حين تصبح الكتابة..وطنا أخيرا..
-دعوني أكتب..فما عدت أطلب من الدنيا سوى سلام يسكن القلب،وحرفٍ صادق لا يخون الضمير. فإذا كان الليل قد طال،فإن للفجر وعدا لا يُخلف، وللكلمة الصادقة عمرا أطول من كل الجراح..
-إن الكتابة ليست مهنة لمن ذاق مرارة الألم،بل هي وسيلة نجاة،وصلاة طويلة يهمس بها القلب حين تعجز الشفاه عن البوح..( الكاتب)
-الكتابة عن الشيء تعادل حضوره في
الزمن،ووجوده واستمراره في الحياة..( الكاتب)
ليست كل العزلة هزيمة،وليست كل الجراح نهاية. فهناك أوجاع،حين تتراكم في القلب وتستوطن نخاع العظم،لا تترك لصاحبها سوى ملاذ واحد،أن يحتمي بالكلمة،وأن يجعل من الحرف جدارا يصد به قسوة العالم،ومن الورقة وطنا لا يخونه.
وحين تتوالى الخيبات،وتتقاطر لسعات الجلاد على الجسد والروح،وحين يتوارى الرفاق في زحام الطرقات،ويصبح الإنسان وحيدا حتى من ظله،يدرك أن الحياة ليست دائما كما حلم بها،وأن أكثر المعارك قسوة هي تلك التي يخوضها المرء بصمت،دون أن يسمع أنينه أحد.
في تلك اللحظات،لا يعود الزهد في الدنيا ضعفا، بل يصبح موقفا نبيلا من عالم أثقلته الأقنعة، وتاهت فيه القيم،وانقلبت فيه الموازين.فيختار الكاتب أن يعتكف في محراب الكتابة،لا هربا من الناس،بل حفاظا على ما تبقى من إنسانيته،لأن القلم لا يخون،والورق لا يطعن في الظهر،والكلمة الصادقة تبقى أوفى من كثير من الوجوه.
إن الكتابة ليست مهنة لمن ذاق مرارة الألم،بل هي وسيلة نجاة،وصلاة طويلة يهمس بها القلب حين تعجز الشفاه عن البوح. هي محاولة لترميم ما كسرته الأيام،ولإحياء ما ظنه الجميع قد مات في الداخل.لذلك لا يكتب الموجوع ليؤذي أحدا،ولا ليقتات من أعراض الناس،وإنما يكتب لأنه لو صمت لأختنق.
فإذا كان صاحب القلم لم يظلم أحدا،ولم يأكل لحم أخيه،ولم يجعل من حرفه خنجرا في ظهور الآخرين،فلماذا يُحاصر؟! ولماذا يُطالب كل يوم بأن يبرر وجوده؟! ولماذا يُحاكم لأنه اختار الصدق في زمن صار فيه النفاق عملة رائجة؟!
في هذا الليل العربي الطويل،حيث تتكاثر الخيبات وتتراجع الأحلام،يبقى القلم آخر ما يملكه الإنسان الحر.
قد يسلبونه الراحة،وقد يثقلون قلبه بالأوجاع، لكنهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا منه حقه في أن يكتب،لأن الكلمة الصادقة لا تموت،وإن مات أصحابها.
إن بعض البشر حين يخذلهم الجميع،لا يجدون سوى الكتابة لتربت على أكتافهم،وسوى الحروف لتشهد أنهم كانوا هنا،وأنهم قاوموا القسوة بالكلمة، والكراهية بالمحبة،والظلام بنور الفكر.
سيأتي يوم يهدأ فيه ضجيج الأصوات،وتسقط الأقنعة،ويبقى أثر الإنسان فيما كتب لا فيما قاله عنه الآخرون.
أما أنا،فإن تركتموني مع قلمي،فقد منحتموني الحياة،وإن ضايقتموني،فلن أفعل سوى أن أكتب أكثر..لأن الكلمة التي خرجت من رحم الوجع لا تنكسر،بل تظل تضيء الطريق لكل من أنهكه الظلام.
ولعل أعظم انتصار للإنسان ليس أن ينتقم ممن آذوه،بل أن يظل وفيّا لروحه،نقيَّ القلب،صادق الكلمة.فإذا كانت الحياة قد ضيّقت عليَّ الدروب، فإنها لم تستطع أن تنتزع مني إيماني بأن الحرف الشريف أبقى من الجلاد،وأن الحقيقة،مهما طال ليلها،لا بد أن تشرق.
لذلك،اتركوني أكتب..فليس لي من هذا العالم سوى قلم يداوي جراحا لم يعرفها أحد،وكلمة أرجو أن تبقى شاهدة على أن الكرامة لا تُهزم،وأن الأرواح العظيمة لا تنحني مهما أوغل الليل في الدياجير..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق