موعد آخر مع الطفولة ...
عدنا إلى الحارة ..
كما يعود السؤال إلى رأس الفيلسوف
متأخّرا ومثقلا بالإجابات ..
الأزقّة لم تكبر
نحن الذين تضخّمنا
بأعباء السنين ..
فصارت خطواتنا
تقصّر المسافة
بدل أن تطيل الدهشة ..
هذا الشّبر من الرصيف
كان قارةً كاملة ..
نقطعها ركضا
دون جواز سفر
واليوم ..
نحسبه بعين المهندس
لا بقلب الطفل ..
ذلك الحائط
لمسناه كثيرا
لنطمئنّ أن العالم لا يسقط
كان دافئا بملامسة الأكفّ
أمّا الآن ..
فنراه متشققا
كفكرة خذلت صاحبها ..
هنا ضحكنا
قبل أن نعرف معنى السخرية
وبكينا ..
قبل أن نتعلّم التمثيل
وكان الصدق
فضيلة تلقائيّة
لا تحتاج إلى شجاعة ..
في الطفولة ..
كنا نرى الجمال فقط
لا لأن القبح لم يكن
بل لأن أعيننا
لم تكن مدرّبة
على الاشتباه ..
كنّا نرى الفقر لعبة
والغبار أثر بطولة ..
والجرح حكاية
نرويها بفخر
وكان الجسد خفيفا
كأنّه لا يعرف
أنه سيفنى ..
عدنا اليوم ..
بعينٍ تعلّمت الحساب
قبل الإعجاب ..
وبجسد صار يسأل ..
لماذا؟
قبل أن يقفز ..
ننظر إلى الحارة
فنرى القبح أوّلا
الدهان المتقشّر
الأسلاك المتشابك
الوجوه التي نسيت أسماءنا
فندرك بسخرية مرّة
أننا صرنا نجيد النقد
أكثر من الحب ..
نغادر الحارة
ولا نلتفت كثيرا ..
لا لأن الذكريات لا تؤلم
بل لأننا نخاف
أن نرى أنفسنا
أكثر ممّا نحتمل ..
فالحارة ما زالت هناك
لكن الطفولة ..
لم تعد في المكان
بل في تلك العين
التي لم نعد نملكها ...
بقلم : معز ماني . تونس .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق