الروح في محنة الجسد: كلمات تُكتب من خلف الشغاف..
( قصة قصيرة..مستوحاة من نسيج الواقع الأليم )
تصدير :
ووحـــدي
كنت وحدي عندما قاومت وحــدي
وحدة الروح الأخيــرة
عندما لا تستطيع أن تقترب ولا أن تبتعد ولا
تستطيع أن تنسى
ولا تستطيع أن تتجاوز،فأهلا بك في المنتصف المميت.
(محمود درويش)
كان الكرسي المتحرك هو عالمه الآن،مساحة من خشب ومعدن تتحرك ببطء بين رفوف مكتبته العالية.كانت أصابعه،المرتعشة،تتحسس مفاتيح الكومبيوتر المخصص له ببراعة،فتنساب الكلمات على الشاشة كما كانت تنساب على الورق ذات يوم.لكن الفارق كان هائلا.ا الفارق هو جسده.
(م) الذي كانت مقالاته وأدبه تُؤثث الصحف العربية والدولية،والذي كان يخطب في مؤتمرات الأدب ببعض البلدان العربية ويُستقبل بحفاوة،يجد الآن أن مجرد الذهاب إلى الحمام معركة يومية...! كان المرض قد تسلل كسارق محترف،وسلب منه شيئا فشيئا :أولا مشيه السريع الواثق،ثم وقفته الطويلة أمام البحر وهو يفكر،وأخيرا،وقفته أمام الوجود نفسه.!
في الصباح،بينما كانت"عجوزه"*تضع كوب الشاي بجانبه،سقط نظرُه على صورة قديمة معلقة على الجدار:هو في باريس،بمعطفه الأسود وشعره الأشعث،محاطا بكتّاب ومثقفين،عيناه تشعان بثقة من يمتلك العالم بكلماته.كانت تلك العيون نفسها تنظر الآن من المرآة أمامه،لكنها صارت أعمق، وأكثر حزنا،كبئر جفّ ماؤه لكن ظل عمقه مخيفا..!
يتذكر ذلك اليوم في "الجماهيرية العظمى" بمدينة الخمس تحديدا،حين ألقى محاضرته أمام جمهور غفير من الطلبة،وصافحه النقاد باحترام يليق برؤية نادرة.كانت الصحف تتسابق لنشر مقالاته، وكانت إحدى المجلات العربية الفاخرة تطلبه لنصوص أدبية تختزل آلام الشرق ببلاغة صادمة. كان جسده وقتها وعاء قويا لروح ثائرة،يكتب حتى الفجر عن فلسطين،بغداد،دمشق،التداعيات الدراماتيكية بالشرق الأوسط..إلخ،يسافر بين العواصم،يشرب القهوة بلا حساب،كأن الطاقة لا تنضب.
أما الآن،فكل طاقته تتركز في إصبعيه على المفاتيح،وفي رأسه الذي ما يزال مترعا بالعوالم. لكن الصور تأتيه كالخيالات المؤلمة:رائحة المطر في شوارع دمشق وهو يمشي تحت المظلة،شعور الأرض تحت قدميه وهو يتسلق تلة في شمال لبنان،دفء المصافحة القوية مع محبيه.كل هذه الأحاسيس الجسدية التي كانت تغذي إبداعه صارت ذكريات لا يُعوّض عنها.
ذات مساء،بينما كان يكتب مقالا عن "خريف العمر..ومحنة الجسد" انهار.لم يبكِ،فقد تعلم كبح الدموع كي لا تبلل الشاشة.شعر بألم حاد يخترق صدره،ألم ليس من وخزة المرض،بل من لسعة الحسرة.حسرته على الجسد الذي خانه،وعلى الأيام التي طارت كالدخان..!
تساءل: هل كان ذلك المجد الجميل حقيقيا أم حلما؟! وهل ما يزال هو "م" ذاته إذ لم يعد قادرا حتى على حمل كتاب ثقيل..؟!
كان يشعر أن المرض لم يسلب جسده فحسب،بل سرق منه الجغرافيا أيضا،إذ صار العالم كله بحجم هذه الغرفة،وصراخاته كلها تتحول إلى أحرف صامتة على شاشة باردة.
في الليل،وفي هدأة الصمت حين يهدأ الألم قليلا، كانت تأتيه ذكريات الجسد السليم كالخيانات: تذكر كيف كان يستند بثقل على المنضدة وهو يكتب باندفاع،دون أن يدري أن تلك اليد الحاملة لقلمه ستُحمل هي ذات يوم.
لقد تعلم لغة جديدة من الألم،لغة لا تترجمها القواميس،لكنها تنحت عمقا جديدا في كل كلمة يكتبها.
كان المجد الذي جمعه مثل أوراق الخريف الذابلة، جميلة في ذكراها،لكن لا يمكن لأي ريح أن تعيدها إلى أغصانها.
أقسى ما في الأمر لم يكن العجز عن المشي،بل العجز عن الهرب.الهرب من هذا الجسد الذي صار سجناً لا باب له..!
..يكتب الآن ليس ليُضيف إلى رصيد مجده،بل ليُثبت لنفسه أنه ما زال موجودا..أن هناك روحا ما تتنفس خلف هذا الجدار المنهار.!
عاد إلى الكومبيوتر.كانت المقالة عن"خريف العمر..ومحنة الجسد" تنتظره.أخذ نفسا عميقا،وبدأ يكتب،ولكن هذه المرة،ليس كمن يتذكر الأوج،بل كمن يعيش في قلب الضعف نفسه ويكتشف،كلمة كلمة،أن للإنسانية لغة أعمق حين تُختبر بالنقص.ربما لن تنشره مجلة دولية كبرى اليوم،لكنه كان يكتب بأصالة الجرح،لا بأبهة المجد..
أدار كرسيه ببطء ليواجه رفا مزدحما بكتبه وذكرياته..مدّ يده المرتجفة قليلا ولمس غلاف أول ديوان شعري كتبه،وكأنه يلمس وجه طفله البكر.
في تلك اللحظة،أدرك شيئا.ربما لم يكن الجسد القوي هو من كتب تلك الروائع،بل الروح التي سكنته.وروحه ما تزال هنا،محاصَرة،لكنها حية..!
نقر بإصبعه على ذراع الكرسي،إيقاعا مميزا،كما كان يفعل حين يبحث عن إلهام.
في صمت الغرفة الذي يكاد يطبق على أذنيه،كان يسمع صدى ضحكات إبنه المسافر عبر الغيوم الماطرة تأتيه من بعيد،صوت يأتي من عالم آخر كان يملك تذكرة ذهاب إليه،لكن ليس هناك تذكرة عودة..!
في هذا الصمت الأخرس،لم يعد هناك أصداء التصفيق الحاشد في قاعات المحاضرات،لكن هناك صدى آخر: صوت ضمير يكتب بحقيقة
مكتملة..وكفى.
وأدرك في صميم وجدانه أن الجسد،ذلك الخادم الأمين الذي طالما حمله عبر المدن والأحلام،قد تحول إلى خصمٍ صامت.لكن الروح التي أضاءت كلماته يوما،والتي لا تزال تتأجج تحت رماد الأعصاب المتعبة،ترفض أن تتنفس إلا عبر الشقوق التي أحدثها الألم.فهي تكتب الآن لا لينتصر الأدب على النسيان فحسب،بل لتصرخ في وجه العطب: "ها أنا ذا.. ما زلتُ هنا"..! ففي العجز المُطلق عن الهرب من السجن الجسدي،وُلدت حرية جديدة: حرية الوجود الكامل في كلمة واحدة،تنبض بكل ما فُقد،وكل ما بقي..
وكفى..!
محمد المحسن
*"عجوزه" مصطلح شائع الإستعمال في الجنوب التونسي،ويشير إلى الزوجة التي هرمت..ونالت منها السنون العجاف..!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق