السبت، 3 يناير 2026

مع_الأديب محمود شقير وسيرته الذاتية _تلك الأمكنة_ بقلم الكاتب عبد_السلام _أحمد_عابد

مع_الأديب محمود شقير وسيرته الذاتية  _تلك الأمكنة_

______________________

    رغم صدوره قبل أعوام، عن مشورات الأهلية،  وبحثي عنه في أكثر من مدينةٍ في فلسطين، فإنّني لم أتمكن من الحصول على كتاب ( تلك الأمكنة ) لأديبنا العزيز محمود شقير ، إلا بعد زيارتي للعاصمة عمّان مؤخراً. 

  سألت بائع الكشك، وسط عمّان   عن كتاب ( تلك الأمكنة )، فطلب مني  الانتظار دقائق؛ حتى يحضره من مخزن الكتب القريب، نقدته ثمنه، واحتضنته، ووضعته في حقيبتي؛ انتظاراً لعودتي إلى البلد؛ حتى أتمكن من قراءته بتمعن وهدوء. 

  والحقّ أقول: إن إبداعات أديبنا القصصيّة كلّها تعجبني، وأزعم أنني قرأت جلّها، وإنّ هذا العنوان شدّني، وجعلني مشوقاً لقراءته، منذ أن سمعت بصدوره. 

  وفي خيالي، كنت أتساءل: ما الأمكنة التي كتب عنها أديبُنا؟ وتلك  التي أحبّها ، وكانت له فيها ذكريات دافئات؟! وما القصص والحكايات التي نسجتها الأيام في تلك الأماكن؟!.هل يكتب عنها بشوق وحنين، أم سبَّب بعضُها ألماً وأنين؟!. وهل تنطق الأماكن وتشتاق للغائبين؟!. 

   الأمكنة  مفردها مكان، وتعني المكانة والمنزلة العالية والرفعة، وعندما أشار اليها الكاتب باسم الإشارة (تلك... الأمكنة ) ، أحسست أنه يشير إليها بحب واحترام وشوق  وحنين. 

  ( تلك الأمكنة ) كتاب أدبيّ ينتمي إلى  فن السّيرة الذاتيّة، وهذا اللون من الأدب يستهويني، فأُقبِل على قراءته، ولا سيّما إذا كان الكاتب ناضجاً وذا سيرة ومسيرة عاطرتيْن، مفعمتيْن بتجارب الحياة العميقة والثريّة.

   على مدى سنوات طويلة من حياته، منذ ميلاده، حتى وقتنا الحاضر، عاش أديبُنا في العديد من الأماكن الأليفة التي أحبّها وأحبّته،  فكتب عنها  كما ورد في المقدمة  ( لا للتفاخر أو للمباهاة.... ، بل للرد على من ينفون وجودنا ، وينكرون علينا حقنا في وطننا ؛ لكي يبرّروا استيلاءهم عليه، استناداً إلى الخرافة والأكاذيب المسندة بقوة الغزو والعدوان). 

  نقرأ في الكتاب جوانبَ مهمّة من سيرة أديبنا محمود شقير الذي أحب القراءة والكتابة مبكّرا، وكتب عن معاناة الناس وآلامهم وأحلامهم وهواجسهم، من خلال امتزاجه بقضاياهم، ومعايشته لهم، وتبيان ما هو إيجابيّ ومشرق، وما هو سلبيّ  بحاجة إلى نقد بنّاء وتصويب وتغيير نحو الأفضل. 

  نتعرف من خلال الكتاب على شخصية أديبنا الإنسانيّة الرحيمة  المخلصة الحسّاسة الرقيقة البارّة بالوالديْن، في حياتهما ومرضهما، وبعد وفاتهما، ومحبة  الأخوات والأخويْن، والأبناء والبنات والأحفاد، والأصدقاء الذين كان لهم حظ وافر من المحبة والتقدير والتواصل  والوفاء.

   يجسّد أديبنا ذكرياتِه الحلوة والمرّة، في هذه الأمكنة التي مرّ بها زائراً أو مقيماً. يكتب عن بيته في جبل المكبر  الذي شهد طفولته وشبابه المبكر، وعن القدس مدينته التي أحبّها، ودرس في مدارسها، وتجوّل في حاراتها وشوارعها، وأماكنها الدينيّة والتاريخيّة. ويتذكر تلك السنوات التي عمل خلالها معلّماً في قرية خربثا بني حارث، وأريحا ، والبيرة، وكذلك السجون التي غيّبته في ظلامها، والإبعاد عن الوطن قهراً وظلماً، وسنوات الإبعاد في بيروت، والبيوت التي سكنها هناك ، ثم الانتقال إلى  عمّان، والعمل في مدارسها وصحافتها، وانضمام الأسرة إليه.

   ولاحظت أن العاصمة عمّان تتبوأ مكانة مرموقة في قلب  أديبنا، فهو يكتب عنها بدفء وشغف. ولا سيما البيوت التي سكن فيها، والشوارع والجبال التي مرّ فيها، كجبل الحسين والجوفة الذي يحتضن رابطة الكتّاب الأردنيين التي كان عضواً فاعلاً فيها وصديقاً لمنتسبيها. 

   ويكتب عن سفره مع أسرته إلى  براغ، حيث عمل في مجلة( قضايا السلم والاشتراكية )  . وتحدث عن الوقائع والأحداث التي جرت في الاتحاد السوفييتي وغيرها من البلدان، ومن ثم عودته  الدائمة ثانية إلى  القدس، وبناء بيت جديد،  والاستقرار الدائم فيها ، والعمل في وزارة الثقافة، ومرحلة التقاعد ، وذكرياته مع الأدباء الفلسطينيين ، والأنشطة الثقافيّة التي كان يحضرها ويشارك فيها في المدن الفلسطينية وخارج الوطن.  

   وأفرد أديبنا محمود شقير  لرحلاته إلى الدول العربيّة والأجنبيّة حيزاً كبيراً في كتابه الذي لا يمل القاريء من متابعة قراءته. 

   ولعل قرار أديبنا  المتمثّل في التفرغ للكتابة الإبداعيّة، واستثمار الأوقات كلها، والزهد بالمناصب الوزاريّة والحزبيّة، كان قراراً واعياً حكيماً أفاد المكتبة الثقافية، ورَفَدَها بنتاجات روائيّة وقصصيّة وأدبيّة  كثيرة ومتميزة، ستظل على مدى العمر زاداً ثقافيّاً يغذي أفئدة الأجيال  وعقولها.

   إن أديبنا محمود شقير نموذج حيّ للأديب المثابر المبدع الذي تعلق بالقراءة والكتابة منذ الصغر  ، وهو يحتفظ بأرشيفه الإبداعيّ، منذ  قصته القصيرة الأولى التي نشرها في مجلة ( الأفق الجديد )،  حتى وقتنا الحاضر، حيث يتحفنا بين الحين والآخر بمؤلف إبداعيّ  نوعيّ جديد ذي أسلوب عذب وشائق، تتسابق دور النّشر   لترجمته إلى العديد من اللغات العالميّة. 

  إنّ السّطور السّابقة لا تغني عن قراءة هذا الكتاب القيّم الذي يجذب القاريء لمتابعة أحداثه ومشاهده التي رسمتها أنامل أديب مرهف الحس، صادق التعبير. أتمنى لأديبنا العزيز محمود شقير الصّحة والعافية، ومواصلة الكتابة ( لعلّ العالمَ يصبح أجمل، ولعلّ الشرّ يكون أقلّ.) .  

_________

عبد_السلام  _أحمد_عابد 

الثلاثاء: ٣٠ / ١٢ /٢٠٢٥م



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق