الأربعاء، 25 فبراير 2026

الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..حين تصير القصيدة غزة..والنبض فلسطينيا بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..حين تصير القصيدة غزة..والنبض فلسطينيا

-أرَى نصْرَ( غزّةَ) قادِماً..وستَنْجَلي 

أرَى نصرَ غزّةَ والهزيمةُ لِلعِدا

والنِّتنُ يُقهَرُ  والبِلادُ..تعودُ لي..( الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير )


-هرم الناس وكانوا يرضعون/عندما قال المغني عائدون/يا فلسطين ومازال المغني يتغني/وملايين اللحون/في فضاء الجوح تغني/واليتامى من يتامى يولَدون..(أحمد مطر)


--"تفاح جرحكِ،هل سيثمر للغزاة الفاتحين؟/يتفقد الأغراب جرحكِ:"قد تموتْ في الفجر غزة،قد تموتْ"وتعود في الفجر الحزينْ/صيحات حبكِ والحياة/أقوى وأعلى،يا صباح الخير،أختَ المعجزاتْ"(معين بسيسو)


ليس الشاعر من يختار القضية،بل القضية هي من تختاره.فالشعراء الحقيقيون لا يكتبون القصائد، بل تكتبهم لحظات الأمة المصيرية،فيكونون صوتها الأكثر نقاء،وضميرها الأكثر إيلاما. 

أن تكون شاعرا في زمن المحنة،معناه أن تحمل أمانة الكلمة في زمن يتحول فيه الدم إلى حبر، والحبر إلى رصاصة،والرصاصة إلى خلود.والشاعر الفلسطيني ليس مناصرا للقضية،بل هو القضية ذاتها،يتنفس ترابها،وينزف جراحها،ويحلم أحلامها المعلقة على أسوار الحصار.

-بين بيوت الطين وأسئلة المنفى:

هل تختلف قصيدة تكتب على حائط غرفة الطفولة،تحت ظل زيتونة تعانق السماء،عن قصيدة تولد على أرصفة المنفى،بين وجوه الغرباء ولغات لا تفهم وجعك؟

 لا شك أن المكان الأول يمنح الشاعر دفء الذاكرة وحميمية التفاصيل،لكن المنفى يمنحه رؤية أكثر اتساعا،وجرأة أكثر فجاجة،وحاجة أكثر إلحاحا للكتابة كمن يصرخ في فراغ.قصيدة المنفى تكتب بلهفة الغريب الذي يحمل وطنه تحت جلده، ويبحث عنه في ملامح المارة،ويرسمه على وجوه الأطفال البعيدين.بينما قصيدة البيت الأول تكتب بتؤدة الحالم الذي يسمع همس الريح في سنابل القمح،ويرى في كل زاوية حكاية لا تنتهي.

غير أن المحنة الفلسطينية جعلت من كل شاعر ابنا للغربة،حتى وهو واقف على أرضه.فالاحتلال جعل الوطن نفسه منفى،والأرض غريبة تحت أقدام أصحابها.وهكذا صار الشعر الفلسطيني ابنا شرعيا للمكان والمنفى معا،ابنا للذاكرة والوجع،ابنا للحصار والانتفاضة.

لم تكن فلسطين يوما قضية عابرة في الضمير العربي،بل كانت ومازالت البوصلة التي توجه بوصلات الشعراء،والمحرك الأعمق لقصائدهم.ففي فلسطين،يتجلى الصراع بين الحق والغصب،بين الجمال والقبح،بين الحياة والموت.وعلى أرضها يتقرر مستقبل أمة بأكملها،ولهذا لم تكن المقاومة فيها مجرد خيار،بل قدرا محتوما،ولم يكن الشعر فيها مجرد تعبير،بل واجبا وجوديا.

لقد عرف الفلسطيني مبكرا أن المعركة ليست معركة سلاح فقط،بل معركة وعي وثقافة وتاريخ. فحارب بالكلمة قبل الرصاصة،وبالصبر قبل الانتفاضة،وبالحجر قبل المدفع.ولم تخل وسائل نضاله من الشعر الذي رافقه في كل محطاته: من الاحتجاج إلى الإضراب،ومن العصيان المدني إلى الثورة المسلحة.وكان الشعر يسبق الرصاص أحيانا،ويتبعه أحيانا أخرى،لكنه ظل ملازما للفعل النضالي كالظل.

وإذا كانت فلسطين قلب العروبة النابض،فإن غزة هي قلب فلسطين النازف.هذا الشريط الساحلي الضيق الذي يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان في أصعب ظروف الحصار والقهر،استطاع أن يلفت أنظار العالم كله بصمود أسطوري لا مثيل له. غزة التي عادت عبر التاريخ لتؤكد أن الإرادة أقوى من الموت،وأن الكرامة أغلى من الحياة.

ولم يكن غريبا إذن أن تحظى غزة باهتمام الشعراء منذ القديم.فالإمام الشافعي الذي وُلد فيها وتربى على ترابها،ظل حنينا إليها حتى بعد أن غادرها، فقال:

وَإِنّي لَمُشتاق إِلى أَرضِ غزَّة

وإِن خانني بَعدَ التَفرُّق كتماني

سقى اللَه أَرضا لو ظفِرت بتربها

كحَلت بِه مِن شِدَة الشَوق أَجفاني

هكذا كان الحنين إلى غزة حنين عاشق،وهكذا بقي عبر العصور.لكن غزة اليوم لم تعد مجرد مكان للحنين،بل صارت رمزا للصمود والتحدي،وأيقونة للمقاومة والثبات.كل حجر فيها يروي حكاية،وكل زقاق يحفظ وصية شهيد،وكل طفل يحمل في عينيه غدا لا يموت.

وفي زمن المحرقة الغزاوية الراهنة،حيث يتجاوز القتل كل حدود الوحشية،وحيث تتحول حياة الإنسان إلى رهان على البقاء،تبرز أصوات شعرية تحمل همّ الأمة وتترجم جراحها.ومن بين هذه الأصوات،تبرز الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير،التي جعلت من قصيدتها مرآة تعكس مأساة غزة بكل أبعادها الإنسانية.

في قصيدتها النازفة،لا تكتفي الأستاذة عزيزة بشير بتسجيل الألم،بل تحوله إلى سؤال وجودي يزلزل الضمير العربي:

يا أُمَة المِليار ماذا تَنظُري؟

ما بَعد غَزَة فَانظُريهِ مُغيرا

إنها صرخة في وجه الصمت العربي المخيم، واستفزاز لضمائر النائمين تحت أغطية التاريخ. تكتب أ-عزيزة بمداد الروح،ترسم جراح غزة بكلماتها،وتجعل من قصيدتها صوتا لكل طفل شهيد،وكل أم ثكلى،وكل بيت هُدم على ساكنيه.

نُصرة لِغَزَّةَ،لرَفَح،وَسائِرِ

بِلاد العَرَب وَالمُسلِمين

من في السَماء سَأَلتُ نُصرَة غزَة

وَرجَوتُه لِلمظلومينَ نَصيرا

تستعير الشاعر الكبيرة الأستاذة عزيزة من التراث الديني والوطني ما يعمق أثر قصيدتها،وتخلط بين الدعاء والصراخ،بين الرجاء واليأس،لتخلق حالة شعرية فريدة تجمع بين العاطفة الجياشة والرؤية الثاقبة.

ما يميز الشعر عن غيره من الفنون،أنه الأقدر على التعبير عن اللحظات الإنسانية الفاصلة.ففي المحنة،يصير الشعر ملاذا،وفي الظلم يصير سلاحا،وفي القهر يصير أملا.وليس غريبا إذن أن يرافق الشعر الإنسان منذ فجر تاريخه،خاصة في لحظات الاضطهاد والاحتلال.

غير أن شعر المقاومة الحقيقي ليس مجرد تحريض أو هتاف،بل هو تعبير عن عمق المأساة الإنسانية بكل تجلياتها.إنه شعر يتوحد مع الألم، يرتقي به إلى مصاف الجمال،ويحوله إلى طاقة خلاقة تفضح العدو وتكشف زيفه.وعندما يكتب الشاعر عن المحرقة،لا يكتب من الخارج،بل يكتب من داخلها،يحترق بها ومعها،ويخرج منها بلغة جديدة أكثر عمقا وإيلاما.

وهذا بالضبط ما تفعله الأستاذة عزيزة بشير في قصيدتها.إنها لا تصف المأساة من بعيد،بل تعيشها بكل تفاصيلها،وتجعل من جسدها مرثية للشهداء، ومن روحها قبلة للأحياء.هكذا يصير الشعر الفلسطيني جزءا من النسيج الوطني،بل هو النسيج نفسه أحيانا.

محنة غزة الراهنة أعادت إلى الذاكرة العربية كل تجارب المقاومة في العالم.استعادت شيلي وهو يكتب عن اضطهاد العمال،ولوركا وهو يبكي غرناطة،وإيلوار وهو ينشد للحرية.لكن ما يحدث في غزة يتجاوز كل هذه التجارب،لأنه يمثل أبشع أشكال الإبادة الجماعية في العصر الحديث،وفي صمت عالمي مطبق.!

هذا الصمت هو ما جعل من قصيدة الشاعر الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير صرخة مدوية في وجه الإنسانية المتخاذلة.فحين تتساقط الأقنعة،وتتهاوى القيم،يبقى الشعر وحده قادرا على قول الحقيقة،وتخليد الذاكرة،وكشف زيف الخطاب الإعلامي المضلل.

وإذا كان عمر الرصاصة محكوما بسرعة وصولها إلى الهدف،فإن عمر القصيدة لا حدود له.فالقصيدة الحقيقية تعبر الزمن،تنتقل من جيل إلى جيل، تحافظ على وهجها رغم تقادم العصور.إنها تؤثر وتخلد،تواصل تذكير الغاصب بعقمه الإنساني، وتذكير المضطهد بعمقه الإنساني.

ولهذا،تشكل القصيدة أفقا للمقاومة والتحرر،وأداة للوقوف في وجه الظلم.فالقضية الفلسطينية قبل أن تكون سياسية،هي قضية أخلاقية وإنسانية، مما يجعلها أرضا خصبة لإستحضار القيم النبيلة التي يتغذى منها الشعر.

-صبرا عزيزة...فالنصر آت :

في خضم هذه المحرقة،تبقى الكلمة الفلسطينية شامخة كالنخيل،متجذرة في الأرض كالزيتون. وتبقى الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير نموذجا للصمود والإبداع،تجسد في قصيدتها كل معاني التحدي والأمل.

صبرا أيتها الشاعرة السامقة،فلكل ظلمة نهاية، ولكل صبح فجر.صبرا يا آل ياسر،فإن موعدكم الجنة،وإن النصر قادم لا محالة.وسينتصب الحق شامخا،ويخر الباطل صريعا،وينبلج الصبح على فلسطين.

"وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ"

ليس هذا حلما،بل هو الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء،إنه اليقين بأن الكلمة أقوى من الرصاصة،وأن الشعر أخلد من الدبابات، وأن غزة ستظل دائما وأبدا أرض العزة والكرامة.

صبرا جميلا أيتها الشاعرة السامقة..فما كتبته من وجع لن يضيع،وما نقشه حبرك على جدار الزمن سيبقى شاهدا.أنتِ لست وحدكِ في هذه المعركة، فكل حرف كتبتيه صار نجمة في سماء فلسطين، وكل قصيدة نازفة منكِ هي رصاصة في قلب العتمة.غزة التي تحبينها ستنتصر،ليس فقط بالبارود،بل بالكلمة التي لا تموت،وبالشعر الذي يصنع من الرماد وطنا. 

سلام عليكِ حيث حمَلتِ القضية نبضا،وحيث جعلتِ من الشعر فلسطينا لا تغيب.


محمد المحسن


تنويه :

هذه الشاعرة الفلسطينية الجسورة،الأستاذة عزيزة بشير،تقيم في الإمارات..لكنها لا تعيش هناك،بل تتشظى بين الرمال والغياب.تحمل في روحها يباب فلسطين،وفي حقائبها ترابها المقدس.تنام على جرح لا يندمل،وتصحو على وطن يلفظ أنفاسه الأخيرة..تستيقظ على صرخته المدوية في صدر النسيان.تصغي لصوت فلسطين وهي تنزف تحت القصف وتحت الصمت العربي الرهيب.

فمن لها في هذا الخراب؟ ومن لهذه الأرض التي تئن تحت الركام..؟!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق