قراءة نقدية: "الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"
الديوان "وأعبر مني اليّ"
الشاعرة : ريم القمري (تونس)
الناقدة :جليلة المازني (تونس)
التصميم الفني: حسام القرواشي.(تونس)
الفنان التشكيلي :عبد الرزاق عكاشة (مصر)
قراءة اللوحة التشكيلية بالغلاف: الفنانة التشكيلية :سعيدة بركاتي (تونس)
1 - التقديم المادي:
- الجنس الادبي: شعر.
- الطبعة الاولى 2024- تونس.
- دار النشر: دار افريقية للنشر تونس.
لقد تضمنت المجموعة الشعرية "وأعبر مني اليّ" للشاعرة التونسية ريم القمري مائة قصيدة مختلفة الطول وقد امتدت تقريبا على مائة و اثنتين وسبعين صفحة .
2- في قراءة للوحة التشكيلية بالغلاف:
لقد استعنت بالفنانة التشكيلية التونسية سعيدة بركاتي على قراءة لوحة الغلاف للفنان التشكيلي المصري عبد الرزاق عكاشة :
تأملات في لوحة غلاف المجموعة الشعرية " و أعبر مني اليّ " للشاعرة ريم الڨمري:
حين يرسم الفنان بهذه الطريقة ، فهو يطلق العنان للريشة و الألوان و ما ستنتجه من رسمة أخيرة ، فن قريب من التنقيط للذي يحتاج إلى تركيز حتى ينتهي الموضوع أو ينهي الموضوع نفسه ، و من نظرة أخرى لوحة قريبة من تقنية " النفخ " على الألوان بعد وضعها كنقاط على المحمل . و لكن لعبت الريشة دورها في توزيع الألوان حتى أنتجت هذا المشهد.
لوحة ربما بألوان مائية فالواضح انها ليست زيتية.
خلفية بنّية فاتحة : انطلق الرسام من لون الأرض و الطين
موضوع اللوحة :
النظرة الاولى شبيهة بالظل على وجه الأرض أو جدار ، كأنه شخص يتابع أو يجري وراء شخص آخر و يحاول الإمساك به.
بالتدرج في قراءة اللوحة انطلاقا من الأعلى : تجانس و تشابه كبير في المشهد و كأنك مع نفس " الرأس لهذا الشخص " مع نفس اللون تقريبا ، نفس الكتف و نفس الحركة في الأسفل
الغياب الكلي للملامح لكن ليس بالصعب التمييز إن كان ذكرا أو أنثى ، ملامح للشعر الطويل و الجسم قريب من أنثى أكثر منه للذكر.
و مزيدا من التأمل الحالة في سباق ، و النقاط الزرقاء وراء الظهر و قريبة من اليد كأنها باقة زهر مخفية لتكون مفاجأة تُهدى.
المشهد العام للوحة و علاقته بعنوان المجموعة الشعرية: " و أعبر مني إلي " : هي رحلة بحث داخلية عن ذات شبه ضائعة من ذاتها ، تلاحقها في غمرة من الضبابية و التيه فارتباط الصورة بظلها و ملازمته هو تشبث لاسترجاع ما سُلب أو سُرق بمرور الزمن ، رحلة بحث بين سابق و لاحق و كلاهما واحد ، فالعبور إلى الذات هو بحث في الحقيقة أو وقفة تأمل و اللحاق بما تبقى حتى لا يضيع الكل ، لوحة شخوصها ( شخصان) مجرد أطياف رغم أن هذا الفن يكون صورة أو لوحة ظلية يبرزها النور حين يكون لخلفية الصورة " فن قائم بذاته" ، و الخلفية كما ذكرت أعلاه باهتة و لونها هادئ
الخلاصة : حين تنظر بالتدقيق في اللوحة تشعر بالقيد و الحرية في نفس الوقت ، المجال للألوان و الحرية للريشة تلعب كما تشاء على المحمل . فهروب ذات من ذاتها ، هو فعلا عبور منها إليها ، و أكيد ما تحتويه المجموعة الشعرية فيه ما يُترجم من الغلاف و لو قليله لحمة جسدين بهذه الألوان:
- لون أزرق : فترة البحث عن الاهتمام بين الانفصال عن الآخر و البحث عن الهدوء و الاستقرار بين الغامق و الفاتح منه.
- لون بني ممزوج بالرمادي:
- اللون البني: يثير فينا هذا اللون الحنين إلى الماضي وهو لون الأرض والخشب والصحراء وهو نغمات الأرض بدرجاته اللونية التي تجمع بين ألوانه القاتمة والفاتحة بلون الذهب البراق (حسب موقع سوريا تي. في)
- الرمادي لون الحياد.
- قليلة هي النقاط السوداء : مما يفسر عدم ضياع الكثير من هذه الذات.
مدرسة اللوحة لا يستطيع المشاهد تحديدها فهي بين : التجريدي و التعبيري و الانطباعي
فيتضح مما تقدم أن اللوحة بها العديد من الأسرار و أولها ما حملته من حركة سريعة ، و شخوص في لحمة و كأنه مشهد رقص أراد به الرسام التخلص من تراكمات.
أبدعت الريشة في اسقاطها على شكل ألوان متناثرة في كل مكان ، لعل شيئا من الصفاء يغطيها ، فهذه " الذات " كتلة من المعاناة تبحث في ذاتها الحقيقية عن راحة برجوعها إلى " الأرض و الطين " إلى الأصل ، و فيها من الحنين الكثير بالألوان التي استعملها الرسام
هذا ما أوْحَتْ به اللوحة (سعيدة بركاتي)
** التعقيب على قراءة صورة الغلاف للفنانة التشكيلية سعيدة بركاتي:
لقد أشارت قارئة اللوحة سعيدة بركاتي الى أن الصورة توحي "برحلة بحث داخلية عن ذات شبه ضائعة من ذاتها ، تلاحقها في غمرة من الضبابية و التيه فارتباط الصورة بظلها و ملازمته هو تشبث لاسترجاع ما سُلب أو سُرق بمرور الزمن ، رحلة بحث بين سابق و لاحق و كلاهما واحد."
وأشارت الى أن اللوحة قد جمعت بين ثنائية القيد والحرية.
وفي هذا الاطار لعل هذه الذات تريد أن تتخلص من قيد الماضي لتنتشل ذاتها وتتحرر في الحاضر بالعودة الى ذاتها الحقيقية.
ولعل ما أشارت اليه قارئة الصورة من دلالة الالوان يجعل القارئ متأكدا من تشبث هذه الذات بأصلها والذي رمز اليه الرسام باللون البني, فعودتها الى ذاتها بمثابة عودتها الى أرضها وجذورها.
وكأني بهذه الذات كانت تعيش شيئا من الانبتات لتقنع القارئ بأنها ترفض هذا الانبتات في علاقتها بالآخر وتبحث عن التجذر في عودتها الى الذات.
3- في قراءة العنواان "وأعبر مني اليّ":
لقد تضمّن العنوان معنى العبور (وأعبر) ونقطة البداية (مني) والنهاية (اليّ).
وبالتالي فالعنوان يشي برحلة "من ..الى" .والشاعرة واعية ببدايتها ووصولها.
انها رحلة من الذات الى الذات.
والرحلة "من الذات الى الذات " حسب المختصين هي " مغامرة داخلية عميقة للوصول الى الذات الحقيقية هدفها بناء انسان متكامل, واع, ومُكتفٍ ذاتيا وقادر على مواجهة الحياة بمرونة وقوة ".
لقد استخدمت الشاعرة الواو(وأعبر) وقد تكون واو الاستئناف وقد تكون واو الحال:
- ان كانت واو الاستئناف فالشاعرة تستأنف حديثا سابقا قبل رحلتها من الذات الى الذات.
- ان كانت واو الحال فالشاعرة تصف حالتها في رحلتها من الذات الى الذات.
ورحلة الانسان من ذاته الى ذاته هي أطول رحلة الى أقرب مكان.
وهذه المسافة التي تفصل البداية (من الذات:منّي) عن النهاية (الى الذات:إليّ) هي رحلة بحث عن الذات الحقيقية .
هذا البحث للوصول الى الذات الحقيقية لبناء ذات متكاملة , واعية ومكتفية ذاتيا وقادرة على مواجهة الحياة بمرونة وقوّة جعلها تحدث القارئ على مغامرة وجدانية خاضتها مع الآخر.
وهذه المغامرة الوجدانية لا تخلُ من معاناة كما أشارت الى ذلك الفنانة التشكيلية من خلال قراءتها للوحة بالغلاف.
ولعلنا نقف على هذه المعاناة التي تجسّد المسافة الفاصلة بين "منّي واليّ" في صلب التحليل:
4- التحليل: " الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"
لقد تحدثت قارئة اللوحة الفنانة التشكيلة سعيدة بركلاتي عن "هروب ذات من ذاتها ، هو فعلا عبور منها إليها ".
ولعل العنوان يشي بهروب من الذات والعودة الى الذات خلال تجربة هذه الرحلة الداخلية:
ولا بد من الاشارة هنا الى الفرق بين "الهروب من الذات" و "العودة الى الذات" حسب المختصين:
- الهروب من الذات: يعني الهروب من الألم وتجنب المشاعر وهو سلوك قهري يؤدي الى مزيد من المعاناة.
- العودة الى الذات (شكل صحي) يكون من خلال مواجهة الذات بصدق والاعتراف بالخطأ والعمل على النمو الداخلي وهو ما يتطلب شجاعة وليس هروبا.
والشاعرة وهي تعيش هذا الصراع النفسي بين الهروب من الذات والعودة اليها قد جعلها تعكس هذا الصراع حتى في صلب القصيدة الواحدة.
أ- الهروب من الذات بالديوان الشعري:
لقد استخدمت الشاعرة العديد من التقنيات للتعبير عن هذا الهروب من الذات:
+ الثنائيات المتضادة:
- المشاعر واللامشاعر:
تستهل الشاعرة مجموعتها الشعرية بقصيدة "قلبي" ص(10) وكأني بها في تجربتها الوجدانية تُدين قلبها الذي جنى عليها وجعلها ترغب في الهروب من الألم وتجنب المشاعر فتقول:
مؤخرا صار قلبي يسقط مني في الطريق
وكلما أعدته مكانه تدحرج
وسقط مجددا وتبعثر
- وجع القرار غير الناضج مقابل الحب (الارادة والوجدان)
انها قاومت ضعف قلبها لتهب الحبيب حياتها وفي المقابل ينساها ويرميها لعبة لقدر قاس فتقول في قصيدة "قمر" ص (11):
سلمتك أحلامي وكل أيامي
وكنتُ ظلا لحرّ أيامك
فكيف نسيتَ وجهي
ورميتنا لقدر كان جلادا
وباستخدام ضمير المتكلم الجمع( رميتنا) تلومه على قرار غير واع وغير ناضج ليلاقيا معا قدرا عنيفا هو بمثابة جلاد يجعل منهما ضحية.
- نشيد الموت والحياة:
ان هذا القدر القاسي جعلها تنشد نشيد الموت للتخلص من استهتار الحبيب بمشاعرها ونسيانه لها بل وكادت تنتحر لكن حبها الجارف له منعها من ذلك فتقول في قصيدة "نشيد الموت"ص (13/ 16).
أشد الحبل حول خصري بقوة
أضغط بإحكام شديد
وقبل أن أطلق سراح صوتي
في صراخ طويل
أفتح أبوابا في ذاكرتي
كان عليّ أن أحبك بهدوء
لكن الأمر خرج عن السيطرة
ومن وقتها بدأت عزفا منفردا
ب"احبك".
انها في صراع بين نشيد الموت وعزف الحياة.
انه قرار الحب من طرف واحد(منفردا) وهو أشرس أنواع الحب وأقساها.
- ثنائية الرجال والنساء في الحب:
كأني بالشاعرة تنتصر لحب متبادل بين النساء والرجال في المطلق فتقول في قصيدة " أهل الحب" ص(21):
للحب رجال ونساء
تشرق الشمس كل صباح من بين أصابعهم
وتنصاع الريح لجباههم العالية.
- ثنائية الحب والمعاناة:
تقول في قصيدة "أحبك"ص (22/ 23):
أحبك فكرة جميلة
وحياة تتشكل في داخلي
جنين شقي يرفس بكل قوّة
يريد الخروج
فأمسكه بشدة
كما تمسكني انت من البلاد البعيدة
وتقول في قصيدة " منتصف الليل" ص (24):
منتصف الليل توْقيتٌ فارق في حياة كل امرأة وغالبا ما يمرّ
الرجال سريعا للنوم من دون أن يلاحظوا اشتعال
الحريق في الجسد قربهم
ماذا لو أفرغ ماءه كله قبل أن ينام؟
- ثنائية السعادة والشقاء:
ان الشاعرة توقظ ضمير الحبيب المغرور لتنذره أن السعادة وهْمٌ فتقول في قصيدة "غدا"ص(34/ 35)
يقف طويلا أمام المرآة
يحصي عدد نسائه
ويلعن حظه في الحب
حين تحترق فراشات قلبك غدا
ستبقى وحيدا في صورة يتيمة
ان الشاعرة لا تخفي عن القارئ نار غيرتها بسبب خيانة الحبيب لها.
+ الثنائية المتقاربة:
لقد لعبت الشاعرة على الثنايات المتضادة لتحوّلها الى ثنائيات متقاربة لتتحوّل الضغوطات الى موارد فتقول في قصيدة "شوق" ص(35/ 36):
تتفجر داخلي موسيقى الغجر الغافين في دمي فتتحول تضاريس
جسدي الى أرض بكر في انتظارك
نكتب القدر بيدين من جمر فالطريق خدعة الضباب يسلّمنا
لدروب بعيدة وكلما ابتعدنا اقتربنا أكثر.
صوتك نهر صاخب في عمري
وانا صراطك الذي ما زلّتْ عنه قدمك
- ثنائية الحب والغرق
لئن يُعتبر الغرق موْتا فالشاعر ة تشبّه الغرق بمرأة انكسر قلبها وكأني بها تعتبر الحياة بالحب والغرق باللاحب فتقول في قصيدة "ساعة حب" ص (38):
الغرق فعل الهي بحت
انه يشبه كثيرا
امرأة انكسر قلبها.
- الحب الكذبة الاجمل : تقول في قصيدة " وحدي" ص(51)
والحب كذبتنا الاجمل
تردد جوقة النساء
كنت تقول:
أكرهك كثيرا و أحبك اكثر
وتقول في قصيدة "كان عليكم قتلي" ص(54)
أنا لا احبكم لكنني أنوي ان أفعل فما أنا الا كاذبة كبيرة
أبحث عن عشاق أقتلهم لأعيد كتابتهم في نصوص تخلد اسمي لكنني
فشلت في كل مرة.
- النشوة كذبة بيضاء فتقول في قصيدة "عندما أتجرد من جسدي" ص (55)
النشوة كذبة بيضاء بحجم الكون
عندما فقدت الأمل في العثور على الحب
عرفت رجالا كثيرين
لقد كان تعويضا تافها ومغرقا في الحسية
كمن يحرث أرضا بورا
وكان جسدي ميّتا
بعد معركة الأجساد
وفي هذا الاطار فان الشاعرة قد خاضت تجربة وجدانية واسعة باستخدام:
- الثنائيات المتضادة
- الثنائيات المتقاربة
- تنوع الخطاب باستخدام ضمير المتكلم المفرد والجمع وضمير الغائب الجمع واستدعاء النساء والرجال.
- استخدام الأسلوب الانزياحي الذي غطّى كل الديوان مع توظيف الصور الشعرية الحسية لايقاظ شعور القارئ وفضوله في التأويل...
- تحديد الزمان والمكان باعتبار الرحلة لإضفاء الواقعية عليها:
المكان: البحر/ ابواب المدينة/ تونس/سجنان/ الهوارية...
الزمان: الاحد/ الاثنين/ الخريف/ الشتاء/ الربيع/ ليالي الصيف...
ان هذه التجربة الوجدانية الموسومة بالفشل والوجع أرادت الشاعرة من طرحها لتجعل القارئ شاهد عيان عليها ليُنصفها في اتخاذ قرار العودة للذات.
ب- العودة للذات:
ان الشاعرة بهروبها من الذات المتألمة لا تخفي عن القارئ الأزمة الوجدانية والنفسية التي تعيشها لاتخاذ قرار العودة الى الذات.
ان هذا الصراع بين الهروب والعودة هو ما عبّر عنه بامتياز الفنان التشكيلي المصري عبد الرزاق عكاشة بالتدرج في اللون الازرق ولقد تفطنت اليه قارئة اللوحة الفنانة التشكيلية التونسية سعيدة بركاتي بأنه بحث عن الاستقرار والطمأنينة النفسية.
وبالتالي فان هذا الهروب الى الذات في سياقات الأزمات النفسية كما يرى بعض المختصين " يعني التواري عن الواقع الأليم وتجاهل الذات المتألمة مما يعمق المشكلة , بينما العودة للذات هو شكل صحّي يدعو الى التصالح مع الذات ومواجهتها"
وفي هذا الاطار فيما تجلت العودة الى الذات؟
1- تجليات العودة الى الذات من خلال:
+ استعادة الهوية الأصيلة: اعادة اكتشاف القيم الاساسية والجوهر الانساني:
- انطلاقا من العنوان الذي يدعم التجذّر والتشبث بالذات الحقيقية وبجوهرها "وأعبر مني اليّ".
- في متن الديوان الشعري :
* تقول في "رحلة الأزل ص (100):
مذ صاغتني يد الاله من عدم
نفسا هائمة في ظلمات الرحم
احببتك ولم أكن روحا
ولدت جسما رآه الناس جسدا
* تقول في قصيدة "البلاد" ص(95):
أحبك أحبك أحبك
أغنية الأرواح في الأجساد الفانية
* تقول في قصيدة "موت" ص(95):
انه موعدهم المقدس مع الموت
أخف من نسائم الصباح يرحلون
* تقول في قصيدة "رجل ينتعل قلبه" ص(73/ 74):
نعاتب التاريخ ونلعن الجغرافيا
وننسى أننا صدفة حياة
كذبة في سياق الحاضر
هذا العالم فقدَ جدواه
فمن نحن؟
غضب الشوارع
وجوع الشعوب
وثورة قتيلة..
وحرب لا تشبع من دماء ابنائها
+ التحرر الداخلي:
التحرر من الخوف والعقد النفسية والشعور بالنقص مما يفتح الطريق نحو الحرية الحقيقة:
- تقول في قصيدة: "رجل ينتعل قلبه" ص(73):
لست مسؤولة عن خراب العالم
لكني تكفلتُ بتخريب قلبي
و الآن أعيد كتابته على شكل قصائد
لا يقرؤها الا المهزومون
حبّا مثلي.
- تقول في قصيدة "تحرر" ص(77).
أحرر نفسي من رغبتي فيك
وأحرر صوتي من اسمك
كنت أبحث عن طريق لا يؤدي اليك
ولا تطاله يداك
+ الوعي النقدي: تطويرعقلية نقدية لا تتقبل الافكار دون تمحيص وتميز بين ما هو أصيل وما هو دخيل فتقول في قصيدة "قط أسود" ص(93):
كل هذه الحكايات داخلي لعنات انها أوزاري أحملها أحيانا
وأتأبّطها أحيانا أخرى ثم أتدحرج معها نحو الهاوية
+المسؤولية والتمكين: مسامحة الذات وجمع أجزاها المتناثرة وتحويل القوة الى رقة.
تقول في قصيدة "مطر" ص(87):
وكنت هاربة من وجه ذكرياتي الكريه
أجمع شظايا قلبي المكسور
+الصلة بالآخر وفهم الذات الحقيقية كشرط للتواصل الصحي مع الاخرين والوعي بحدود الذات دون وهم.
تقول في قصيدة "رثاء" ص (31/ 32)
كل من أحببتهم أورثوني أوزارا
كل من أحبوني انتصروا لقلوبهم
ثمّ رحلوا عني
سبرت أغوار جسدي
حفظت مواطن قوته وضعفه
وشمت أسماء كل من خذلوني
فوق معصم القلب
2- مظاهر العودة الى الذات:
+التأمل الداخلي لتحرير الذات: تقول في قصيدة "رثاء" ص(32).
وقلت اليوم
لا عاصم لي منّي
إلّاي.
+النقد الذاتي : مراجعة السلوك والفهم لتصحيح الأخطاء بدلا من لوم الاخرين
تقول في قصيدة "رثاء" ص(30):
لا شريك لي الا قلبي
على حافة الصباح
أضحك كثيرا
لكل الوجوه العابرة
حتى لا تبللني غيمة البكاء
التي تظلل روحي
+ تقدير الذات: الاعتراف بالفرادة والتميز دون غرور:
تقول في قصيدة "كان عليكم قتلي" ص(54):
تركتكم كل مرة تحتفلون في صخب بانتصاراتكم الوهمية وانسحبتُ ولم
أكتب عنكم وأنتم تمارسون المدّ والجزر فوق بحري الصاخب فقط كان
عليكم قتلي لأكتبكم ولكنكم فشلتم.
+الاستلهام من التراث: الرجوع الى الاصول الفكرية والحضارية كمرجعية:
استدعاء النص الديني و ملحمة الكوميديا الالهية.
*استدعت النص الديني وقصة الغراب مع قابيل حتى تتفادى قتل الحبيب فتقول في قصيدة "رغبة"ص(48):
الشامة الغريبة على رقبتك تغريني بقتلك
مرة أخرى أحاول أن أحرّر نفسي من رغبتي بدمك
يحوم الغراب فوق رأسي ويصرخ قابيل مجددا, لا تجعلوني قاتلا مرة ثانية.
*كما استدعت الكوميديا الالاهية للشاعر الايطالي دانتي(1) والتي مزجت الاسطورة والتاريخ والفكر الديني في رحلة رمزية لإصلاح النفس البشرية والبحث عن الخلاص والمعرفة
تقول في قصيدة "خلف الوجوه" ص(50):
ما كان بيننا
كوميديا الهية ينقصها حضور الاله
ولم نكن نحتاج حضوره
كنا أربابا نعتلي صهوة النشوة
وفي هذا الاطار فان العودة الى الذات هي شكل صحي للمصالحة مع الذات المتألمة وهي رحلة نحو التحرر وهو ما يجسد البعد الفلسفي والصوفي في المجموعة الشعرية (2).
3- البعد الفلسفي والصوفي والنفسي:
فالفلاسفة والمتصوفة رأوا في العودة الى الذات الطريق الأعمق لاكتشاف حقيقة الوجود.
فمن سقراط الذي قال :" اعرف نفسك" الى ابن عربي الذي اعتبر معرفة النفس طريق لمعرفة الله.
أما فيودور دوستويفسكي المحلل النفسي فيرى أن العودة الى الذات هي اكتشاف الذات الحقيقية بعيدا عن الاوهام وأن الانسان لا يعود كما كان بل يصبح أعمق وأصدق بعد تجربته.
في العودة الى الذات نجد البعد التحرري وهو كسر لقيود التبعية وهي فعل تحرر
تصبح العودة الى الذات مشروعا تحرريا من الاغتراب ويمكن من بناء مستقبل يعبر عن الارادة الحرة.
الخاتمة:
وخلاصة القول فان الشاعرة ريم القمري قد ارتقت بديوانها "وأعبر مني اليّ" نحو العالمية بتقاطعها مع سقراط الفيلسوف وابن عربي المتصوف ودوستويفسكي المحلل النفسي.
سلم قلم المبدعة ريم القمري المتفرد والذي جمع بين القلب والعقل وبين الوجدان والفكر .
لقد أنهيت قراءتي النقدية لهذا الديوان ونبْعُ الامتاع و المؤانسة لم ينضُبْ بعْدُ.
المرجع:
(1) الكوميديا الالهية للشاعر دانتي أليغييري - ويكيبيديا-
(2) د.كمال عبد العزيز- العودة الى الذات رحلة نحو التحرر-20/ اوت/ 2025
الفهرس:
1- التقديم المادي
2- في قراءة للوحة التشكيلية بالغلاف
3- في قراءة للعنوان(وأعبر مني اليّ)
4- التحليل : "الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"
أ- الهروب من الذات .
- الثنائيات المتضادة
- الثنائيات المتقاربة
ب- العودة الى الذات:
1- تجليات العودة الى الذات
2- مظاهر العودة الى الذات
3- البعد الفلسفي والصوفي والنفسي
الخاتمة.