الجمعة، 13 فبراير 2026

على هامش اليوم العالمي للاذاعة* نغم الأصالة في فضاء الحداثة: سعاد الفيلالي.. صوت تطاوين الذي لا يغيب بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش اليوم العالمي للاذاعة*

نغم الأصالة في فضاء الحداثة: سعاد الفيلالي.. صوت تطاوين الذي لا يغيب


في عالم تزاحمت فيه الصور وتنافست فيه المنصات المرئية على جذب الأنظار،تبقى الإذاعة ذلك الكائن السحري الذي يصنع عوالمه داخل المخيلة.هي الرفيق الوفي الذي لا يمل،والصوت الدافئ الذي يملأ الفراغ ويؤثث الوحدة.وإذا كانت الإذاعة "مسرح العقل"،فإن الأصوات الإذاعية المتميزة هي نجوم هذا المسرح.ولعلّ من أبرز هؤلاء النجوم في المشهد الإذاعي الجنوبي التونسي،بل في تونس كلها،هي الصوت الإذاعي المتميز،الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي من إذاعة تطاوين.

في اليوم العالمي للإذاعة،نقف إجلالا وتقديرا لقامة إعلامية استطاعت عبر سنوات من العطاء أن ترسم بصمتها الخاصة،وأن تصوغ علاقة فريدة من نوعها مع المستمع،علاقة تقوم على الاحترام والثقة والجمال.

من منا لم يستيقظ على نبرة صوتها الدافئة وهو يستعد لبداية يومه؟ ومن منا لم يبقها رفيقة له في زحمة الطريق داخل السيارة،عائدا من العمل أو متجها لقضاء حاجة في أسواق المدينة؟

 لطالما كان صوت سعاد الفيلالي خير جليس. صوت ثابت،لا يتغير،يمنحك إحساسا بالألفة والأمان.في البيت،كانت برامجها تلامس تفاصيل الحياة اليومية للعائلة التطاوينية،وفي السيارة كانت عنوانا للصحبة الجميلة التي تقصر المسافات وتمتع الروح.

إنها تلك الإعلامية التي أدركت أن الصوت الإذاعي ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومة،بل هو فضاء للتواصل الوجداني.صوتها الذي يخترق حجب المسافات ليصل إلى القلب قبل الأذن،جعل منها رفيقة درف حقيقية-للتطاوينيين-أينما كانوا.

ما يميز التجربة الإعلامية لسعاد الفيلالي هو ذلك التوازن البديع بين الأصالة والحداثة.إذ نراها تبدع في ربوع تطاوين،أرض الأصالة والشموخ والإبداع، تحمل في صوتها نبرة هذه الأرض القاسية والجميلة في آن.نبرة تعكس كرم الضيافة،وقوة الشكيمة،وعراقة الموروث الثقافي المحلي.وهي في كل حلقة إذاعية تحافظ على هذه الجذور، فتراعي خصوصية المجتمع التطاويني المحافظ، وتستقي من كنوزه الثقافية مادة غنية تثري برامجها.

وفي الوقت نفسه،هي إعلامية منفتحة على العصر،تواكب متغيرات الحداثة وتواكب تطورات المشهد الإعلامي.واستطاعت أن تقدم محتوى معاصرا بلغة راقية،دون أن تفقد هويتها أو تخل بمسؤولياتها المهنية.هذا المزج الفريد يجعل منها جسرا تواصليا متينا يربط بين جيل الماضي بتراثه وجيل الحاضر بتطلعاته.

ليست الكاريزما الصوتية وحدها من صنعت نجاح الإعلامية سعاد الفيلالي،بل هناك الكفاءة العالية والمهنية الرصينة التي تقف خلف كل كلمة تذيعها. هي إعلامية تعرف كيف تبحث،وكيف تعد،وكيف تقدم.تتعامل مع الميكروفون بأمانة المبدع الذي يدرك حجم الرسالة الملقاة على عاتقه.وحرصها على الدقة والموضوعية،وحوارها الهادئ الذي يغلب عليه طابع الاحترام،جعل منها مصدر ثقة للمستمعين.

لقد نجحت سعاد في صياغة علاقة إنسانية نبيلة مع المتلقي.فهي ليست مجرد صوت يأتي من السماعة،بل هي فرد من العائلة الكبيرة التي تسكن تطاوين.تشارك الناس أفراحهم وأتراحهم،وتستمع لهمومهم،وتكون صوت من لا صوت له.هذا التقارب الإنساني هو جوهر العمل الإذاعي الناجح،وهي أتقنته بامتياز.

لا يمكن فصل تألق سعاد الفيلالي عن محيطها،عن هذه الربوع الشامخة التي تحتضنها.تطاوين بجبلها وقصورها وصحرائها،بطابعها البدوي الأصيل وإنسانها الكريم،كانت الملهم الأول.استطاعت هذه الإعلامية أن تكون مرآة صادقة تعكس جمال هذه الأرض وعبق تاريخها.فصوتها يخرج من رحم تطاوين ليحمل هموم أبنائها وطموحاتهم،وليعكس للعالم صورة مشرقة عن هذه الجهة الساحرة.

إنها تمثل نموذجا للإعلامي العضوي،المرتبط بهويته المحلية،والمنفتح في الوقت نفسه على الآفاق الرحبة للعالم.

وفي هذا اليوم الذي تحتفي فيه البشرية جمعاء بالإذاعة كوسيلة تواصل عريقة ومتجددة،تتجه أنظارنا وقلوبنا نحو من جعلوا من هذه الوسيلة فنا وإبداعا.إلى الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي، الصوت المتميز بإذاعة تطاوين،نتقدم بباقة من أطيب التحايا والتقدير.

تحية لك على هذا المسير الحافل بالعطاء،على هذا الصوت الذي لم ولن يغيب عن ذاكرة المستمعين، على هذا الجسر المتين الذي بنيته بين الإبداع الإذاعي وجمهورك العريض.أنت مثال يحتذى به للأجيال الصاعدة من الإعلاميين،ودليل على أن الإخلاص والموهبة والكفاءة هي وحدها الطريق إلى قلوب الناس.

صوتك يا سعاد سيظل صداه يتردد في فضاءات تطاوين،في بيوتها وسياراتها ومقاهيها،ليذكرنا دائما بأن للإذاعة روحا،وأن هذه الروح اسمها سعاد الفيلالي

وفي يوم الإذاعة العالمي،لا يسعنا إلا أن نرفع لها باقة من التحايا والتقدير،عرفانا بمسيرتها الحافلة بالعطاء وإخلاصها لرسالتها الإعلامية السامية.

وليس بغريب على قامة مثل سعاد الفيلالي أن تحمل كل هذا الإبداع،فهي التي تنحدر من رحم مدينة عريقة وصامدة،مدينة بن قردان.تلك الأرض التي سطرت ملحمة وطنية خالدة في السابع من مارس 2016،حيث وقف رجالها ونساؤها كالجدار الصلد في وجه الإرهاب الغاشم،وجسدوا أسمى معاني الفداء والتضحية في سبيل الكرامة والوطن.إنها مدينة الأبطال التي تنجب دائما المبدعين الأوفياء.

تحية إعزاز وتقدير لأهالينا الصامدين في بن قردان،وتحية مليئة بالفخر لابنتنا المشتركة، الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي،التي تشرف مدينتها وتاجها وتاج تطاوين وتونس كلها.صوتك يا سعاد هو جزء من ذاكرتنا الوطنية،وهو النغم الذي يذكرنا دائمًا بأن الإعلام الحقيقي هو رسالة نبيلة قبل أن يكون مهنة.

وكل عام وأنت بألف خير،وكل عام والإذاعة التونسية عامرة بأمثالك.


متابعة محمد المحسن


*اليوم العالمِيّ لِلإذاعة أو يوم الإذاعة العالميّ،هو يوم عالميّ،يتمّ بهذه المُناسبة الاِحتفاء بالدور الهام الّذي تقدمه هذه الوسيلة المسموعة،فِي 13 فِيفري مِن كُلّ عام.وقد تمّ اِختيار هذا التَاريخ تزامُنا مع ذِكرَى إِطلاق إِذاعة الأُممِ المُتّحِدة عام 1946.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق