حتى يكون لوطننا قصة تروى..ووجع يُفهم..وصمت يُسمع..!
-"إذا كانت الحرية شيئا مقدسا ومبدأً لا يُمسّ..فلا يمكن أن يكون هناك ما يبرر التلاعب بها".
(ايزيا برلين في كتاب "حدود الحرية")
-القانون والأخلاق..هما ركيزتان للممارسة السلمية للحرية.(الكاتب)
-في المقال القادم،ربّما،سأحاول أن أكون أقلَ أسى، أعني بلا ذاكرة.لا بدَ للأدب أن يُشفى من الذِّكريات ليكون سعيدا..
ما الحلُّ؟ أتذكَر أشياء لا يمكن كتابتها،وأنسى أشياء تمنَيت لو كتبتها،وفي كلِّ مقال،أحتفظ بأشياء لأسرِبها في مقال آخر أكون فيه أكثر شجاعة.
ولكن،إلى أيِ حد تريدونني شُجاعا عند الكتابة إليكم..في زمنٍ كهذا..؟!
(أحلام مستغانمي-بتصرف طفيف)
ليست الحرية كلمة ننطقها،بل هي نَفَسٌ نقتنصه من بين فكي اليأس.فمن لم يقف يوما وحيدا أعزل إلا من صوته،يصرخ في وجه العاصفة،لا يحمل سوى إيمان هشا بأن صوته قد يهزّ جدارا، فلن يفهم أبدا لماذا يخرج آخرون،رغم الرصاص، رغم الخوف،رغم ثقل الثمن..؟!
إنها ليست شجاعة خارقة،بل هي لحظة يتحول فيها الصوت إلى درع،والكلمة إلى سلاح أخير. عندما لا يبقى للإنسان إلا حريته،يدرك أنها ليست ترفا،بل هي آخر ما يمنعه من الاندثار.ومن لم يجرب أن يدافع عن حريته كما يدافع الغريق عن آخر نَفس،سينظر إلى المحتجين باستعلاء،أو بشفقة لا تليق،غير مدرك أنهم لا يطالبون بالكثير، بل بما تبقى لهم.
وكذلك الفقر..ليست كلمة في تقرير إحصائي.إنها مطرقة تهوي على الروح قبل الجسد.ومن لم تمضغه أيام البطالة الطويلة،ولم يذق مرارة الانتظار أمام أبواب مغلقة،ولم يشعر بوخز النظرات التي تراه "عديم القيمة"،فلن يفهم لماذا تشتعل الشوارع..!
ليس الاحتجاج حينها خيارا،بل هو صرخة وجود. صرخة تقول: "أنا هنا..أنا باقٍ..أنا لم أُمحَ بعد".
إنه الرفض الأخير لأن يُختزل الإنسان إلى رقم،أو يُدفن في هامش التاريخ.ومن لا يفهم هذا،يبقى سجين برجه العاجي،يحسب المعاناة مجرد فقر في الدخل،لا فقرا في الكرامة.
وفي قلب هذه العاصفة،ينبت أعمق أنواع الحب.. حب لا يفهمه إلا من ملأ رئتيه بهواء هذا الوطن، بكل ما فيه من مرارة وحنين.حب ليس شعارا يُرفع،بل جرح ينزف وفاء.
"نحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد"..ليست كلمات للتباهي،بل هي اعتراف من وجع.نحبها رغم جروحها،رغم قسوتها،لأنها ليست مجرد أرض،بل هي ذاكرة الأجداد،ورمل الطفولة،وصوت الأم، ونداء لا يسمعه إلا من كان القلب منه على بعد نبضة.
هذا الحب هو ما يمنح الصمود معناه.فلو لم يكن الوطن غاليا،لما استحق كل هذا الدفاع عنه.ولو لم يكن هذا الدفاع مُكلفا،لما كان شهادة حب حقيقية.
في النهاية،ربما الفجوة الأكبر بين البشر ليست في الرأي،بل في التجربة.فالحياة تحت الشمس تختلف كل الاختلاف عن الحياة تحت الظل..! وقبل أن نحكم على من يصرخ في الشارع،أو يتمسك بحقه المهدور،أو يموت حبًا بأرضه الجافة، علينا أن نسأل أنفسنا :
هل امتلكنا الجراءة الكافية لأن نستمع إلى قصصهم،ليس بأذن العقل فقط،بل بقلب يتخيل..! ماذا لو كنت أنا؟ ماذا لو كان هذا صوتي الأخير؟ ماذا لو كان هذا هو الحب الوحيد الذي تبقى لي؟!
فالفهم الحقيقي لا يبدأ من معرفة الحقائق،بل من استعارة القلب لفهم من يختبرها.
لكن هذا الحب،وهذا الألم،ليسا حكرا على مكان دون آخر.إنهما نبض إنساني مشترك،يظهر حيثما وُجد الظلم أو التوق إلى الانتماء.ربما تكمن قوتنا الحقيقية في قدرتنا على تحويل شهادات الألم هذه إلى جسور للتعاطف،نعبرها نحو بعضنا البعض.فكما أن العاصفة لا تميز بين من في طريقها،فإن التعاطف الحقيقي لا يفرق بين جراحنا.
نحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد".. قالها الشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد قبل أن يرحل عن أمنا الدنيا..وهي-كما أسلفت-ليست كلمات للتباهي،بل هي اعتراف يُستخرج من أعماق الروح،كالنار من حجر الصوان.حب ليس اختيارا نصنعه،بل قدر نستيقظ عليه مع أنفاسنا الأولى،مثل بصمة الضوء على جفن المولود.
نحبها ليس لأنها الأجمل أو الأكمل،بل لأنها النَّفس الذي يسبق الأكسجين،والنبض الذي يسبق الدم.
هذا الحب ليس شعارا نرفعه،بل جرح نحمله في صمت،وندبة في الذاكرة تُؤلمنا كلما هبت رياح الغربة أو لفحت وجوهنا رياح التهميش.
عندما نتعلم أن نرى في نضال الآخر صدى لمعركتنا الخاصة،أو احتمالية معركتنا،تصير الحرية والكرامة قصة واحدة،ترويها الإنسانية جمعاء بلهجات متعددة،لكن بلغة القلب الواحدة.
وهكذا،تظلّ أقوى الروايات هي تلك التي لا تُكتب بالحبر،بل تُحفَر بندوبِ الأحياء على جدارِ الزمن. ليست حكايتنا سوى فصل في كتاب الإنسانية الأكبر،حيث تُعيد كلُ ضجة في شارع بعيد،وكلُ همسة حرية في سجنٍ مظلم،وكل دمعة على كرامة منهوكة،تعريفنا بمعنى أن نكون بشرا: كائنات ترفض أن تنكسر،وتصرُ على أن تحبَ حتى في قلب العاصفة.
ليست الغربة في تباعد الأماكن،بل في عدم القدرة على رؤية الجرحِ الواحد تحت الأسماء المختلفة.فلتكن شهادات الألم هذه جسرا نعبرُه،قلوبا مفتوحة لا تُصغي للصدى فقط،بل للنبضِ الإنسانيِّ ذاته.
وفي النهاية،قد تكون أعظم حروبنا ليست ضد من يختلفون معنا،بل ضد القلوب المغطاة بغبار اللامبالاة.والحب الحقيقي للوطن ليس دفاعا عن حدود الجغرافيا فقط،بل دفاعا عن حق كل إنسان في أن يكون لوطنه قصة تروى،ووجع يُفهم،
وصمت يُسمع..!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق