الجمعة، 2 أكتوبر 2026

قراءة نقدية حافرة بقلم الدكتور فيصل لعبيدي/ أكاديمي وناقد أدبي/ الجزائر في قصيدة «حمّام الشطّ… حين يُزهر الألم» للشاعرة لطيفة الشامخي

 قراءة نقدية حافرة بقلم الدكتور فيصل لعبيدي/ أكاديمي وناقد أدبي/ الجزائر

في قصيدة «حمّام الشطّ… حين يُزهر الألم»

للشاعرة لطيفة الشامخي 


يجمع عنوان قصيدة الشاعرة لطيفة الشامخي «حمّام الشطّ… حين يُزهر الألم» بين ذاكرة المكان وتحولات الوجع، فـ«حمّام الشطّ» يستحضر ثقل الفاجعة في الوعي الجمعي، بينما تنقل عبارة «حين يُزهر الألم» التجربة من استعادة المأساة إلى مساءلة قدرتها على إنبات الأمل. وهنا تتشكّل المفارقة المركزية للنص: الألم لا يُمحى، بل يعيد تشكيل نفسه في صورة مقاومةٍ للحياة واستردادٍ للمعنى.


أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية


يجمع العنوان بين المكان والحدث والتحوّل؛ فالمكان ليس مجرد إطار جغرافي، بل ذاكرة مثقلة بالفقد، وفضاء يستبقي آثار التاريخ في الوجدان. أمّا فعل «يُزهر»، فينقل الألم من دلالته المباشرة إلى أفق رمزي تتجاور فيه الندبة مع الأمل، والمأساة مع إمكان النهوض. وتنبع قوة هذه المفارقة من أنّ الإزهار لا يلغي الجرح، بل يجعل منه منطلقًا لإنتاج معنى جديد.


ثانيًا: المعادل الموضوعي وتحوّلات الصورة


تنهض القصيدة على شبكة من الصور المتآزرة، تتوزّع بين الموج والذاكرة والدم والحجر، ثم تنتقل إلى السنبلة والرمان والرماد والغابات. ولا تعمل هذه العناصر بوصفها زخارف بلاغية منفصلة، بل تتآلف لتشكّل معادلًا موضوعيًا لتجربة جماعية، تتداخل فيها الطبيعة مع التاريخ، ويتحوّل المشهد الطبيعي إلى لغة رمزية تستوعب ما تعجز العبارة المباشرة عن حمله.


ويتجلّى ذلك في قول الشاعرة:


«لا يزال الموج يحرسُ شاطئ الذاكرة

أربعون عامًا ونَيفٍ..

والدم لم يزل يحاور الحجر»


فالموج هنا يتجاوز حضوره الطبيعي ليغدو حارسًا للذاكرة، فيما تنهض صورة «الدم يحاور الحجر» على تشخيصٍ يمنح الدم قدرة الكلام، ويحوّل الحجر من مادة صامتة إلى طرف في حوارٍ تختزن أطرافه وجع التاريخ. وتكمن كثافة الصورة في هذا التوتر بين هشاشة الجسد وصلابة المكان؛ إذ يغدو الدم شاهدًا لا يخفت صوته بمرور الزمن، ويغدو الحجر ذاكرةً عصيّة على النسيان.


ثالثًا: الحقول الدلالية وبنية التحوّل


تتفاعل في النص حقول دلالية متقابلة ومتكاملة؛ حقل الفاجعة الذي تمثّله مفردات الدم والحجر والندبة والرماد والموت، وحقل الإنبات الذي تستدعيه السنبلة وزهر الرمان والغابات، وحقل المقاومة الذي يتجلّى في الكفاح والنجاح والأمل والصمود.


ولا تكمن أهمية هذا التفاعل في التضاد بين الألم والأمل فحسب، بل في حركة التحوّل التي تربط بينهما؛ فالرماد يغدو مادةً للإنبات، والجرح يتحوّل إلى أفق، والصمود يرتقي إلى نشيد. وبذلك لا تقدّم الشاعرة الأمل باعتباره نقيضًا للفاجعة، بل باعتباره ثمرةً تنبت في تربتها، دون أن تنكر آثارها أو تمحو ندوبها.


وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قولها:


«الرّماد الذي بذرتموه في أجسادنا

أثمر غاباتِ أمل»


إنّها صورة تقوم على مفارقة دلالية حادّة؛ فالرماد، بما يحمله من إيحاء بالاحتراق والنهاية، يقترن بفعل «أثمر» الذي يستدعي الخصب والتجدّد. وهكذا تنقلب النتيجة على الفعل الذي أنتجها: ما أُريد له أن يكون نهايةً يصير بداية، وما استهدف إخماد الحياة يتحوّل، في الرؤية الشعرية، إلى باعث على استمرارها.


رابعًا: البنية الإيقاعية وبلاغة البياض


تستثمر الشاعرة شعرية السطر المفتوح، وتنوّع أطوال الأسطر، وتوظّف الوقفات والبياض الطباعي لإبطاء القراءة عند المفاصل الوجدانية. ويأتي التوقف عند «هنا» ثم الانتقال إلى «بل نكتب» ليشكّل منعطفًا في حركة النص؛ إذ ينتقل الخطاب من تثبيت المكان في الذاكرة إلى إعلان الكتابة فعلًا لمقاومة النسيان.


كما يمنح توالي الأفعال المضارعة، مثل «يحرس» و«يحاور» و«تتفتّح» و«يصير» و«يغدو»، النص حركةً مستمرة، فلا تبدو الفاجعة حدثًا مغلقًا في الماضي، ولا الأمل وعدًا مؤجلًا، بل يتجاور الزمنان في تجربة شعرية تستبقي الجرح وتفتح في الوقت نفسه نافذةً للمستقبل.


ومع ذلك، فإنّ بعض الصور، مثل «خيط ضوء» و«غابات أمل»، تنتمي إلى المعجم الرمزي المألوف في الكتابة الوجدانية. وكان من الممكن أن تزداد خصوصية التجربة لو اقترنت بعض هذه الصور بتفاصيل حسية أكثر التصاقًا بالمكان وذاكرته، بما يمنحها فرادتها ويعمّق صلتها بالتجربة التاريخية التي يستحضرها النص.


خامسًا: التناص الرمزي وتحويل الذاكرة إلى موقف


تستدعي القصيدة رمزية الأرض التي تُخصبها التضحية، والسنابل التي تستعيد دورة الحياة بعد الخراب. غير أنّ الشاعرة لا تكتفي باستحضار هذه الرموز، بل تعيد توظيفها في خطاب جماعي تتداخل فيه الذاكرة الوطنية مع الكرامة الإنسانية.


وتبرز أهمية هذا المنحى في أنّ الضحايا لا يظهرون موضوعًا للرثاء فحسب، بل تتحوّل الجماعة في النص إلى ذات فاعلة تمتلك حقّ إعادة كتابة حكايتها. ومن هنا تكتسب الكتابة بُعدًا يتجاوز التعبير الجمالي إلى استعادة الصوت، ومقاومة المحو، وصون الذاكرة من التحوّل إلى أثر صامت.


سادسًا: الخاتمة ودلالة الانتصار الرمزي


تتجلّى خلاصة الرؤية الشعرية في قول الشاعرة:


«نحن لا نؤرّخ للفقد

بل نكتب..

كيف يصير الجرح أفقًا

وكيف يغدو صمود الروح

نشيدًا يُربك الموت».


إنّ الانتقال من «نؤرّخ» إلى «نكتب» ليس مجرد تنويع لغوي، بل انتقال من تسجيل ما وقع إلى مساءلة ما يمكن أن يولّده الحدث من معنى. فالكتابة هنا ليست استعادةً للماضي فحسب، بل فعلٌ يعيد ترتيب العلاقة بين الذاكرة والمستقبل.


أمّا عبارة «نشيدًا يُربك الموت»، فتنهض على مفارقة ختامية موفّقة؛ إذ يفقد الموت سلطته الرمزية حين تعجز قبضته عن إخماد الذاكرة أو منع الحياة من استئناف حركتها. وهكذا تنتهي القصيدة إلى رؤية لا تدّعي محو الفاجعة، بل تنتزع منها حقّها في أن تكون الكلمة الأخيرة.


الحكم النقدي


تنجح الشاعرة لطيفة الشامخي في بناء قصيدة تتجاوز الرثاء المباشر إلى شعرية التحوّل، مستندةً إلى تلاحم الحقول الدلالية، وتنامي الصورة من أثر الدم إلى خصوبة السنبلة، ومن الرماد إلى الغابة. وأبرز مكامن القوة في النص أنّ الأمل لا يأتي قناعًا تجميليًا يخفي الندبة، بل نتيجةً لمواجهة الندبة والاعتراف باستمرار أثرها.


وقد كان النص أكثر إقناعًا حين جعل

حمّام الشط… حين احترق المكان وبقيت الذاكرة

في الأوّل من أكتوبر عام 1985، لم تكن النيران التي ابتلعت حمّام الشط مجرّد ألسنة لهبٍ تتصاعد نحو السماء، بل كانت صرخةً في وجه عالمٍ يتقن الصمت، وجرحًا في ذاكرة الإنسانية لا تطفئه السنون.

هناك، حيث تناثرت الحجارة تحت وطأة القصف، اختلط الدخان بوجع الأبرياء، وصارت السماء شاهدًا على مأساةٍ تجاوز صداها حدود المكان. سقطت جدران، وتهدّمت أحلام، لكنّ الذاكرة ظلّت واقفةً كأنّها تقول للتاريخ: قد تُدمَّر البيوت، لكنّ الحقّ لا يُدفن تحت الركام.

إنّ حمّام الشط ليست مجرّد تاريخٍ عابر في صفحات الماضي، بل درسٌ موجع في معنى العدالة، واختبارٌ لضمير العالم حين يصبح الإنسان ضحيّةً لصراعات لا ترحم.

سلامٌ على الأرواح التي غادرت تحت النار، ورحمةٌ على الأبرياء، وعلى ذاكرةٍ لا تنسى؛ فالأوطان قد تحمل ندوبها طويلًا، لكنّها لا تتخلّى عن حقّها في الحياة والكرامة.


تحيةً للشاعرة لطيفة، التي تعيد للحروف نبض الذاكرة، وتوقظ في أرواحنا وجع التاريخ؛ فبعض الأحداث لا ينبغي أن ننساها، لأنها حكايات ألمٍ تسكن وجدان الشعوب، وشواهد حقٍّ لا يمحوها الزمن. دمتِ صوتًا يوقظ الذاكرة، ويحمل الحرف بصدقٍ ووفاء. 


أ.د. فيصل لعبيدي

أكاديمي وناقد أدبي وشاعر/الجزائر


القصيدة

~~ حمام الشط.. حين يُزهر الألم ~~


على هُدب الحمام.. 

على شاطئك..

حيثُ يتّكئ الأزرق على بياض الياسمين

لا يزال الموج يحرسُ شاطئ الذاكرة

أربعون عام ونَيفٍ..

والدم لم يزل يحاور الحجر

يغزل من الفاجعة خيط ضوءٍ

هــًنــا..

حيثُ التقتِ الشّغاف بالتّغريبة

صار الألم مشتلا للسّنبلة

وصار الكفاح طقسًا يوميًا للحياة

في كفّ الصّفحة..

تتفتّح قصص النّجاح.. كزهر الرّمان

لا لتمحو النّدبة

بل لتقول للغيمة

الرّماد الذي بذرتموه في أجسادنا

أثمر غاباتِ أمل

نحن لا نؤرّخ للفقد

بـل نـكـتـب..

كيف يصير الجرح أفقًا

وكيف يَغدو صُمُودُ الرّوح

نشيدا يُربِكُ الموتَ.


بقلمي: لطيفة الشامخي/تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق