الموتى في سلام... والمُوجَعون نحن الأحياء
في زحام هذه الحياة،نُخدَع أحيانا بأن الجروح تخضع لعقارب الساعة،وأن الألم مجرد نزلة برد موسمية تنقضي بانقضاء سببها.نعتقد أن الزمن كفيل بنسياننا،لكننا نكتشف مع الأيام أن الزمن قد ينسى الجروح السطحية،ويترك الجروح العميقة تنزف في صمت.هناك أحزان لا تمر،بل تقيم.تتخذ منا وطنا،وتسكن في تفاصيلنا كأنها الروح الثانية التي تتنفس بداخلنا بلا استئذان.
تسع سنوات.تسع سنوات ليست مجرد رقم في روزنامة العمر،بل هي عصور كاملة من الصمت والانهيار.كانت زلزالا لم يتوقف،هز أركان وجودي حتى تصدعت.فقدتُ ابني،ذاك الجزء المنتزع من روحي والذي يجعلني أستيقظ كل صباح على سؤال لا جواب له: لماذا يستيقظ هذا الجسد المتعب،بينما يرقد هناك،في ثرى الصمت،من كان للحياة روحا ونبضا؟! كان وجهه البشوش هو ضوء صباحي،وغيابه هو الظلمة التي لا تتبدد.
ثم كان الأصدقاء.أولئك الذين ظننتهم حصونا في زمن العواصف،انسحبوا بهدوء لا يليق بسنين العشرة.كان رحيلهم كالوباء الصامت،يتسلل في الظل،لا يُرى ولا يُسمع له وقع أقدام،ولكن الخواء الذي يخلفه وراءه يشبه المقابر الجماعية للذكريات الجميلة.وحين انهار البيت الذي بنيته حلما على مدى العمر،أدركت أن الطوب والحجر ليسا جمادا فحسب،بل يمكن أن يموتا مثلي تماما. يتحولان إلى أنقاض تهمس لك كل يوم أنك كنت يوماً هنا،وأنك الآن لم تعد.
وفي وسط هذا الخراب،يأتي السؤال الذي يتردد كالناقوس: "لماذا تبدو حزيناً..؟!".
حقاً؟! أأنا مدان بهذا الحزن؟ هل على المكلوم أن يرتدي قناع البهجة ليُرضي عيونا لا ترى ما وراء الجلد،وقلوبا لا تفقه أن الحزن ليس خيارا يُلبس ويُخلع،بل هو قدر يحل بنا كما يحل المطر بالتراب، فيبلله حتى الثمالة؟!
إن أكثر ما يوجعني ليس ذات الفقد،بل تلك النظرة الاستفهامية التي تستجوبني عن ألمي، وكأن الحزن وصمة عار يجب الاعتذار عنها،أو جريمة يجب محاكمتي عليها.الناس من حولي يريدونني مبتهجا كما كنت،يعيشون في قوقعة من الإنكار،يرفضون تصديق أن الحياة يمكن أن تنقلب رأساً على عقب،وأن القلب يمكن أن يموت ألف مرة في اليوم،بينما الجسد لا يزال يمشي ويتنفس ويتظاهر بأنه على قيد الحياة.
الحقيقة التي سقطت عليّ كالصخرة في قاع بئر، في هذه السنوات العجاف: أن الموت لا يوجع الموتى أبدا.الموتى انتهوا من الامتحان،وفازوا بالسلام الأبدي.لا يعرفون معنى الفراق،ولا يشعرون بلوعة الوحدة،ولا يتألمون من طعنات الأصدقاء ولا من انهيار البيوت على رؤوس أصحابها.الموتى في سلام تام.المُوجَعون حقا هم نحن،الأحياء الذين بقينا.نحن من ندفع فاتورة كل موت،وكل فراق،وكل انهيار.ندفعها كل صباح حين نفتح أعيننا على غياب لا يملؤه شيء.ندفعها كل مساء حين نخلد إلى فراش يلفه برد الوحدة. ندفعها في كل مناسبة نحتفل بها وكرسي أحدهم فارغ كثقب أسود يبتلع بهجتنا.ندفعها في كل أغنية كنا نغنيها معا،فتصير نشيدا للعذاب.ندفعها حين نبكي وحدنا في الليل،ونحن نعلم يقينا أن الصباح سيأتي حاملا نفس الوجع،ونفس الخواء، ونفس السؤال البكم.
إن أسوأ ما في الألم أنه شفاف،غير مرئي.لا يمكنك أن تعلقه على صدرك كوسام يفهم الناس من خلاله سبب شرودك وصمتك.الألم الحقيقي يبقى محكوما عليه بالاختباء خلف ابتسامة مصطنعة، خلف جملة "أنا بخير" التي نرددها حتى نخدع أنفسنا قبل أن نخدع الآخرين.ويبقى الألم كالغريق تحت سطح الماء،لا يراه أحد،بينما هو يصرخ بأعلى صوته.
لست بحاجة إلى أحد يصطنع الفرح من أجلي،ولا إلى من يتظاهر بالحزن أيضا.كل ما أرجوه هو مساحة صغيرة من الفهم.كل ما أطلبه هو أن يعلم من حولي أن للحزن مكانته المقدسة،وأنه ليس عيبا أن نعترف بأن الحياة أحيانا توجعنا أكثر مما تطيق قلوبنا الواهنة.ليس عيباً أن نبكي من فقدنا، وأن نغضب من تخلوا عنا،وأن ننهار تماما حين يخوننا من ظننا أنهم السند والعضد.
فالحياة ليست وردية كما في أغاني الصباح، والحزن ليس وشاحا نرتديه في المناسبات.الحزن-يا رفاق-جزء من نسيجنا،جزء من إنسانيتنا،وهو الثمن الباهظ الذي ندفعه مقابل قدرتنا على الحب العميق.فمن لا يحب بعمق،لا يقدر على حزن عميق.فلا تطلبوا منا أن نكون أقوياء دائما،ولا أن نبتسم كأن شيئا لم يكن. امنحونا مساحتنا لِنحزن،وامنحوا جراحنا وقتها كي تلتئم،أو كي تتعلم على الأقل كيف تتنفس مع الألم.
وإن سألتمونا يوما عن سبب حزننا،فلا تبحثوا عن الجواب في الكلمات التي نقولها.انظروا في أعيننا، هناك سترونه.إنه مكتوب على وجوهنا بحبر الدموع الذي جف،وبخطوط الألم التي حفرت ملامحنا.إنه ليس جوابا يُنطق،بل قلب نازف لا يزال يتعلم في صمت كيف ينبض رغم كل هذا الخراب.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق