الأربعاء، 7 يناير 2026

الاحتفاء بالمولود الإبداعي الأول: تأشيرة سفر إلى العائلة الأدبية..ولحظة تفاؤل وإيمان بالمستقبل الثقافي الواعد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الاحتفاء بالمولود الإبداعي الأول:

تأشيرة سفر إلى العائلة الأدبية..ولحظة تفاؤل وإيمان بالمستقبل الثقافي الواعد..


احتفاء النقاد والقراء بالديوان الشعري الأول للشاعر(ة) يعد ظاهرة ثقافية مهمة تحمل عدة دلالات وتترتب عليها آثار متعددة،فهذا الإحتفاء بالمولود الإبداعي الأول للشاعر(ة) يمنحه الثقة في موهبته وخطواته الأولى،ويعوضه عن عناء الكتابة،ويدفعه بالتالي لتطوير أدواته والاستمرار في الإبداع.كما يعتبر هذا الاحتفاء شكلاً من أشكال "التكريس" أو الاعتراف الرسمي بانضمام الشاعر إلى الساحة الأدبية،وانتقاله من مرتبة "هاوٍ" أو "واعد" إلى شاعر مُعترف به.وغالبا ما يحمل الديوان الأول لشاعر متميز أفكارا أو أشكالا أو لغة جديدة تخرج على المألوف.والاحتفاء به يشجع على تقبل التجريب ويدفع الحركة الأدبية للأمام.هذا،ويمثل الديوان الأول "بيانًا" شعريًا أوليا للشاعر،تظهر فيه بذور عالمه الإبداعي وأسئلته الوجودية والجمالية.ويدفع بالنقاد إلى تحليل هذه البذور ويتوقعون مسار تطورها.

لكن..

قد يخلق ضغوطاً هائلة على الشاعر في ديوانه الثاني،ويرفع سقف التوقعات بشكل قد لا يستطيع اللحاق به،مما يؤدي إلى ما يسمى "لعنة الديوان الثاني".وأحياناً قد يتسرع النقاد في إطلاق الأحكام والتسميات ("شاعر المستقبل"، "الصوت الإبداعي الواعد") مما قد يحاصر الشاعر في إطار ضيق أو يحد من حريته في التجريب لاحقاً.

وخلاصة القول: احتفاء النقاد والقراء بالديوان الأول هو ظاهرة صحية في المجمل،تُشبه "الترحيب بمولود جديد" في عائلة الأدب.إنه لحظة تفاؤل وإيمان بالمستقبل الثقافي.لكن الأهم من الاحتفاء الأولي هو استمرارية العطاء من قبل الشاعر،وقدرته على تطوير مشروعه

الإبداعي،وعدم الوقوع في فخ التكرار أو الابتذال بعد الشهرة الأولى.فالتاريخ الأدبي يحفظ الأسماء التي بنت بثبات وصدق،وليس فقط التي أطلقت بصخب.

وتبقى هذه اللحظة-لحظة الاحتفاء الأولى-كضوء الفجر الهادئ الذي يلامس أفقًا جديدا،ينثر على جبين التجربة الأولى ندى الاعتراف ودفء الترحاب.إنها ليست نهاية طريق،بل عتبة مُشرعة على عالم من الأسئلة والاحتمالات،حيث تتحول كلمات الديوان الأول إلى بذورٍ مغموسة بنور القبول،تنتظر أن تسقيها أيادي التجربة عمقا، وتظللها أغصان النضج ظلا وارفً.إنه الحضن الدافئ الذي تستعيد فيه الروح الأدبية أحد أبناءها الجدد،ليس مجرد انضمام إلى سجل الأسماء،بل دخول في دائرة الحوار الخالدة بين الوجود والجمال.وهكذا يظفر المبدع بتلك الهدية الثمينة: لحظة يُرى فيها،يُسمع،ويُلمس نبض عالمه الوليد، فيكون هذا الاحتفاء هو النسمة الأولى التي تدفع شراعه ليكمل إبحاره في محيط اللغة الواسع، حاملً معه براءة السؤال الأول،وثقة أولئك الذين آمنوا بومضة نوره،وانتظروا بلهفة ما ستفعله الريح بأشرعته،وأي شواطئ جديدة سيكتشفها هذا القلب الشعري النابض بالأمل.

على سبيل الخاتمة :

بين بهجة البداية..ومسؤولية الاستمرار :

وهكذا،يظل الاحتفاء بالديوان الشعري الأول لحظة فارقة في المسار الإبداعي،تحمل في طياتها تناقضاتها الجميلة: فهي احتضان وتكريس،لكنها أيضا مسؤولية وتحد.إنها الباب الذي يُفتح على مصراعيه ليدخل منه الشاعر إلى حقل الأدب الواسع،حاملا معه براءة الاكتشاف الأول وثقة أولئك الذين رأوا في كلماته بصمةَ عالمٍ قادم.إلا أن مصير هذه الرحلة لا يرتهن بضجيج الانطلاقة،بل بصدق السير في الطريق وصبر الاستقصاء. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في أن يُولد العمل مكتملا تحت الأضواء،بل في أن تنمو بذوره الأولية،بتواضع وإصرار،عبر تجارب لاحقة تتعمق في الأسئلة وتتوسع في الرؤية.فالشاعر الحقيقي ليس من يصدح صوته مرة عالية ثم يخفت،بل من يحول صوته إلى نغمة متطورة تُضاف إلى سيمفونية اللغة والإنسان،ضاربً بعمق في تربة التجربة الإنسانية،ومُثمرا بعيدا عن أضواء الأسبوع الأول وحفلات التتويج العاجلة.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق