الأحد، 18 ديسمبر 2022

حبل الوصال 16 بقلم الكاتب رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس

 حبل الوصال 16

في اليوم السّابع لموت والد زينب أقيمت الوليمة المنتظرة وحظر خلالها الكثير من الأقارب وعدد كبير من أصدقاء العائلة والمقرّبين منهم. سمح هذا اللّقاء للكثير من الحاضرين أن يجدّدوا علاقاتهم فيما بينهم ومع أقاربهم الّذين أبعدتهم عنهم ما سمّوه مشاغل الحياة. وسمحت للبعض الآخر أن يتعرّفوا على أناس يسمعون عنهم ولم تسمح لهم فرص سبقت بالالتقاء بهم. أحمد مثلا اسم اشتهر في تلك الأيّام وكلّ الّذين سمعوا عنه أرادوا معرفته عن قرب فلهم في التّعرّف عليه ومجالسته مآرب ستظهر بمجرّد ملاقاته وقد تمّ لهم ذلك، فما جدوى اللّقاء بأحمد يا ترى؟ هؤلاء النّاس منهم من عايش أبا أحمد ومنهم من كانت لوالده علاقة وطيدة به وأكثر من ذلك فمعضم الّذين يريدون التّعرف على أحمد بعدما علموا بحضوره الوليمة لهم صلة بما سلب منه فهم أيضا سلبت منهم أشياء ويرغبون في استردادها وسبيلهم إلى ذلك هو أحمد ..تجمّع المدعوّون و"المتطفّلون " حول طاولات وضع عليها ما لذّ وطاب فأهل الميّت يبتغونها صدقة وأجرا للمتوفّي وهكذا تكون " الذريّة الصّالحة" . أكل النّاس وشربوا .ثمّ وزّع عليهم شايا وقهوة حسب رغبة كلّ واحد منهم. بدأ حفظة القرآن في التّرتيل وذكر الله. واجتمعت النّسوة في مكان محاذيا لمجلس الرّجال. أحمد آنذاك كان مشتّتا بين استيراق النّظر إلى حيث جلست النّسوة علّه يفوز بالنّظر لزينب وبين اصطياده لفرصة يكون فيها المحامي منفردا أو قريبا منه. والمحامي كان يتنقّل بين النّاس يرحّب بهم ويشكرهم على مجيئهم في حين جلس أحد أخويه مع قارئي القرآن وبيده مصحفا ليقرأ فيه ثمّ إنّه لبس كما يلبس الأيمّة فظهرت عليه علامات الورع والتّقوى حتّى أنّ جبينه يحمل سامة هي علامة السّجود والإطالة فيه. أمّا الأخ الثّالث فقد جلس إلى جماعة ظهرت عليهم علامات الفخامة ويبدو أنّهم من أعيان القوم لذلك لم يبارحهم وكان يومئ برأسه ليقول أنّه موافق أو ربّما كان يقول "حاضر سيّدي". اغتنم أحمد فرصة اقتراب المحامي من مجلسه هو ووقف ليسلّم عليه فعانقه المحامي شاكرا إيّاه على قدومه ومعتذرا له على عدم دعوته بحكم أنّه لا يملك أيّا من معطياته الشّخصيّة عدى اسمه. فيردّ أحمد بأنّ له الشّرف ان يكون من بين من واساه في فقدانه لأبيه وحضوره اليوم هو من باب الواجب بين "الأصدقاء". كانت كلمة أصدقاء تكتيكيّة قصدها أحمد ليتقرّب أكثر من المحامي وحتّى يمهّد بها للدّخول في مواضيع ممكن للأصدقاء أن يتجاذبوها بدون حرج . جلس المحامي مع أحمد وأصدقائه ودار بينهم حديث عن احوالهم وشؤونهم العائليّة وكان ذلك من قبيل المجاملة والاعتراف بالجميل من طرف اخ زينب أمّا بالنّسبة لأحمد وأصدقائه فكان حديثهم معه من باب تقليص المسافات بينهم وبينه من جهة ومدخلا لمواضيع أخرى سوف يأتي موعدها ولعلاقة جديدة سترى النّور عمّا قريب أو ربّما قد بدأوا في بنائها منذ تلك اللّيلة. ثمّ قام المحامي ليجالس آخرين فهو كان يتنقّل ليرضي كلّ المدعوّين لكنّه قبل ذلك اتّفق مع أحمد وأصدقائه على أن يلتقوا من الغد في المقهى ومنها إلى مقرّ الجمعيّة حتّى يواصلوا حديثهم...
عندما غادر أحمد وأصدقاؤه منزل عائلة زينب ليلة اليوم السّابع لموت أبيها كان الوقت متأخّرا جدّا ولا يسمح لأحمد أن يعود لبيته عند ضفّة النّهر . لذلك استقبله أحد أصدقائه ليقضّي ليلته في منزله. استحسن أحمد الفكرة وذلك ليكون قريبا من موعده الّذي ضربه مع المحامي أخ زينب . قضّى اللّيلة بين الحلم واليقظة وخلال يقظته كان يخطّط لموعده فيسأل نفسه ويجيب ثمّ يصحّح سؤاله فيغيّر إجابته وفي حلمه كان يرى أنّه استلم بيته المسلوب وزينب أصبحت زوجته وهي معه في المنزل الجديد فيحدّثها وتحدّثه ويقرّران أمورا تخصّهما فتكتمل الفرحة بالنّجاح في الوصول إلى غايتهما . تواصل حلمه ويقظته حتّى بزوغ الفجر ، عند ذلك نهض أحمد فوجد صديقه في انتظاره ولعلّ ليلته لم تكن أحسن بكثير من أحمد فهو أيضا من الّذين يهمّهم لقاء المحامي. بعد أن تناولا ما قد أحضرته زوجة صاحب البيت والّتي حاولت جهدها إكرام ضيفها، خرج الصّديقان في اتّجاه المقهى حيث سيكون الموعد الأوّل. كان المكان عند وصول الصّديقين قد عمّرته فيروز بصوتها الصّباحيّ ووطأته أقدام المسافرين الّذين جاءوا لاحتساء قهوة قبل ركوب الحافلة أو سيّارة الأجرة وما عدا ذلك فأحمد وصديقه . ناولهما النّادل الّذي حفظ طلبهما ما يبغيان عادة، لكنّ أحمد وقف واستسمحه في دقيقة من وقته فلديه ما يقول له أو يطلب منه. والدّقيقة الّتي طلب، لم تكن إلاّ عبارة لطلب فسحة من الزّمن قد تطول أو تقصر حسب ما يقتضيه موضوع الحديث . بعد ذلك رجع أحمد إلى مقعده بجوار صديقه وواصل مجالسته ومحادثته. أمّا النّادل فقد طلب من زميله في المقهى أن يعوّضه إلى حين عودته فهو لن يغيب حسب قوله ثمّ نزع مئزره الأبيض وخرج مسرعا كأنّ طارئا حلّ به أو بمن يهمّه أمره فخرج ليحلّ المعظلة. في غياب النّادل جاء باقي أصدقاء أحمد فجلسوا وتحصّلوا على مشروباتهم من زميل النّادل الّذي كان هو أيضا يعرف رغبة كلّ واحد منهم. ثمّ جاء المحامي فقصد طاولة أحمد وجلس مع المجموعة وكأنّه واحد منهم وكان الحديث بينهم تلقائيّا وبدون تكلّف فهم الآن مقرّبون من بعضهم البعض وتجمعهم "قضيّة واحدة". دامت الحلقة وقتا ليس بالقصير ، بعدها استأذن المحامي وذكّر أصدقاءه بموعدهم به في مقرّ الجمعيّة مع منتصف النّهار حينها يكون قد أتمّ ما عليه في المحكمة. عاد النّادل إلى المقهى فتقابل مع المحامي عند الباب فسلّم عليه وكان كلّ منهما يحمل محفظة وتشابها حتّى في طريقة مسكها فكأنّ القدر يريد أن يعلم كليهما أنّهما أوكلت لهما نفس المهمّة وأنّ كلاّ منهما يديرها من موقعه وحسب قدراته. أو أنّ ما في حقيبتيهما شأن من الشّؤون الانسانيّة وعلى كلّ منهما أن يحمي ذلك الشأن حتّى تستمرّ حياة النّاس وتكتمل بذلك الشّأن. أو لعلّ هذا ما قاله النّادل فيما بينه وبين نفسه عندما وقف أمام المحامي وهو يحيّيه عند باب المقهى. عندما تفطّن أحمد إلى عودة النّادل وقف وتوجّه إليه ثمّ أخذ منه المحفظة وقبّله شاكرا إيّاه ولمعروفه لكنّ النّادل يردّ بافتخار واعتزاز قائلا :" إن لم أخدم صديقي وأبناء مدينتي الكرام فما جدوى حياتي"
رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق