانية والأربعين لإستشهاد شهيد الخبز-الثوري التونسي-الفاضل ساسي (03 جانفي 1984)
( "ماضِِ محجوز..ذاكرة تحت إعادة البناء")
تجليات الحرية.. وبوارق الأمل
“إذا كانت الحرية شيئا مقدسا ومبدأ لا يمس..فلا يمكن أن يكون هناك ما يبرر التلاعب بها.”ايزيا برلين في كتاب “حدود الحرية”
-سأحمل روحي على راحتي**وألقي بها في معاوي الردى**فغما حياة تسر الصديق**وإما ممات يغيظ العدى**ونفس الشريف لها غايتان**ورود المنايا ونيل المنى
(عبد الرحيم محمود)
-"لاش تقولو مات الفاضل/ما تقولوش الفاضل مات/الفاضل في قمحك يا سبولة/في الزيتونة في النخلات/الفاضل يا نوار اللوزة/فاتح في غريق الجرات/شرار النور في ليلة دامسه/سربة في حلق البايات/ماشي واحد طالع خمسة/فاتح في طريق الحياة.." (أغنية خالدة باللهجة التونسية من تأليف مجموعة الأزهر الضاوي في اغتيال الفاضل ساسي)
..ها أنت-يا فاضل-تغادر المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض..
وها أنت الآن أيضا في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق والتردي إلى مسوخية ما قبل الحيوان..
وها هم رفاق دربك ممن بقوا أحياء،وبعد أن نالت منهم الشيخوخة والأزمنة المفروشة بالرحيل يختزلون هموم الدنيا ليصبحوا كل القضايا..مهما تناقضت وكل الأوطان،يلوّحون،لا ليكونوا أبطالا أو رموزا،بل ضجيجا يزعج الضمائر..يربك القلوب الباردة..شرارة خاطفة عسى العميان يبصرون،وقصيدة لا يقوى على فك رموزها شعراء الحداثة..
ها أنت-يا فاضل-ترسم بدمائك الطاهرة دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين سلكوا درب الحرية من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية : صدام حسين،سبارتكوس،عمار بن ياسر،عمرالمختار،يوسف العظمة،شهدي عطية،الأيندي،غيفارا وديمتروف..ويحي السنوار،وقد تجلّت في شجاعتك كما في رفضك الصارخ،بطولة الإستشهاد وتجسّدت في نضالاتك آسمى أشكال الفعل الإنساني النبيل..
شجاعتك لم تولد صدفة بل ارتوت جيدا من منابع الإنسانية الفذة حيث تعزف الحرية لحن الخلود،وترفرف الكرامة بجناحيها عاليا ثم تحوم حول أضرحة الشهداء..
وأنتم أيها الأحرار..هل صادفتم الحرية في منعطفات الدروب؟
هل صادفتموها إلا في جيوب الشهداء المحشوّة بالرصاص،إلا في حقائب المهاجرين الذين شردتهم أوطانهم وأوهام الشعراء..
هل سمعتم بإسمها إلا في الخطابات الرنانة،روايات المعارك والملاحم والبطولات..؟!
من عرفها إلا تمثالا وبيارق،شعارا ونشيدا..من دقّ ب”اليد المضرجة”بابها ففتحت له ودخل ملكوتها..؟
من شارك الحشود في أعراسها قبل أن يعود إلى بيته كئيبا ووحيدا..؟
الحرية يا-شهيدنا الفذ-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء..إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح،وتعوي مع ذئاب الفيافي..قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء..أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر..رجف يستبدّ بالأرض قبيل إنبلاج الصباح..كلمة حق جاسرة تنطلق سهما مارقا ليستقرّ في مآق تقطر بالدّماء..
ولكن..
لسنا ندري لماذا ينسب للحرية غالبا لون الدّم،مع أنّه أصلا الدليل القاطع على غيابها..؟!
لماذا يقترن إسمها بأحداث ملفقة وأفكار مزوّرة،كأنّ الواقع المترجرج وحده لا يكفي..؟!
إننا-يا فاضل-لا نستحقها (الحرية) إلا حين ندفع مهرها،وحين ندفع الثمن لا نعود نستحقها،فالحرية رهان خاسر على مستقبل البشرية،الذين يبشّرون بها هم الذين اعتادوا على غيابها،فلو تحقّقت بطل مبرّر وجودهم..
اسألوا -الشهداء-كم كتبوا إسمها سدى في كل مكان..
اسألوا الشهيد-الفاضل ساسي-حين عانقها للمرّة الأخيرة،واسألوا سيزيف هل بوسعه الإنعتاق من لعنة الآلهة..اسألوا السجانين ونزلائهم عنها..
الحرية خيانة دائمة للذات،فمن يجرؤ على مخاصمة نفسه وزعزعة قناعاته والتخلّص من عاداته والتنازل عن إمتيازاته..؟ !
نعرف أنّ المقاومين يعيشون من أجلها،ولهذا فمصير معظمهم-الإستشهاد-وأنّ الفدائين يعطونها زهرة أعمارهم،لكنها لا ترتوي..
انظروا كتب التّاريخ،نعرف أنّه لا مفر من مواصلة سعينا،من دحرجة الصخرة نفسها على درب تسوياتنا اليومية وتنازلاتنا.
ولكن..
الحرية أمنية مشتهاة..هكذا قيل،ولكنّها أيضا مكلفة،هكذا أردت-يا الفاضل-أن تقول،لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق،هناك من لمس استحالتها،فقرّر أن يستشهد في سبيلها،عساها تكون،وحتما ستكون،وعليكم يا -أحرار العالم- أن تقولوا..لا..بملء الفم والعقل والقلب والدّم..وأن ترقوا بقراركم إلى منصّة الإستشهاد..وقطعا ستنتصرون..ذلك هو الممكن الوحيد..
-فالحرية صراع لا ينتهي.
-والإنتصار لدماء الفاضل ساسي وجميع الشهداء قضية مقدسة لن تنتهي ..
-كلمات-الفاضل ساسي-ستظل دوما قادرة على اختراق سجوف الصمت،والتحليق عاليا في الآقاصي ومن ثم إرباك الفاسدين والآفاقين..
-لم تسقط-برحيلك يا الفاضل-إرادة الثوريين..ولن تسقط..
-لم تنحني تونس ولا أبطالها.
-ولم ينته مسلسل الغدر والخيانة بعد،ولكنّه بالقطع سينتهي..
لست احلم..
ولكنّه الإيمان،الأكثر دقّة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات حفاة الضمير..وأعداء الإنسان والإنسانية..
محمد المحسن
*سقط الشهيد التونسي الفاضل ساسي برصاص البوليس في 03 جانفي 1984 في مفترق نزل الأنترنسيونال وشارع فرنسا بتونس خلال أحداث الخبز التي اندلعت في 29 ديسمبر 1983 عندما أعلنت حكومة الراحل محمد مزالي،بضغط من صندوق النقد الدولي الذي طالب تونس بتطبيق خطّة تقشّف،خفض الدعم على منتجات الحبوب،وهو الدعم الذي يشكل 10٪ من الموازنة العامة للدولة.ارتفع سعر منتجات الحبوب (المعكرونة والدقيق وما إلى ذلك) بنسبة 110٪ وانتقل سعر الخبز على الفور من 80 إلى 170 مليمًا.
في ذات اليوم،انتفض سكان وساكنات مدينة دوز ضد هذا الإجراء.وسرعان ما اجتاحت الثورة عدة مناطق قبل أن تبلغ العاصمة.تواصلت الاحتجاجات رغم حالة الطوارئ وإعلان حظر التجول في 3 جانفي.
وفي يوم 6 جانفي،تراجع الرئيس بورقيبة عن هذا الإجراء.هذا ما أطلق عليه التاريخ الرسمي اسم "أحداث الخبز".
وكان الشهيد الفاضل ساسي أستاذ تعليم ثانوي في معهد بمدينة قربة التونسية وكان أيضا مناضلا يساريا ديمقراطيا ينتمي إلى مجموعة الوطنيين الديمقراطيين.(تنظيم ماركسي لينيني)
لم تبكه الام والاخت والحبيبة فقط،وانما جيلا كاملا من المناضلين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق