بعد سكوت قررت التكلّم
بعد سكوت قررت التكلّم.
هل سبق وأن توقفتم أمام اسم مدرسة في ضاحية المرسى، وسألتم أنفسكم: لماذا تُسمّى هذه المدرسة باسم شاعر فرنسي عاش قبل أكثر من قرن؟ هل نُكرّم الأدب أم نُخفي أسرارًا مظلمة؟ ولماذا ظل الاسم صامدًا منذ سنة 1956، السنة التي استقلت فيها تونس، بينما كل شيء آخر كان يتغيّر؟
المدرسة تحمل اسم بول فيرلان – École Paul Verlaine، شاعر فرنسي من المدرسة الرمزية، معروف بأشعاره، لكن هل نعرف شيئًا عن شخصيته؟ هنا تبدأ المفاجآت: قبل أن يعمل مدرسًا، عاش فيرلان حياة مضطربة وعاطفية، حيث كانت له علاقة مع الشاعر الشاب آرثر رامبو انتهت بإطلاقه النار عليه ودخوله السجن لمدة 18 شهرًا. وبعد خروجه، عمل فيرلان مدرسًا، وخلال هذه الفترة أقام علاقة جنسية مع تلميذه لوسيان ليتينوا، وهو شاب ترك أثرًا كبيرًا في حياته، ما يبرز الجانب المظلم والمعقد لشخصيته خارج الشعر والأدب.
تخيّلوا أن يمر التلميذ يوميًا أمام صورة كبيرة لهذا الشاعر، ويُطلب منه البحث عنه. ستفاجئه الحقيقة، خاصة إذا شاهد الفيلم الطويل الذي يصوّر حياة بول فيرلان بصورها الصادمة والمثيرة للجدل. هل من المنطقي أن نزرع في عقل التلميذ مثل هذا الالتباس؟ هل من المسؤولية أن يُقدّم هذا المثال في العمل البيداغوجي؟
والأغرب أن نسأل: منذ عهد بورقيبة، هل كان المستنيرون يعلمون بهذه الحقائق؟ وهل كان هناك تواطؤ صامت؟ لماذا بقي الاسم دون تغيير طوال هذه العقود؟ هل كان الخوف، الجبن، أم رغبة خبيثة في التأثير على المجتمع؟
ودعونا نأخذ مثالًا من الأدب العربي: أبو نواس، شاعر عاشق للغلمان، هذا طبيعي أن نجد اسمه على خمارة في تونس، ونقول: “هاهو شاعر الخمرة والغلمان!”، لكن أن نجد اسمه على مدرسة؟ هذا مستحيل، وغير منطقي تمامًا! فإذا كان الأمر مستهجنًا مع أبو نواس، فكم بالحري يجب أن نستغرب ونطرح الأسئلة عندما نخلّد اسم شاعر غربي له حياة مضطربة ومعقدة على مؤسسة تعليمية؟
أنا، من موقعي كمربية وكأديبة، أرفع صوتي اليوم: يجب أن تراجع السلطات هذا الاسم فورًا. كل سكوت على هذه الوضعية هو تواطؤ وخيانة لمستقبل أبنائنا. كل يوم يمر بهذه المدرسة يحمل خطرًا حقيقيًا على عقلية التلاميذ، وكل بحث يقومون به عن هذا الشاعر قد يترك أثرًا نفسيًا غير مرغوب فيه.
السؤال الذي أطرحه للجميع: هل نشر هذا الاسم بريء، أم أن هناك خبثًا متعمدًا يريد أن ينخر مجتمعنا؟ وهل حان الوقت لنعيد النظر، ونختار أسماء تضيف للفكر لا أن تضر بعقول الأطفال؟
ولهذا، أوجّه دعوة واضحة لنشر هذا المقال على نطاق واسع، ليصل إلى كل التونسيين وإلى السلطات التعليمية، حتى تُدرأ هذه الفضيحة عن جبين التعليم التونسي. وأتمنى أن تصل هذه الفكرة إلى رئاسة الجمهورية، لأن استمرار هذا الاسم هو وصمة عار حقيقية على جبين التعليم في بلادنا.
هادية آمنة
تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق