السبت، 14 فبراير 2026

خلطة من وحي التأملات – أفكار متمردة بقلم الكاتبة هالة بن عامر – تونس 🇹🇳

 خلطة من وحي التأملات – أفكار متمردة

لم أعترف يومًا بالوقت، ولا بحركة العقارب التي تحكمها بطارية متوفاة دون سابق إنذار. أدرك أنّها ساعات وهمية.

لا يزعجني أن أحمل ساعة معطلة بقدر ما يزعجني السؤال عن الوقت في لحظة يتداول فيها الليل والنهار، لا يفرق بينهما سوى بداهة الألوان.


في الحقيقة، أنا لا أستند إلا على بداهة المعرفة، ولا أحكم إلا بما يرفضه عقلي.


 صغيرة هي قناعاتي، مزالت تطفو على سطح أفكاري.

لا أدري… هل سبق لي أن تجاوزتها هذه الأخيرة قبل أن أتخذ أي قرار، أم أنّي كنت أتجاوز عقلي وما وراءه؟


يومًا سيسعفني جرّاح مختص لأدرك مكامن نقاط الاستفهام التي تهاجمني، تلاحقني، تلازمني، وتسيطر على أفكاري.


كان جزءًا من الأشياء التي أحتفظ بها في خزانتي، ولم يحن بعد الوقت الافتراضي لاستعماله أو اللجوء إلى أفكاري نحوه، كمظهر من مظاهر التعالي.


الوحيد من بين جميع أشيائي القديمة من يشعرني بأنّي أنتمي إلى أصحاب تلك الفئة، التي رغم أنها تشكو عمى الألوان، كانت ماهرة في التفريق بين "الأبيض والأسود والأحمر والأصفر"، كأنها وضعت أسس الطبقية لتسمح لنفسها بالتصنيف والقمع والتمجيد: هذا مستحب، وذاك نكرة؛ هذا من الأعيان، والباقي عبيد.


تلك الفئة التي ليس بحوزتها سوى مظاهر خادعة تضحك بها على واقع حالها، تظنّ أنّها ما إن شربت في كؤوس من الكريستال وسط موائدها الفقيرة، حتى تصبح من الأعيان.


كأس من الكريستال أنيق شفاف حان موعد استعماله، لا كمظهر من مظاهر التفاخر، ولكن هكذا أمرني عقلي وأوهمني أنّ الوقت قد حان.


وضعته على طاولة مستديرة خشبية مهترئة، هرمة، عبثت بها  الشقوق والعيون الغارقة على سطحها كتجاعيد وجه عجوز في زمن غائر. وعلى جوانبها ورقة صفراء بلا حياة، كانت لتنبت لو لا تغير وضعها. 

أتعجب من عدم سقوطها، ما زالت متشبثة بالبقاء، تميل إلى الإخضرار أو هيأ لها، أظنّها في غيبوبة دائمة منذ أن أضحت جزءًا من أثاث بال جامد، وما زالت قيد الانتظار.


داكن لونها، عتيقة السلالة، كأنها تنتمي لأشجار الزيتون. لا يعرف لها أصلاً أو بلدًا، لا تظهر عليها مظاهر الثراء أو الأناقة. طاولة أكل عليها الدهر حتى الثمالة، قد أشرفت على الاستسلام كأنها تستعد للانتحار.


مشققة السطح، طويلة السقان، عرجاء، لا تقوى على التوازن إلا مستندة على أفكاري…

 اعتادت على دموعي، تسقى بها وتبللها كرشفة من مرار تقتات من الألم، ربما هي دموعي من كانت تبقيها على شاكلتها.


طاولة اجتازت كل الأجيال، تحمل في جوف تشققات خشبها جميع الأسرار، توارثتها أفكار، وتبنَّتها حكاوي، كتب فوقها ترهات، ارتسم من على جوانبها ضحكات بشفاه مشققة.


غُرس فيها مسامير لا تحصى ولا تعد، لم يحترم أحد سنها، لم يرحموا كبرها، حتى أنّك تظن أنّه كُتب عليها العيش بعد موتها. تراها مستندة على لا شيء، تستجدي الموت الرحيم، كم هي بحاجة إلى قسط من الراحة بعد عناء تحملته مرغمة لسنين.

أمام أفكار عاتية اجتاحت كل أركاني، استحوذت على رزانتي وعبثت باتزاني، تلاشت البسمة وملامحي شاخت قبل الأوان.


أمسكت جميع الأوجاع وتلك الآلام التي تعربد في مفاصل زمني، بعد أن جمعت حروفًا مسمومة من بين مذكراتي، وطحنت تلك السطور الباكية، أضفت لها رذاذًا من تجارب فاشلة وأخرى ناجحة أو قد هيأت إليّ، وسكبت عليهم دموع الليل الطويل وحكاوي النفوس الثلاثة وبعض العهود والوعود الكاذبة، بعدما اتسمت جميعها بالخذلان.

في خلاط كهرمائي، كهربائي، كهرهوائي، خيالي… من صنع لحظات التمرّد على زمن انتحرت فيه اضغاث الأحلام لتصبح الكوابيس عنوان النوم وطريقًا للنعاس المفتعل بعد عناء.


من رحم زخم الأفكار الجهنمية الخارجة عن نطاق الواقعية، ضُنكِي هي كل تلك الأفكار الممنطقة، المتملقة، الممنهجة، السقطة. من قال ومن جزم أنها كذلك؟ أشك أنّها لم تكن إلا ردّة فعل لسرب من العجز، إنصياع لغرور الادعاء بالمعرفة.


ببصمة من شفاهي على زرّ واه، أخذت قراري، ضغطت على الجرح الدموي، أوقفت نزيف الأفكار التي تؤدي أغلبها إلى محطة: أين الذاهب أكثر من القادم؟ أين التيه عنوان؟ والسّراب مقام؟ الوهم سكينة وترياق اطمئنان…


ترهات يجب أن يكون لها دور غير ما هي عليه، قد تفيد أكثر لو جعلت منها محكية للأطفال أو نكتة للتسلية والسخرية، لا عبرة ولا سجل يؤرخ أفعالها والغدر ممزوج بها ومنها…


ها أنا أضيّع بوصلة الكلام، أستند إلى واقع أصبحت فيه، أهاجم واقعي والخيال، أعود لأفكاري الجهنمية ووساوس حروف لازمتني حتى صارت تكتبني بلغة جهنمية، وتكتبني أفكارًا مشوشة وترهات سيدة خرفة…


أخذت خلطتي العجيبة، وهي لا تزال في ثورة بعد أن أصبحت ككتلة من عجين، يشبه الطين… لا حياة تنادي، ولا حركة تثير السؤال، امتزج الكل كترياق ساحرة على متن التعاويذ والتمتمات، تبحر وتسافر، تغرق، تموت ومن ثم تعود حية-ميتة، لا نبض يؤرق، ولا عقل يزاحم.


أخذت كل المزيج وصنعت منه حلوياتي المعجنة، بسكويتة صارت المفضلة، حلويات بمذاقها المر دون سكر، دون عسل، بأشكال لا تخضع لقوانين الهندسة، مائلة، معوجّة، داكنة السطح، يتوسطها لون أحمر…

أحمر شفاه، دم متجمد… لقد تشابهت الألوان القريبة من الحمم، ربما ليس أحمر، ربما هو الأسود في خجل، بمذاق اعتدت عليه وأنا أسقى بيد الزمن الغدار الذي عبث بجميع أحلامي، سكن شهادة ميلادي، دون مخططاتي، احتل التاريخ، وأقام حفل خاتمتي، رقص على حروف اسمي وعزف عليها معزوفة الانتقام والتشفي، أتلف جميع الأرقام حتى فقدت البصيرة، ما عدت أعقل أشيائي، فقدت التمييز بينها وبين الأشياء الغريبة عني.


لا عجب أنّه يتمتع بنفس الرائحة، رائحة غرفتي المظلمة والجدران الخضراء التي ما إن تدقق فيها تحسب أنّه قد نبتت عليها عشبة طفيلية، لا زهرة مرسومة، ولا أوراق تتدلى، لا حياة تسكن مقبرة. متى سكن النور وسط العتمة؟ فقط خزانة هرمة وسرير يشكو علّة مزمنة ومخدة ترثي الذكريات، تعتصر من شدة العرق، تتأوه من حكاوي الليل والأحداث التي أغرقتها في مستنقع الفشل، لتجبرها على التذكر وهي لا تقوى على الاستغاثة أو التذمر، منصاعة للقدر.

وضعت البسكويت على الطاولة، وأمسكت بالكأس الكريستالي، وتمعنت فيهما… وأنا أسمع أنين ما تبقى من شكاوي مرهقة، وقررت أن أغمس… أن أغرق… أن أذيب ما صنعت عنوة ونكالة في الكأس…


تفطنت أنّ الكأس فارغ، تمعنت فيه كيف لي أن أغمس و أغرق خلطتي بحركة سريعة دون إرادة مني. مالَت الطاولة، وهي من كانت تستند على أفكاري، وقررت أخيرًا أن تجتاز كل عراقيل الموت، استسلمت بعد عناء طال كلّها… سقطت دون حراك، مجموعة من الخشب القديم البالي أضحت… غدًا ستكون على شرف المحرقة، سوف تتطاير الحمم، لن يتبقى منها إلا حفنة من الرماد، كأنها لم تعش أبدًا.


تهشّم الكأس، البسكويت… خلطتي أضحت ترابًا منسيًا، اختلطا مع بقايا الخشب الهرم، امتزجا، ما عدت أميز بين الطاولة وبين الزجاج الكريستالي وخلطتي العجيبة.


أدركت أنّ تلك الخلطة ما زالت تسكنني، تلازمني. ومن انتحر ليس إلا اعتقاد واهٍ بأنّي قادرة على السيطرة وأخذ القرار، والخشب زماني، والكأس قدر أحلامي.


ألقيت بكلي على أنين السرير، وضعت رأسي المثقل بالأفكار على مخدة هي الأخرى تشكو وتستجدي، استسلمت لنوم عميق لعلي أستفيق بعدها، وأدرك أنّه لم يكن إلا حلمًا عميقًا نال مني، أو قد أحظى بكوابيس تحملني حيث لا منطق ولا واقع، غير ما يدور بيني وبين جدران غرفتي وكل أشيائي الناطقة من حولي.


من غيري يشارك معاناتي، وأنا التي أتصارع ووحدتي بين المفردات والطلاسم، أعيش مأسورة بين جهنمية الأفكار وكل ما يجعل مني مختلفة، لا أشبه غيري.


ربما أنا القادمة من زمن آخر، وحروفي مصفوفة تاهت في فضاء مفترض لتعرّج على سطوري، سكنت عقلي، أصابتني بمسّ وجنون…

كم أتعطش إلى رحلة مجهولة الهوية والعنوان، أتوق إلى سفرة وأنا فخورة بالاختلاف، متقبلة هذا المسّ كأنه سمة متفردة لا عاهة تخجلني وأفكاري.


 بقلم هالة بن عامر – تونس 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق