ندبة في السماء ✍️
في ذلك الصباح، حدث أمر لم يره البحر من قبل.
اعتذرت العاصفة.
تراجعت الغيوم إلى الخلف كأنها تفسح الطريق لكلماتها، وخفت هدير الأمواج حتى صار همسًا. أما النورس فكان واقفًا فوق صخرة سوداء عند حافة الماء، يراقب الأفق البعيد.
اقتربت منه العاصفة على استحياء.
دارت حوله مرة، ثم مرت بجانب جناحه برفق، كما لو أنها تخشى أن تلمسه.
لكن النورس ظل صامتًا.
كان الصبار يراقب المشهد من كثيب رملي قريب. ومن مكانه رأى ما لم تره العاصفة.
رأى ذلك اليوم القديم.
يوم كانت السماء صافية، وكان النورس يشق الهواء فرحًا، مستندًا إلى الريح كما يستند طفل إلى يد أمه.
ورأى كيف تبدل كل شيء في لحظة غضب.
دفعة واحدة كانت كافية.
دفعة واحدة ألقت بالنورس بين الصخور.
منذ ذلك اليوم، لم يعد البحر يسمع ضحكته.
مرت الفصول بعد الحادثة.
التأم الجرح.
نبت الريش من جديد.
وعاد النورس إلى الطيران.
حتى العاصفة نفسها بدأت تصدق أن ما حدث صار جزءًا من الماضي.
لهذا جاءت تعتذر.
ولهذا انتظرت أن يغفر لها.
وكان يبدو أنه فعل.
فهو لم يعاتبها.
ولم يهرب منها.
ولم يذكرها بشيء.
لكن شيئًا صغيرًا ظل يحدث كل يوم.
شيئًا لم تنتبه إليه إلا متأخرة.
كلما ظهرت في جهة من السماء، اختار النورس جهة أخرى.
ليس بعيدًا جدًا.
فقط بالقدر الذي يجعل الريح لا تلامس جناحيه.
في البداية ظنتها مصادفة.
ثم تكررت المصادفة كثيرًا.
وذات مساء، حين كانت الشمس تغرق ببطء في البحر، رأته يحلق فوق صفحة الماء المشتعلة بلون الذهب.
أرسلت إليه نسمة خفيفة.
نسمة تشبه تلك التي كانت تحمله قديمًا إلى أعلى.
للحظة، حسبت أنه سيستدير.
لكنه مال بجناحه قليلًا، وغير مساره بهدوء، ومضى.
بقيت العاصفة معلقة في مكانها.
لا هي استطاعت اللحاق به، ولا هي استطاعت أن تناديه.
فهمت أخيرًا ما عجزت الكلمات عن قوله.
لم يكن النورس يحمل لها غضبًا.
ولو كان غاضبًا لصرخ.
ولو كان كارهًا لابتعد إلى الأبد.
لكنه فعل شيئًا أشد هدوءًا من الغضب، وأبعد من الكراهية.
لقد أكمل طريقه.
رفعت العاصفة عينيها نحو الأفق.
كان النورس يصغر شيئًا فشيئًا حتى بدا نقطة بيضاء في آخر السماء.
عندها فقط انتبهت إلى أن الصخور التي سقط عليها يومًا لم تترك أثرًا على جناحيه.
الأثر كله كان في الطريق الذي اختاره بعد ذلك.
قصة قصيرة بعنوان (ندبة في السماء )
بقلم الأديبة والشاعرة الليبية : حكمت المختار

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق