قصة حضارة بقلم أيمن حسن محمد
نهض أبو مجد من فراشه نشيطًا، توضأ وأقام صلاته، ثم اتجه إلى الحائط وأمسك بندقية جده. كانت من نوع «البرنو»، أو «أم الخمس» كما يسميها أهل القرية، لأن مخزنها يتسع لخمس طلقات. علّق على صدره شريط الخرطوش، وبدا كقائد ثورة ذاهب إلى الحرب.
نظر إلى وجهه في المرآة؛ كان الطفح قد أضفى على خديه حمرة، فهذّب شاربيه ورفعهما إلى الأعلى، حتى بدا وكأن نسرًا يقف عليهما.
كسر بصوته هدوء الفجر:
— هيا يا أم مجد! أشرف! هيا يا أولاد!
راح ينادي أبناءه فردًا فردًا:
— لقد تأخرنا اليوم! لا يجب أن نتأخر. اليوم يوم البشائر، يوم الفرح والسرور، يوم العطاء!
وكالعادة، عاتبته زوجته:
— الأولاد نائمون، وما زالت ساعة على شروق الشمس. إلى أين أنت ذاهب منذ الآن؟ ألا تخاف أن يخرج لك وحش من الأحراش وأنت ذاهب إلى الأرض؟
ابتسم أبو مجد، وأشار إلى بندقيته:
— وأم الخمس وهذه الخرطوشات، ماذا يفعلون؟ أنا ذاهب قبلكم، فلا تتأخروا.
ركب حماره، وبدأ يغني المواويل والعتابا، حتى كان يوقظ نصف أهل القرية، بينما كان النصف الآخر يجهز نفسه للذهاب إلى أراضيه.
كانت الكلاب تنبح عليه من كل جانب، وهو يحيّي المارين:
— الله يعطيك العافية يا أبو علي!
— ويا أبو محمد، اليوم سبقتك إلى قطف الزيتون!
كان صوته يصل إلى أذن زوجته، وكأن كل حركة يقوم بها تعيد إلى ذاكرته حكاية قديمة.
كان الطريق المؤدي إلى الأرض ضيقًا، بالكاد يتسع لشخصين يمشيان جنبًا إلى جنب. توقف أبو مجد عند أول شجرة زيتون، وأخذ ينظر إليها طويلًا.
قال كأنه يحدث نفسه:
— هنا... أبي جعل الأرض تنطق أبجديتها الأولى، ونقش حروفها في الصخر والطين.
مد يده إلى رأسه:
— وهنا جُرح أبي. كنت ابن عشر سنوات عندما رفع الفأس الثقيلة، فهوت على رأسه، وسال الدم على التراب. نظر إليّ يومها وابتسم.
انحنى أبو مجد، وأخذ حفنة من التراب. شمّها، ثم قبّلها.
— بقينا ثلاثين يومًا حتى انتهينا من زراعة هذه الأرض... رحمة الله عليك يا أبي.
مشى قليلًا، ثم جلس عند صخرة، وكأنه ينتظر أمه أن تأتيه بالإفطار: زيت وزعتر مع خبز الطابون، أو خبز بلدي، وقلاية بندورة مع البصل.
دخلت رائحة الطعام إلى أنفه، فتنهّد:
— الحمد لله.
وشعر، للحظة، أنه أكل وشبع.
رفع رأسه نحو شجرة قريبة.
كان أبو حسان يقف عليها، ذلك الرجل الطيب البسيط، صاحب الحكايات التي لا تنتهي. كان يحدثنا عن لبنان، وكيف وقعت ملكة جمال لبنان في غرامه، لكنه رفض الزواج منها!
وكان إذا رأى عشيقته سلمى، يصدح بصوته العذب:
«على دلعونا، على دلعونا
زيتون بلادي أجمل ما يكونا»
ضحك أبو مجد، ثم صرخ بأبنائه:
— هيا بسرعة! لقد تأخرنا. أشرقت الشمس! انظروا كيف يلمع الزيتون... سبحان تبارك الخلاق!
بدأت حبات الزيتون تتساقط على الفرش، وكأنها أغنية للبعث. كان صوتها يشبه صوت المطر حين يتساقط على لوح معدني.
مرت الساعات، وبدأ التعب يظهر على الوجوه.
تبسم أبو مجد، ثم رفع صوته بالغناء:
«عاليادي اليادي اليادي
يا قلوب متدارية
يا ما جرح الورد أيادي
وحنا الجناينية»
ثم تابع:
«يا ما شفنا في عيون حلوين
حكايات القلب المسكين
أولها ورد وياسمين
وآخرها انجرح الياسمين»
ثم يبدأ بالدلعونا.
لا أعلم ماذا كانت تفعل تلك الأهزوجة في القلوب. ما إن يسمعها أحدنا حتى يرددها. وأحيانًا، إذا سمعها شخص قريب من أرض أبي مجد، يترنم بها أيضًا، فيصبح كتف الجبل منصةً لموسيقى خالدة لا تُنسى.
استمر العمل حتى غياب الشمس.
وفي المساء، كان الأقارب يجتمعون، ولا حديث لهم إلا الزيتون:
كم قطفنا؟
ماذا فعل فلان؟
كم أعطتنا الشجرة؟
وكانت أخبار العشاق تتسلل إلى الحديث أيضًا:
فلانة عاشقة لفلان...
ثم يعود الحديث إلى الزيتون.
هكذا كان يمضي موسم القطاف؛ عملًا وحكايات، تعبًا وضحكًا، وذاكرةً تتناقلها الأجيال.
وبعد جمعة كاملة، انتهى القطاف.
جمع أبو مجد الزيتون، وحمله مع ابنه أشرف، ابن العشرين عامًا، إلى المعصرة.
تساقط الزيتون في الماء، وكأنه يريد أن يغسل عن جسده غبار الطبيعة، ثم أخذ يحدث أبا مجد عن شيء آخر.
كأنه يقول له:
— اسمع يا أبا مجد... اسمع كيف يُطحن جسدي، واسمع أنين العرجون. ولن يكتفوا بذلك؛ سيعجنونني، ثم يكبسونني بالمكبس، ولن آبه بكل هذا. ففي النهاية سيخرج الدهن مني، وستضعه على مائدتك، وكلما تذوقته قلت: اللهم صلِّ على محمد.
ثم صمت الزيتون لحظة، وكأن صوته جاء من أعماق المعصرة:
— يذهب الجسد يا أبا مجد... ويبقى الأثر.
جلس أبو مجد خلف الصنبور الذي سيخرج منه الزيت، وظل ينتظر.
كان يراقب أول خيط ذهبي ينساب أمام عينيه.
وحين خرج الزيت، ابتسم.
نظر إلى ابنه وقال:
— يا أشرف، يا بني... هذا زيت أبقراط وجالينوس، هذا زيت ابن سينا والرازي.
ثم صمت قليلًا.
أشار بإصبعه نحو الأرض، ثم نحو المكان الذي تشرق منه الشمس.
وقال:
— هذا الزيت يجب ألا يُنسى... وهذه الأرض يجب ألا تُنسى.
ظل أشرف ينظر إلى أبيه، بينما كان الزيت ينساب أمامهما كأنه ذاكرة الأرض نفسها.
وفي الخارج، كانت الشمس تشرق من جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق