الأحد، 4 أكتوبر 2026

دُوري بقلم ماهر كمال خليل

 دُوري


دُوري،

ميلي نحو الأحضانِ ساعةً،

بلهفتكِ… وشوقي

وكسوري،

وأنا أُرهِفُ سمعي

حينما تتنهّدين.


وبجناحيَ المنتوفِ أطيرُ

على وقعِ حرفٍ مكتوبٍ،

مكبوتٍ،

يسري كي تصِلين.


وانسابي عطرًا فوق سطوري،

تتعطّرُ به حروفي،

فتُشمُّ قبلَ أن تُقرأ.


واكسري الأوزانَ والجذور،

وعقاربَ الساعةِ المتجمّدة،

وجميعَ شرودي.


وانثري القمحَ في أقاصي البقاع،


وسأكونُ في كلِّ محطّةٍ

تمرّين بها

واقفًا كسنبلةٍ،

لا أميل… ولا أنحني.


الشمسُ هنا مُحرِقة،

ليست شمسَنا،

فأسرعي إليها قبل الأفول،

لعلّكِ تأتين،

مِلءَ كفّيكِ

بدمعِ الراحلين،

لسنابلِنا وكَمَدِ الحروب.


خمسون عامًا وعام،

وخطايَ معلّقةٌ،

تبحثُ في حقول الياسمينِ

عن قدحةِ مقلتيكِ،

في أرضٍ لا تعرفُ اسمي،

عن ظلٍّ يُظلّلني،

وأنا عارٍ في ثوبي البالي،

أتلكّأُ عن الرحيل.


خمسون عامًا،

وأنا أُعلِّمُ الغربةَ اسمَكِ،

فتنطقُ الحاءَ هاءً،

فتفقدُ الحبيبةُ عذوبتَها في فمها.


فأنوحُ على حاءٍ ماتت في الطريق،

وميمٍ لا تجدُ شفتين تُطبقان عليها.


دُوري،

واجمعيني،

واجمعي أنفاسيَ المتفرّقةَ

من على الطرقات،

من حقيبتي،

وشفتيَّ،

وقلمي،

ودفتري.


ولا تحترقي بها؛

ففي كلِّ حرفٍ

بكاءُ ألفِ عام،

ووطنٌ انسلخَ عن الجسدِ الجميل،

ولا يزالُ ينسلخ.


علّمني الدانوبُ

أن المنبعَ يبقى في الغابة،

وإن جرى النهرُ نحو البحر.


وأدخلتني الغابةُ السوداءُ عتمتَها،

فعرفتُ أن الظلَّ

لا يكونُ ظلًّا

إلا إن كان ظلَّكِ.


وفي غوتنبرغ،

عند المرفأ القديم،

رأيتُ سفينةً من بين السفن،

مضيئةَ النوافذ،

تغادر.


ولم يكن على ظهرها أحد،

فعرفتُ أنها أنا.


تمرّد قلبي على الأوجاعِ لينجو،

فلم أعد أرى الندوبَ العميقة،

وأنا أركض،

أتلمّسُ من خلف السدود

وجهَكِ المستدير،

وشذى شعركِ المسدول.


ودحرجةُ الأرجوحةِ

التي منها ابتدأنا

ما زالت تدورُ في رحى صدري

بلا يدٍ تدفعها،

كنواعير بلادي،

بمائها العذبِ الرقيقِ ترويني،

وتبتسمُ كأنها تعرفني

في بلادِ الأنهار

المتجمّدةِ في الشتاء.


وحين تُفتقَدين،

يحلُّ المساءُ بصمته،

فتعاتبني حروفي

الباقيةُ في

حنجرةٍ لم تنطلق.


دُوري…


كما كنتِ،

وأنا،

أدورُ معكِ دومًا.


وإن لم تعودي،

فدُوري بي أنا،

بعيدًا.


فقد صرتُ

أرجوحةً

تدور…

فارغة،

ولا تنتهي.


ماهر كمال خليل

السويد / ترولهتان

٤/١٠/٢٠٢٦


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق