دموع السماء..وحوار الروح..! *
تصدير : في الحياة قد تخسر حلما،وقد تفقد أملا..وقد تتنازل عن أمنية..لكن كن حريصا ألا تخسر نفسك..
" كنت أُحبُّ الشتاء..وأسمعه قطرة قطرة
مطر مطر كنداءٍ يُزَفَ إلى العاشق
أُهطلْ على جسدي
لم يكن في الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر
كان البدايةَ كان الرجاءَ
فماذا سأفعل والعمر يسقط كالشَّعْر
ماذا سأفعل هذا الشتاء..؟!"
محمود درويش.
في مكان ما بين صمت السماء وهدير الذاكرة،تبدأ الرحلة.حيث لا يعود الفقد غيابا فقط،بل حضورا ثقيلا كالرُّوح.حضور يخترق الضلوع،ويسكن في همسات المطر،ويُعيد تشكيل الخرائط من جديد، فتصبح المسافة بين الوجود والعدم مجرد عتبة روحية نتردد عليها كل مساء.
مر الموت كسحابة عابرة،لكن جوع التراب ظلّ أبديا..يخنق الحناجر،ويكمّ الأنفاس.ابني لم يرحل،
بل صار نشيدا يتردّد في مسام الأرض،وصلواته لا تزال تهزّ أعماقي كلّما هبّت رياح الجنوب كأنها جراح تئنّ في خاصرتي.ظلّه ممتدٌ من أقصى الخرائط إلى رعشة العروق..ما زال هنا،على عتَبة الروح،كجناح محطَّم يُحدث هواء بلا طيران..!
والآن،تمطر السماء..بينما عيناي تمطران صمتا..ماء مالحا يذوب في صخب الذكرى،ويكتوي القلب بنار لا تُطفأ.
في هذا المساء الشتوي،أخلع عن روحي أثقالك الواحدة تلو الأخرى..يا دنيا.!
أنفض عن قلبي غبار السنين المُتعبة،لأستدعي إلى جوانحي بهجة طريّة،تهبط كندى أول النهار،تُعيد إلى وجهي براءة أول ضحكة،وتمحو من على خدي المُتعب كلّ أثر للرياح العاتية،والليالي التي مرّت كالسُّيوف.
هنا..والآن،أتنفس من جديد..حرا،خفيفا،وكأني أولد من جديد..
إنها تمطر الآن والكون يلفظ أنفاسه المتسربلة بأحلام المكلومين في زمن المواجع،وتمسح الشمس بكل لطف على جبين الأرض،وتخفض اشتعالها.لكن القلب لا يزال مشتعلا شوقا لفتى توارى خلف غيومك..يا مطر.أحتاج الآن..وهنا تحت زخاتك إبني بكل ما في النّفس من شجن وحيرة وغضب عاصف..أحتاجه لألعن في حضرة عينيه المفعمتين بالآسى غلمانا أكلوا من جرابي وشربوا من كأسي واستظلّوا بظلّي عند لفح الهجير..لم أبخل عليهم بشيء وعلّمتهم الرماية والغواية والشدو البهي..
واليوم تحلّقوا في كل بؤرة وحضيض لينهشوا لحمي وحروف إسمي..!
سأشقُ من أعماق كياني طريقا إلى كينونة الكون، وأسكب على صفحات الوجود آلام البشرية المتجددة،ودموعها التي لا تجف،مُذابة في نهر الزمن الذي لا ينضب..أراني،أصارع لأرتقي إلى علياء المحبة،وأتوسد عرش المناجاة..أتعبَّد في محراب الوجود،راغبا في الارتقاء بتقواي من دهشة اللمسة الأولى إلى استنارة القلب بآيات الخالق.ثم أخلو إلى نجوى الروح في رحلتها الأزلية،أتأمل حصى التسبيح بين أناملي.
ها أنا أسبِح،لكنّ أسماء الحضرة الإلهية تتسع لكل اللغات،ولا يحصيها إلا الذي وسع كل شيء علما.
"وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ"(البقرة: 123)
وتبقى هيبتك،يا إلاهي،درعي الواقي وملجأ روحي في زحام هذا العالم..
في تلك الرحلة البعيدة إلى الأعماق،حيث اللغة تحتفل بأصلها،وتتحرر الروح من قيود الزمن الفاني،أشعر كأنني ألمس شيئا من أسرارك..وفي العودة المليئة بالارتباك إلى الماضي،تهب عليّ نسمات من محاسبة الذات،ونار تلهمني
التطهير..
وفي الخروج من سجن الأيام العابرة،ينفتح باب التحرر،وأقترب..وأقترب..حتى أصبح،يا إلهي،بين يديك.
في هذا الصَّباح المُتلوّن بضباب الذكريات،حيث تذوب السماء في هيامها الأرضي،أجدني أغوص في صمت المطر العميق.كل قطرة تسقط كذكرى تبحث عن جرح لتُعيد فتحه،أو كغفران يبحث عن قلب ليغسله.كأن الزمن هنا،تحت هذه القبة الرطبة،يتوقف ليسمح للروح أن تتنفس أخيرا. ليس المطر سوى حوار بين الأرض المتعطشة والسماء المتسامحة،وأنا في الوسط،كجسر من لحم ودم،أحمل في صدرى نهرا من الأسئلة التي لا تجد ضفافا..
ترى..هل نبحث في الدموع عن خلاصٍ ما،أم أننا نكتب بألمنا سيرة للمطر كي يحفظها لنا حين نغيب؟!
الحياة لا تسأل عن جروحنا،لكن المطر يأتي كل عام كطبيب روحاني،يداوي بالنسيان تارة، وبالتذكر تارة أخرى.وها أنا،بين المنزلتين،أتعلم كيف أكون إنسانا: أشتاق،أغفر،أتألم،وأحب..ثم أمطر..
الآن..وهنا في منتهى الإستعداد لدخول عالمٍ تسكنه الأطياف،وتمطره السماء دمعا،وتتردد في أرجائه أنات تبحث عن خلاصٍ،أو ربما عن غفران. عالم يجلس فيه الإنسان تحت قبة المطر،ليكتشف أخيرا أن الحياة ليست سوى رحلة عابرة بين المطر والدموع،وأن جوهرها يبقى في قدرتنا،مهما جرحنا،على أن "نشتاق،نغفر، نتألم،ونحب..ثم نمطر..!
هنا،على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة،لا ينوح إنسان على فقيده وحده،بل تنوح الأرض كلها معه.تئنُّ الرياح كجراح في الخاصرة،ويمطِر القلب صمتا مالحا يذوب في صخب التذكر.إنها شهادة روح مرت على جمر الفقد،فاحترقت وتطهَّرت،وانكشفت لها الأسرار في جنح الليل الشتوي: سرّ الخيانة،وقسوة الغدر،وجوع التراب الأبدي،ثمّ ذلك الإشراق الخافت الذي يأتي بعد العاصفة،حين يكتشف الإنسان أنه مازال قادرا على التسبيح،على الحب،على الولادة من جديد من رحم الألم نفسه.
وهكذا،بين حنين المطر ووجع الفقد،وبين شغاف القلب المتألم ونداء الروح التواب،ندرك أن الحياة ليست سوى رحلة عابرة بين المطر والدموع.
قد نُجرَح،نخسر،نُخان،أو نضلّ،لكن الجوهر يبقى في قدرتنا على الصعود من رماد الألم،والانبعاث من أعماق اليأس،لنسبح في فضاء التسامي الروحي.فكما أن المطر يغسل الأرض،فالدموع تزكي النفس،والألم يصفّي القلب،ليصبح الإنسان أكثر نقاء،وأقرب إلى السماء.
محمد المحسن
*إنه حوار صوفي عميق مع الذات والله والكون، تُكتب كلماته بدموع العينين وحرائق القلب.رحلة من حضيض اليأس إلى مدارج التسامي،حيث يُغسل وجعُ الغدر بصلاة،ويُطهَّر غضب القلب بشوق،وترتفع الروح من تحت الرماد لتسبح في فضاء التسامح.فهذا ليس رثاء تقليديا،بل هو تأمل وجودي يخترق أغوار النفس البشرية في أقسى لحظاتها،ليخرج منها بنور يحاول أن يلمس شغاف القلب القاسي،ويحوّل الدمعَ إلى مناجاة،والفقدَ إلى نشيد،والألمَ إلى اقتراب جليل من السماء..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق