شعراء عرب رفعوا الصوت لفلسطين..وكتبوا عن غزة الجريحة بمداد الروح..
قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير"طوفان الريح والنار"*-نموذجا
تتعدى الكتابة الشعرية في السياق الفلسطيني مفهوم "الأدب الهادف"لتصبح ضرورة وجودية، وشكلا من أشكال المقاومة الثقافية التي تحمي الهوية وترفض طمس الرواية.فمنذ نكبة 1948 وما تلاها من أحداث جسام،ظل الشعر الفلسطيني سجلا حيا لأحلام الشعب ومعاناته،وصرخة مدوية تدافع عن حقه في العودة والحرية.ويحمل هذا الشعر في طياته ليس فقط ألم التشرد،بل أيضا إصرارا لا يلين على الحياة،كما عبّر محمود درويش: "أن يكون المرء فلسطينيًا..تأكيد على أنّ الكائن البشري،حتى في شقائه،يستطيع أن يحبّ شروق الشمس".
واليوم..
يواصل الشعر الفلسطيني،بوصفه صوت الذاكرة والوجدان الجمعي،مهمته في مواكبة الألم والمواجهة،مُترجِما فداحة العدوان البربري على غزة.فتحت وطأة القصف اليومي والنزوح والمجازر،يتحول الشعر إلى فعل وجودي ووسيلة توثيق عاجلة،تُكتب قصائده بمداد الروح..إذ لم يعد (الشعر) هنا ترف جمالي،بل صار شكلا من أشكال المقاومة بالذاكرة،وصرخة ضد
الإبادة،ووسيلة للحفاظ على إنسانية مستهدفة،مما يؤكد أن القصيدة،في زمن المحارق،تبقى سلاحا لا ينفد.على غرار قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..راجيا من القراء الكرام حبس دموعهم..فالدموع لا تمسح تراب الأسى..
"طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم!
زاد البلاءُ وأهلُ غزّةَ يَغْرَقونْ
والرّوحُ تُزهق بالقنابلِ …..والسُّجونْ
غاراتُ فَوْقَهُمو وطوفانٌ يجولْ
وَضَحايَا تغرَقُ والأحِبّةُ ……..جائعونْ
والماءُ غَطّى مَن تبقَّى ،مُشرَّداً
في خيْمَةٍ جرَفَتْهَا أمطارُ …….المَنونْ
مَن كان في شِبْهِ البيوت مُدارَياً
هَدمَتْها أمطارٌ ونيرانٌ …………خَئونْ
ألبيْتُ هُدِّمَ والخِيامُ تطايَرَتْ
والأمنُ طارَ مَعَ العَواصِفِ ……والبنونْ
والأُمُّ تحتَضِنُ ابْنَها مَرعوبَةً
غَرَقٌ وقصْفٌ لِلعدُوِّ ،……كَما الجُنونْ
والبردُ قارِسُ والرّياحُ شديدةٌ
والكُلُّ في وَسَطِ الزّوابعِ …….يرْجُفونْ
ياربِّ كلٌّ في حِماكَ فَنَجِّهِ
فالرّيحُ ريحُك والزّوابِعُ ……والشّؤونْ
والنّصرُ وعدُكَ والعدوُّ بأمرِكُمْ
والنّارُ نارُكَ تصْلِي فيها ……المُذنِبونْ
ربّاهُ كلٌّ يستجيرُكَ راجياً
والكوْنُ كوْنُكَ ، ما أردْتَ بِهِ…… يكون!
عزيزة بشير
في قصيدتها النارية "طوفان الريح..والنار"،تنسج الشاعرة الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير لوحة مروعة وكثيفة للمأساة،لا تستخدم فيها الكلمات فحسب،بل تستدعي القوى الكونية نفسها لتكون شواهد على الدمار.وليست هذه القصيدة مجرد رثاء،بل هي نقشٌ للكارثة على جدار الزمن،حيث تذوب فيها الحدود بين القصف البشري وغضب الطبيعة.
تفتتح الشاعرة الفذة الأستاذة عزيزة بشير القصيدة بجملة اسمية سريعة ومتتالية كطلقات الرصاص: "طائراتٌ تقصفْ وسجونٌ تخطفْ ورياحٌ تعصفْ".هنا يبدأ الخلط المدمر بين فعل الإنسان وفعل الكون. فـ "الرياح" و"السيول" ليست مجرد ظواهر مناخية،بل تبدو كأذرع ميكانيكية للموت،تتعاون مع الطائرات والسجون في عملية إبادة شاملة "تجرفُ ما تبقى". فالطبيعة لم تعد ملجأ،بل أصبحت جزءا من آلة الحرب،وكأن الكون كله قد انقلب على الإنسان.وبعد استنفاد وصف الدنيا،يتحول الخطاب فجأة من المشهد الأرضي المرعب إلى السماء.فالنداء "ياربّ" يأتي كتنفس أخير،كحبل خلاص من هذا الطوفان المركب..
"طوفان الريح والنار" قصيدة وجدانية الطابع، تصوغ المأساة المعاصرة بلغة ملحمية قديمة.إنها ليست استعطافا،بل هي توثيق فني-صوفي للدمار. والشاعرة ترفع الحدث من كونه مجزرة إخبارية إلى مصير كوني،حيث الإنسان محاصر بين مطرقة غضب البشر وسندان غضب الطبيعة،فلا ملجأ إلا إلى رب الطبيعة والناس.
هكذا،تظل الكلمة الشعرية الصادقة سلاحا لا ينضب،حاملا للرواية،حارسا للذاكرة،ومُعبِّرا عن إرادة حياة لا تُقهَر.إنه الشعر الذي،كما أراده غسان كنفاني، "لا ينوح ولا يبكي،لا يستسلم ولا ييأس"، بل يظل منارة للأجيال القادمة في درب التحرر والعودة.والشاعرة الفلسطينية المغتربة،يمامة حطت على غير سربها..لكنها حتما ستعود إلى -وكرها-بجنين الشامخة،بل إلى فلسطين العجيبة..
لست أحلم،لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات السفاح نتنياهو..والمتعجرف دونالد ترامب..
متابعة محمد المحسن
* "طوفان الريح..والنار" يلتقط هذا التحالف المشؤوم بين القوة الجوية (الريح/الطائرات) والقوة الحارقة (النار/القنابل)،في إعادة تشكيل لأسطورة الطوفان،لكن هنا الطوفان ليس ماء نقيا،بل هو خليط من الحديد والنار والماء والريح.إنه طوفان المجازر المتنقلة..والموت الذي يتراءى في هيئة قطيع من غربان،يحلق فوق أنقاض غزة الأبية..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق