الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي:
حين تكتب المرأة بمداد الروح..قراءة في أنثولوجيا الانتظار والخلاص..
-أحست بقطرة مطر باردة تسقط على كتفها.قطرة واحدة.من أين أتت؟! ربما من سحابة عابرة فوق الخليج،أو ربما من ندى صباحي على ورق تين في حديقة جدتها بتونس..ثم انهمر الغيث..غيث الكتابة بمداد الروح..( الكاتب)
تكتب الشاعرة والكاتب التونسية القديرة جميلة عبسي قصتها القصيرة كما تكتب قصيدتها،بمداد الروح لا الحبر.فالنصّ،رغم نثريّته،يظلّ قصيدة نثر طويلة،تتكئ على إيقاع داخلي،وصور متوالدة،ولغة شفيفة تتوسّط بين الحلم والواقع.إنها تكتب من دبي،عبر ضفاف الخليج، لتعيد إلينا صوت تونس امرأة شاعرةً تتأمل جرحها النائي.
تبدأ القصة بمشهد بالغ الحساسية: "العاشرة صباحاً..وما زال الليل هنا".هذا التناقض الصارخ بين الزمن الخارجي (صباح اليوم العادي) والزمن الداخلي (ليل الروح) هو المفتاح الأول لقراءة النص.البطلة تعيش في نهار الغربة،لكنّ ليلها الداخلي لا يزول.إنها تصنع طقوسها الخاصة في مواجهة هذا الفراغ: تُعدّ كعكة صغيرة،وتشعل الشموع،وكأنها تُقيم عزاء مؤجلا لحبّ غائب،أو قداسا شخصيا لعيد حبّ لن يأتيها إلا عبر خيالها.
هناك عبقرية في تصوير "الانتظار النسوي" هنا. فالمرأة لا تنتظر الحبيب فحسب،بل تنتظر نفسها أيضا.هي تبحث عن ذاتها أمام المرآة: "هل بدأت الغربة تنسج ملامحها على جمالي؟".
المرآة ليست أداة للتزيّن فحسب،بل هي حَكَمٌ وجودي.التزيّن هنا (البودرة،الحمرة،الكحل) هو طقس استحضار للذات الغائبة،أو للذات التي يريدها الحبيب أن تكون.لكن الكحل يتحول إلى دموع سوداء تغرورق بها العينان،في مشهد يدمج بين الزينة والحزن،بين الرغبة في الظهور بمظهر جميل،وبين حقيقة الانكسار الداخلي.
الراقصة في النص لا ترقص لآخر،بل ترقص لذاتها، أو ترقص "كما لو أن الحب يسمعني".الرقص هنا هو صلاة صوفية،وانعتاق من ثقل الجسد ومن ثقل الواقع.تصبح البطلة طائرا،وتصبح راقصة باليه خفيفة،وترى نفسها كسيقان البجع.هذا الانتقال من امرأة عادية إلى كائن أسطوري هو ما تصنعه الموسيقى في روح الشاعرة.إنها لحظة خَلاص وهمي،لكنه ضروري للبقاء.
ثم يأتي الخرق الجميل: رنّ الهاتف.العاشرة صباحا. المنبّه يُلح كواقع لا يرحم.هذا الصحو القاسي هو الموت الصغير للحلم.تعود إلى سريرها،تبحث عن أثر يثبت أن ما عاشته كان حقيقيا.وهنا تكمن المفارقة:هي تبحث عن أثر مادي لحلم،وكأن الحلم يحتاج إلى دليل! ثم تهتز الشاشة مرة أخرى: "عيد حب سعيد..أنا قريب.لا تبتعدي".
هذه الرسالة هي نقطة التحوّل،وهي أيضا مصدر الإرباك الأعمق.فهل هذه الرسالة حقيقة أم هي استمرار للحلم؟ إنها تأتي في اللحظة التي استسلمت فيها للاستيقاظ.
الجملة الختامية: "ما زلتُ أترنّح على حافة الضوءِ"،هي تلخيص رائع لحالة اللايقين التي تعيشها.هي لا تعرف إن كانت في النور أم في الظل،في الحلم أم في اليقظة،في ليل دبي أم في ليل تونس التحرير..؟!
وهكذا،تمضي الأستاذة جميلة عبسي بالكتابة حيث لا يستطيع الجسد أن يمضي،تقيم للغة مملكة في اللامكان،وتجعل من دبي مرآة لتونس،ومن تونس جرحا يُرى من الخليج.إنها لا تكتب لتخبرنا قصة امرأة تنتظر،بل لترينا كيف أن الانتظار ذاته يمكن أن يكون فعلا وجوديا،والرقص صلاة،والكحل دمعا،والهاتف نبيا يحمل وعدا لا ندري إن كان حقيقيا أم مجرد صدى للحلم.
تحية إجلال لهذه الشاعرة الكبيرة التي تسكن النثر كما تسكن الروح الجسد،برشاقة وحيرة وجمال لا يُشبهه إلا جمال من يكتبون بدمهم لا بحبرهم. جميلة عبسي،التي جعلت من الغربة وطنا للكتابة، ومن الكتابة وطنا للخلاص.
في المشهد الثقافي التونسي والعربي،هي ليست مجرد اسم يُذكر،بل حالة تُعاش،وصوت لا يشبهه إلا صوت تونس العميقة،الحالمة،المقيمة في قلب القادمين في موكب الآتي الجليل..
وهكذا،تظل جميلة عبسي شاهدة على عصرها، تكتب من-منفاها الاختياري-في دبي لتُضيء دروب تونس الحالمة.إنها لا تكتب القصة ولا القصيدة فحسب،بل تكتب "كينونتها" التي تتشظّى بين ضفتين: ضفة الذاكرة وضفة الحلم، ضفة الانتظار وضفة الرقص،ضفة الكحل الذي يتحول دمعا،وضفة الضوء الذي نترنّح على حافته. هي التي حوّلت الغربة إلى مملكة للغة،والمرآة إلى حَكَم وجودي،والهاتف إلى نبيّ يحمل وعدا لا يُدرى أحقيقة هو أم صدى لحلم.!
تقيم جميلة للكتابة وطنا لا تعترف فيه الجدران، ولا تخفت فيه الأصوات.في زمن تغرّب فيه الجسد،تثبت هي أن الروح قادرة على اختراق المسافات،وأن المرأة حين تكتب بمداد روحها، يصبح قلمها هو الراقصة،ورقصها هو الصلاة، وصلاتها هي الثورة الهادئة على النسيان.
في المشهد الثقافي العربي-كما أشرت-،تبقى جميلة عبسي"جرحا يُرى من الخليج"،لكنه جرح نوراني،يضيء لتونس طريق العودة إلى ذاتها،ويذكرنا جميعا أن أجمل ما في الغربة أنها تعلّمنا كيف نحمل أوطاننا في داخلنا،وكيف نكتب من اللامكان مكانا يليق بانتظارنا الجميل..
محمد المحسن
العاشرة صباحا..وما زال الليل هنا
(قصة قصيرة بمناسبة عيد الحب)
أعددتُ للغربة كعكة صغيرة،وأشعلتُ الشموع كأنّها نجوم بيت بعيد.
راح الضوء يتراقص على الحائط الأبيض، يلامس أطراف فستاني في كل حركة من جسدي.
بدوتُ كدمية شاردة،بشعر منفلت وعيون تكتب الحنين، والريح الباردة تداعب وجهي برفق،كأنّها تهمس:"قد يحدث ما لم تتخيّلينه.."!
تركت شعري على طبيعته،كما يحبّ أن يراه،
وسمحتُ للخيالات أن تراقص أمنيّاتي.
أردتُ هذا العام مختلفا،مفعما بالمفاجآت التي تشعل الحواس.
لم يعطني الخمسين دينارا،فقررت أن أصنع العيد وحدي،أن أجعل اللّيلة وعدا صغيرا لا يعرفه أحد سواي. وقفتُ أمام المرآة.تأملت وجهي :
هل بدأت الغربة تنسج ملامحها على جمالي؟
مسحةُ بودرة،لمسةُ حمرة،ثم الكحل..
سحبتُه مرّة،ثم أخرى،حتى اغرورقت عيناي.
وحين فتحتهما،رأيتُ عيونا مكتحلة بالحزن والانتظار،لكنها تلمع بالعسل،بخُضرة الأشجار،
وبشغف يؤجّل نفسه.وضعتُ أحمر الشفاه.هو يحبّ شفاهي حين تكتنز بالحياة،حين أقترب...
وحين أهدّئه كأنني أطمئن قلبَ محارب عاد من معركة بعيدة.
تتأملني عاشقة،تعدّ خُطى المارّين على إيقاع الانتظار، وتبني قصورا من الإحاءات ستُشكّل قصةَ الليلة.تلك الموسيقى الصاخبة..كلما علت نوتةُ البيانو هزّت كياني،ورفعتني إلى صلاة صوفيّة.فتحتُ يديّ نحو الأفق،ومشيتُ على أطراف نشوتي كراقصة باليه.أدور..أدور..حتى ينسى الجسد ثقله، ويصبح الفستان جناحين يرفرفان معي..الهواء يلتفّ حول خصري،والضوءُ يُلامسني بخفّة،فأرى سيقانَ البجع تستحمّ في اللمعان،بيضاء، هادئة، تعرفُ سرّ هذا الانعتاق.
ذبتُ بين الإيقاع والدوران، تلاشت الحدود،
وصار الوقت دائرة واسعة أركضُ فيها بلا خوف.
ابتسمتُ،لأنني أخيرا...أرقصُ كما لو أن الحبّ يسمعني.
رنّ الهاتف.العاشرة صباحا.المنبّه يُلحّ كواقع لا
يرحم.
أطفأتُه،وجلستُ على حافة السرير،أبحث عن أثر واحد يثبت أن ما عشته كان حلما.
اهتزّ الهاتف مرة أخرى..تردّدتُ،ثم فتحت الرسالة :
" عيد حبّ سعيد..أنا قريب.لا تبتعدي."
بقيت الشاشة مضاءة في يدي،وبقي قلبي خارج الزمن.لم أبتسم،ولم أبك.نظرتُ إلى الساعة،
ثم إلى الرسالة.وأدركتُ أن الليل لم يكن زمنا..
بل حالة.
ومنذ تلك اللحظه،لم أعد أعرف : هل استيقظت فعلا ؟ أم أنّ الحلم هو الذي قرّر أن يعيشني؟.
بين الحقيقة والحلم...
ما زلتُ أترنّح على حافة الضوءِ.
جميلة عبسي
دبي 14 فيفري 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق