الجمعة، 17 يوليو 2026

عِناقٌ في مَهَبِّ الرِّيح قصة قصيرة بقلم: هدى حجاجي أحمد

 عِناقٌ في مَهَبِّ الرِّيح

قصة قصيرة

بقلم: هدى حجاجي أحمد


لم يكن بينهما موعدٌ مكتوب، ولا وعدٌ مؤجَّل على حافة الأيام. كان كلُّ شيءٍ يحدث كما تحدث الأشياء الجميلة؛ فجأةً، ودون استئذان.


في ذلك المساء الخريفي، كانت الريح تعبر الشوارع القديمة كعازفٍ وحيدٍ يوقظ ما نام في الذاكرة. الأوراق الصفراء تدور في حلقاتٍ صغيرة، والسماء تتهيأ لمطرٍ خفيف، بينما كانت هي تقف عند طرف الطريق تحدّق في البعيد، كأنها تبحث عن شيءٍ أضاعته منذ زمن.


لم تكن تنتظره.


أو هكذا أقنعت نفسها طويلًا.


لكنها ما إن رأته يقترب حتى ارتبكت تفاصيل المشهد كلها. تعثرت نبضاتها، وضاق المكان رغم اتساعه، وشعرت أن السنوات التي افترقت بينهما تنهار دفعةً واحدة تحت أقدام الريح.


توقف أمامها.


لم يقل شيئًا.


ولم تقل شيئًا.


فبعض اللقاءات أكبر من اللغة، وبعض الغياب أطول من أن تختصره الكلمات.


اكتفيا بالنظر.


وكانت العيون تروي ما عجزت عنه الرسائل المؤجلة، وما أخفته الليالي خلف ستائر الصمت.


هبت الريح بقوة، فتناثرت خصلات شعرها على وجهها. مدّ يده بترددٍ ليزيحها، ثم سحبها سريعًا كمن يخشى أن يوقظ حلمًا جميلاً.


ابتسمت.


ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كافية لتعيد إلى قلبه مواسم كاملة من الضوء.


قال أخيرًا:


ـ ما زلتِ كما أنتِ.


هزّت رأسها بهدوء وقالت:


ـ بل تغيرت كثيرًا... علّمتني الأيام أن بعض الأحلام لا تسكن الواقع.


أطرق قليلًا ثم أجاب:


ـ وبعض الأحلام لا تموت مهما ابتعدت.


صمتا من جديد.


كانت الريح تدور حولهما، تحمل أصوات المارة، ورائحة المطر الأولى، وبقايا أعوامٍ ضاعت بين الحنين والكبرياء.


وفجأة، دون تخطيط أو قصد، اقتربا خطوةً واحدة.


خطوة صغيرة فقط.


لكنها كانت كافية لتختصر مسافاتٍ شاسعة من الفقد.


عناقٌ عابر.


قصير كرفّة جناح.


ودافئ كذكرى نجت من النسيان.


عناقٌ لم يغيّر شيئًا في العالم، لكنه أعاد ترتيب الفوضى في قلبيهما للحظةٍ خاطفة.


ثم مضت الريح في طريقها.


ومضى كلٌّ منهما في طريقه أيضًا.


غير أن كليهما كان يعلم أن بعض اللقاءات لا تُقاس بطولها، بل بالأثر الذي تتركه.


وأن عناقًا واحدًا في مهبِّ الريح قد يظلُّ حيًّا في الذاكرة أكثر من عمرٍ كاملٍ من الغياب.


هدى حجاجى احمد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق