الخميس، 12 فبراير 2026

الخطوط الحمراء بقلم الكاتبة هادية آمنة

 الخطوط الحمراء

أنتَ، أيها القارئ، مع أي فكرة تقف: مع الرواية التي تصف الحقيقة كما هي، أم مع روائيٍّ يُطالَب بأن يتدثّر بالأخلاق وهو يكتب عن واقعٍ كان، في جوهره، بلا أخلاق؟ حين نشرتُ مقتطفًا من روايتي في أحد المواقع، مقتطفًا اقتربتُ فيه من الحقيقة كما عاشتها الأجساد في زمن الاستعمار، لا كما تحبّ الذاكرة المنقّاة أن ترويها، قيل لي إنني تجاوزتُ «الخطوط الحمراء» وإن في ما كتبته إفسادًا للأخلاق. أجبتُ بهدوء: الرواية ليست درسًا في السلوك، بل مرآة للمجتمع، والمجتمع نفسه يضمّ كل الأصناف البشرية، وفيه من القبح والبشاعة ما يُفضَّل الصمت عنه. الاستعمار، كما يشرح فرانتز فانون، لم يكن احتلال أرض فقط، بل انتهاكًا منظّمًا للجسد والكرامة، وحذف ذلك من السرد ليس أخلاقًا بل إنكارًا. قلتُ إن إميل زولا جعل من الرواية تشريحًا اجتماعيًا لا تجميلًا، وإن نجيب محفوظ والطاهر بن جلّون وميلان كونديرا كتبوا بجرأة لأنهم أدركوا أن الأدب لا يصنع الفساد، بل يكشف شروطه. ثم سألتُ: هل نريد رواية مطمئنة تكذب، أم رواية صادقة تُقلق؟ ما كتبته أقلّ فظاعة من الحقيقة نفسها، وإن كانت الصدمة حاضرة، فهي صدى لما حدث فعليًا، لا رغبة في الإثارة. فمع أيهما أنت: مع ستر الواقع، أم مع قول ما كان، بكل ما يقتضيه الصدق من جرأة؟

هادية آمنة 

تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق