الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

أمشي..وفي داخلي جنازة لا تنتهي..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 أمشي..وفي داخلي جنازة لا تنتهي..!

أنا متعب كزيتونة أحرقها الصقيع،وكطائر مهيض الجناح،أضاع الطريق إلى السماء،فلم يعد يقوى على التحليق فوق صفحات البحار.

أرى الموت،منذ أعوام،كأنه توأم روحي ورفيق دربي؛أخذ أبي ذات زمن مفروش بالرحيل،ثم لحقت به أمي،ثم اختطف ابني في غفلة من العمر، فترك في القلب حفرة لا يردمها الزمن.!

وتلك التي أتتني ذات يوم من غربة الصحو، وأقامت قليلا في خراب روحي،رحلت خلف الغيوم دون وداع...وتركتني أبحث عن ملامحها في كل الجهات،ولا أجد سوى قلب يزداد عتمة.

وهكذا بقيت وحيدا..لا رفيق،ولا صديق،إلا ظلي.

حتى ظلي،أحيانا،أشعر أنه أكثر رحمة بي من هذا العمر.

كبرتُ يا رفاق،لا بالأعوام..بل بما دفنته بيديّ.

وما يؤلمني ليس أنني بقيت وحيدا،بل أنني ما زلت أستيقظ كل صباح،وفي داخلي أماكن كثيرة ماتت،ولم تجد من يدفنها.!

واليوم..لم يعد يخيفني الموت يا رفاق..فقد مات في داخلي من أحببتهم،وبقي جسدي يمشي وحده،كأنه يحمل جنازة قلبه كل يوم..!

لست أخشى الموت يا رفاق،فقد علّمتني الخسارات أن بعض الموتى يظلون أحياء فينا،وأن أقسى الغياب ليس أن يرحل من نحب،بل أن نواصل نحن الطريق بعدهم،نحمل أصواتهم في الذاكرة،وملامحهم في القلب،ونفتش عنهم في وجوه العابرين.

لقد أخذ الموت من أحببتهم واحدا بعد آخر،لكنه ترك لي هذا القلب المثقل بالحنين،كأنني منذ أعوام لا أعيش إلا لأحمل جنازات من أحببت،وأدفن كل يوم شيئا جديدا من روحي..ثم أعود،في الصباح، لأرتدي وجه الحياة وأمضي..!


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق