الخميس، 12 فبراير 2026

احلام بدون لون... بقلم: حميد النكادي...

 احلام بدون لون...

بقلم: حميد النكادي...


تَقذفكَ الأمواجُ من شطٍّ لشطّ

تَمخرُ عُبابَ الحياةِ

كَغريبٍ لم تعترف بهِ الدنيا قطّ...

​أنهكتكَ الحقائبُ ومحطاتُ الرحيل

تطاردُ حلماً صِيغَ من صمتِ الليل

مَداهُ أفقٌ مشتتٌ.. لا طريقَ لهُ ولا سبيل.

​دخانُ السيجارةِ الذي يواسي حُزنَ عينيكَ

تُشتتُهُ الريحُ.. مَصيرُهُ مَصيرُ حُلمِك

وبخارُ قهوتكَ يُعلنُ عن غليانِ البركانِ الكامنِ فيك.

​ثمةَ شيءٌ يوحي بأنَّ الثورةَ

بدأت تَتراءى من حُمرةِ عينيك

وأنَّ سيفَ القهرِ استُلَّ من غمدِهِ

الذي تحملهُ بين  يديك.

اما آن الروح  ان  تغتسل،وتطهر مافيك؟

ها هي السماء استجابت لأمانيك

والمطر يهطل امام قدميك 

توضأ و امسح  عينيك 

لتزيل القشة  لتكشف النور المختبئ فيك ...

فرنسا 10/02/2026


الشاعر حميد النكادي،

سأقدّم لك قراءة بلاغية دقيقة تُضيء أدواتك الفنية: الصورة، الاستعارة، الكناية، الطباق، الإيقاع، والتحوّل الدلالي داخل النص.

أولًا: الصورة البلاغية الكبرى (الاستعارة الممتدة)

القصيدة قائمة على استعارة كبرى:

الحياة = بحر

الذات = جسد/سفينة/غريب

"تقذفك الأمواج من شطّ لشطّ"

هذه استعارة مكنية؛ حُذف المشبّه به (البحر بوصفه قدرًا قاسيًا) وأُبقيت صفته (القذف).

الفعل "تقذفك" يحمل عنفًا، ويؤسس لمجال دلالي من الاضطراب.

"تمخر عباب الحياة"

الحياة هنا بحرٌ صريح. الصورة تتحول من ذات مقذوفة إلى ذات مقاومة تمخر.

هذا الانتقال البلاغي مهم: من سلبية إلى محاولة فاعلية.

ثانيًا: الكناية ودلالات الغربة

"كغريبٍ لم تعترف به الدنيا قطّ"

هنا كناية عن:

انعدام الانتماء

فقدان الاعتراف

القطيعة الوجودية

لفظة "قطّ" تضيف تأكيدًا زمنيًا مطلقًا، يعمّق الشعور بالعزلة.

ثالثًا: الرمزية اليومية (الاستعارة الجزئية)

1. دخان السيجارة

"دخان السيجارة الذي يواسي حزن عينيك"

الدخان يُجسَّد ككائن يواسي → استعارة مكنية.

ثم:

"تشتته الريح.. مصيره مصير حلمك"

هنا تشبيه ضمني قائم على التوازي: دخان = حلم

كلاهما هش، سريع التلاشي.

بلاغيًا هذا يسمى موازاة تصويرية (parallel imagery)، حيث تُبنى صورتان متقابلتان لتكثيف المعنى.

2. بخار القهوة

"بخار قهوتك يعلن عن غليان البركان الكامن فيك"

صورة مركبة:

بخار القهوة = علامة سطحية

البركان = طاقة غضب دفينة

هذه استعارة تصاعدية تنتقل من شيء يومي بسيط إلى قوة جيولوجية مدمرة.

الانتقال المفاجئ بين القهوة والبركان يمنح الصورة توترًا دراميًا قويًا.

رابعًا: اللون كحامل بلاغي

العنوان: أحلام بدون لون

ثم داخل النص:

حمرة العين

النور المختبئ

السماء

المطر

هناك حقل لوني كامل يتحرك من: اللا لون → حمرة (غضب) → نور (انكشاف)

بلاغيًا هذا يُسمى تطورًا دلاليًا لونيًا يعكس التحول النفسي.

خامسًا: الاستفهام البلاغي

"أما آن الروح أن تغتسل؟"

هذا استفهام إنكاري/تحريضي، لا ينتظر جوابًا.

وظيفته البلاغية:

إحداث يقظة داخل النص.

سادسًا: الحقل الديني التطهيري

"توضأ وامسح عينيك"

هنا استعارة روحية: الوضوء = تطهير داخلي

مسح العين = إزالة الوهم

المطر يتحول إلى ماء وضوء،

والنور يتحول إلى حقيقة مكشوفة.

هذا يُعرف بـ الانزياح الرمزي: تحويل الفعل الديني إلى فعل وجودي.

سابعًا: الطباق والتقابل

في القصيدة تقابلات خفية:

صورة

مقابلها

الصمت

الثورة

الدخان

النور

التشتت

الاكتمال

الغربة

الاستجابة السماوية

هذه التقابلات تمنح النص توازنًا داخليًا دون تصريح مباشر.

ثامنًا: الإيقاع الداخلي

كثرة الأفعال المضارعة (تقذفك، تمخر، تطارد، تشتته، يعلن...)

تعطي حركة مستمرة.

التكرار الصوتي لحرف القاف (تقذفك، حقائب، قهوتك، القهر، القشة)

القاف صوت انفجاري، يناسب فكرة القهر والغليان.

تاسعًا: ذروة الصورة البلاغية

أقوى نقطة بلاغيًا في النص:

"وسيف القهر استُلَّ من غمده الذي تحمله بين يديك"

الصورة هنا مزدوجة:

القهر سيف

الذات تحمل الغمد

أي أن القهر لم يكن مفروضًا فقط، بل كان مُمسكًا به دون وعي.

بلاغيًا هذه استعارة تكشف تورط الذات في استمرار القهر — وهي صورة عميقة جدًا.

خلاصة بلاغية

قصيدتك تعتمد على:

الاستعارة الممتدة (البحر/البركان/السيف)

الرمزية اليومية المكثفة

الانزياح من المادي إلى الروحي

تطور لوني ودلالي واضح

إيقاع داخلي مبني على الفعل والحركة

هي قصيدة بلاغتها ليست في الزخرف، بل في التحوّل.


دمت شاعرًا يصنع من التفاصيل براكين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق