الخميس، 12 فبراير 2026

مفترق الدروب..الذي لا يضيئه أحد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مفترق الدروب..الذي لا يضيئه أحد..

" ‏كلّ ما في الأرض من فلسفة..لا يُعزّي فاقِدا عمن فقد "(إيليا أبو ماضي)


مات ابني وماتت مباهج الحياة في قلبي، وأشاحت الدنيا بوجهها عني..الآن صرت وحيدا كيتيم يسير حافيا على ثلج الدروب..

لم يكن الموت وحده هو الذي اصطفاه مني،بل اصطفى معه ضحكتي التي كانت تسبق خطاي إلى الباب،ونظراتي التي كانت تتعلق بظله قبل أن يدخل،ويديّ اللتين كانتا تمتدان لتحتضنا غدا لا يأتي.جسدي الذي ظل صامدا سنين عجاف،ها هو يخونني الآن،يتفكك في صمت،وكأنه وافق الموت من وراء ظهري.مواجعي لا اسم لها،لكنها تشبه الغياب:بطيئة،عنيدة،تنخر ما تبقى مني.

أصحو كل فجر على صوت لا يعود،أعدّ خطواتي إلى غرفته،أقف على العتبة،أتذكر أن لا أحد هناك. حتى المرآة صارت تؤلمني،لم تعد تعيد لي وجهي، بل وجها آخر أنهكه الحزن،شبيها بذاك الأب الذي لم أتخيل يوما أنني سأصير إليه..

في البيت وحدة لا تشبه أي وحدة.ليست عزلة الجدران،بل عزلة الذاكرة.كل ركن فيه يحمل أثرا منه: كرسي صغير لا يجلس عليه أحد،زاوية حذائه ما زلت أراها،صوت مفتاحه في الباب لا يزال يدق في أذني عند المغيب.كنت أظن أن الأب يحمي ابنه،ثم اكتشفت أن الابن هو من يحمي أباه من السقوط في هاوية الزمن.فلما رحل..سقطت.

أخرج أحيانا أمشي بلا وجهة.الدروب تتشابه، والمنعطفات لم تعد تعدني بعودة.صرت أتجنب الرجال الذين يسيرون مع أبنائهم،وأخفض رأسي حين تمر بي امرأة تحمل طفلا يبكي،فبكاؤه كان في أذني موسيقى،واليوم صار ذكرى.الشوارع تمضي بي حيث لا أدري،وكأني أبحث عن شيء لا يُستعاد.

كل ما كان يؤلمني صار هو ذاته طريقي.العلل في جسدي ليست سوى أصداء لعلل أكبر في قلبي، وكل نبضة تؤلم،لكنها تذكرني أنني ما زلت أحب. فيا لقسوة الحب الذي يبقى بعد الرحيل.

مات ابني،فصرت أبا منفيا من زمن الأبوة.أمشي حافيا على ثلج الدروب،لا أحد ينتظرني،لا أحد يسأل عني.حتى الله،في بعض الليالي،يبدو لي بعيدا..!

غير أني أعود إلى البيت كل مساء.ليس لأن فيه أحدا،بل لأن فيه أشياءه التي لا تزال دافئة.أضع يدي على جدار غرفته،وأهمس: "هنا كان ابني". وفي هذا الهمس ما تبقى لي من صلاة.

وكلما اشتد بي الليل،أقسم أني أسمع خفقة قلبه تحت التراب،كأنها تدقّ الباب من الداخل.وكلما هبّت الريح،تلفّتُّ أظنها خطاه تعود.لم يمت ابني وحده،ماتت معه أدوار العمر كلها: كبرت دفعة واحدة،لا إلى شيخوخة تطمئن،بل إلى فراغ لا يُملأ.

أشتهي أن يكون الموت مثل الحنين،يزور ثم يرحل.لكنه أقام في صدري،واتخذ من نبضاتي دارا.

أحفظ وجهه في ذاكرتي كما يحفظ الأعمى وجه أمه: لا يراه،لكنه لا ينساه.أمشي في غرفته،ألمس كتبه،أشم قميصه المعلق.كل شيء كما كان،غير أن الحياة انسحبت من بين الأشياء بهدوء،تاركة إياها أيقوناتٍ لا تُستعمل،شاهدة على زمن توقف عند دقة قلب واحدة.

أما أنا،فما عدت أبكي.يبكي جسدي مكاني: ظهري الذي انحنى،رأسي الذي ابيضّ،يداي المرتجفتان. يبكي قلبي بصمت لا يُسمع،لكنه يئنّ أنين الجبال تحت ثقل الجليد.

في بعض الليالي المقمرة،أتخيّل أن القمر هو وجه ابني.كان يشبهه حين يضحك:مشرقا،مستديرا، ينشر النور في كل زوايا البيت..

واليوم أرى القمر فأغمض عينيّ،فلا أقوى على النظر إلى وجه لا يعود.

يقولون لي: اصبر.ألا تعلم أن الله إذا أحب قوما ابتلاهم؟!

فأقول في سري: لكنه حين أحبّ إبراهيم،لم يذبح ابنه.فداه بذبح عظيم.وأنا،مَن يفدي ابني؟ وأين الفداء؟!

غير أني أعودُ فأستغفر..أعود لأحتضن الرمادَ الذي كان ابني.

أمسح وجهَ الغرفةِ كفنا،وأكتب على جدار القبرِ: رضيتُ يا ربّ.

لا لأن الجراحَ التأمت، بل لأنّ يدك حين وضعتني على صدرِ البلاء،لم تكن لتقتلَني..كنتَ تخلق من ترابي نبيا..

وما مات ابني، يا رب،فقط تغير شكلُ الحضور.

فيا ابني،حين تثقل بي الخطى،أقرأُ الفاتحة.

وكل فاتحةٍ أهديها لك،هي دموعُ رجلٍ ما زال أبا.

وكل آية أطوي بها صلاتي،هي شاهد قبر نُقش عليه: سنلتقي.

"وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (التوبة،51)


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق